مجتمع الخطر ودورة الخوف!

السيد يسين

 

عش في خطر! عبارة شهيرة سبق للفيلسوف الألماني المعروف فردريك نيتشة أن قالها، في معرض استفزاز البشر لكي يخرجوا عن ناموس حياتهم البيروقراطية الممل، ويتغلبوا على العادات والممارسات التقليدية، سعياً وراء إطلاق طاقات الإبداع الكامنة في كل واحد منهم.
ولم يدرك نيتشة أن عبارته هذه، قد أصبحت عنواناً مثيراً للمجتمع الإنساني كله في الوقت الحاضر، الذي يطلق عليه الآن، "مجتمع الخطر"!
و"مجتمع الخطر" مفهوم صاغه أساساً عالم الاجتماع الألماني "إيرليش بيك" في كتاب له نشر بالألمانية وترجم إلى الفرنسية منذ سنوات. وهو يتحدث عن الخطر باعتباره السمة الرئيسية للمجتمع الإنساني المعاصر، بعد اختفاء الأمن النسبي.
ومصادر الخطر متعددة في الواقع. ولعل أبرزها على الإطلاق التلوث الذري. ويمكن أن يكون نموذجاً بارزاً له انفجار مفاعل "تشيرنوبل" في الاتحاد السوفيتي السابق، والذي أثار الرعب في العالم كله، بحكم انتشار مفاعلات ذرية شبيهة في عديد من البلاد.
غير أنه بالإضافة إلى التلوث الذري وسوء استخدام بحوث الهندسة الوراثية، هناك ظواهر خطيرة أدت إلى زيادة الخطر على الأمن الإنسانى، لعل أهمها انتشار أسلحة الدمار الشامل وتزايد ظاهرة الإرهاب، الذي تعدى مرحلة المحلية وانتقل إلى العالمية بحيث أصبح إرهاباً "معولماً"، يضرب ضرباته في واشنطن ومدريد ولندن، وكذلك في طابا وشرم الشيخ!
وقد اهتمت وثيقة "تخطيط المستقبل الكوني" الأميركية بهذا الموضوع وناقشته في فقرة بعنوان "انتشار الشعور بعدم الأمن".
وقد ذهبت الوثيقة إلى أنه سيكون هناك شعور متزايد بعدم الأمن حوالى عام 2020، وقد يرد هذا الشعور إلى أسباب نفسية، كما قد يرد إلى وقوع هجمات إرهابية فعلية. والأسباب النفسية لعدم الأمن قد يكون من بين عواملها القلق على استقرار الوظائف، بالإضافة إلى المخاوف في المجتمعات المضيفة للمهاجرين من دول وثقافات أخرى من منافستهم لأبناء البلاد الأصليين في سوق العمل.
ومما لا شك فيه أن الإرهاب والصراعات الداخلية في الدول يمكن أن تؤدي إلى اضطراب في مسيرة العولمة، وذلك من خلال زيادة تكاليف توفير الأمان للتجارة الدولية التي قد تنجم عن زيادة القوات الخاصة بحراسة الحدود، والتأثير السالب على أسواق الائتمان.
ويرى الخبراء في مجال الإرهاب أن غالبية الجماعات الإرهابية الدولية سيستمر انتماؤها إلى الإسلام الراديكالي المتشدد. وستتسع دوائر تأثير هذه الجماعات الإسلامية المتطرفة، سواء داخل الشرق الأوسط أو خارجه، بالإضافة إلى أوروبا الغربية وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا. وإحياء المشاعر الدينية المتطرفة سيصاحب اتجاهات التضامن مع المسلمين في مناطق الصراع مثل فلسطين والعراق وكشمير.
وترى الوثيقة الأميركية أنه لو حدث انقلاب إسلامي في أحد بلاد الشرق الأوسط، فإن ذلك سيؤدي إلى انتشار الإرهاب في كل المنطقة، مما قد يعطي اليقين لهذه الجماعات بأن حلم استعادة الخلافة قابل للتحقيق.
وسيساعد على انتشار هذا المد الإسلامي المتطرف الشبكات غير الرسمية من الجمعيات الخيرية الإسلامية والمدارس الإسلامية، والتي يمكن أن تصبح مصدراً لإنبات عناصر راديكالية.
وهناك مؤشرات على أن بعض الحركات الإسلامية المتطرفة والإرهابية تطمح إلى الانقلاب على عدد من الحكومات العلمانية، وتأسيس حكومات إسلامية بدلاً منها.
ولا شك أن الحركات المضادة للعولمة، والجماهير المعادية لسياسات الولايات المتحدة الأميركية، يمكن أن تتعاطف -في نظر الوثيقة الأميركية- مع هذه الجماعات الإسلامية المتشددة.
وقد التفتت الوثيقة إلى ظاهرة مهمة هي من آثار الثورة الاتصالية وخصوصاً شبكة الإنترنت وانتشار استخدام آلية البريد الإلكترونى. فقد أدى ذلك في مجال التنظيمات الإرهابية إلى عدم حاجتها لبناء جماعات إرهابية مركزية، مما أدى إلى انتشار الخلايا الإرهابية التي تضم عدداً محدوداً من الأشخاص في عديد من البلاد.
وقد استطاعت الجماعات الإرهابية ببراعة منقطعة النظير استخدام الفضاء المعلوماتي
Cyber Space في الاتصال ونشر ثقافة الإرهاب وتبادل المعلومات. وقد تؤدي بعض الصراعات الدولية مثل الاحتلال الأجنبي للعراق بكل آثاره السلبية على الشعب العراقي إلى أن تصبح بعض البلاد مثل العراق، أرضاً خصبة لتنمية كوادر الإرهابيين الذين يستطيعون الانتقال بإرهابهم من بعد إلى بلاد أخرى.
وهناك شواهد على أن هناك جماعات من المجاهدين ينتمون إلى جنسيات مختلفة، مستعدون للذهاب إلى أي بلد في العالم لـ"الجهاد" ضد أعداء الإسلام.
وهناك مخاوف شديدة في البلاد الغربية من احتمال أن يلجأ الإرهابيون الذين ينتمون إلى جماعات إسلامية متطرفة لاستخدام السلاح البيولوجي ضد أهداف مختارة بعناية.
وتشير الوثيقة الأميركية إلى مخاطر تعاون الجماعات الإرهابية مع العصابات الإجرامية في دول شتى، وخصوصاً مع تجار المخدرات الدوليين، وعناصر الجريمة المنظمة.
وإذا أضفنا احتمالات اختراق العصابات الإرهابية لشبكات المعلومات في البلاد الغربية وتخريبها، فمعنى ذلك أن ما يطلق عليه حرب الشبكات
Net war سيضاعف من المخاطر هي والحروب الفضائية Cyber war.
وتنتهي وثيقة "تخطيط المستقبل الكونى" بسيناريو افتراضي، أطلقت عليه "دورة الخوف" .
ويحاول هذا السيناريو استكشاف ما الذي يمكن أن يحدث لو تزايد انتشار أسلحة الدمار الشامل، وما هي احتياطات الأمن التي يمكن اتخاذها.
وإذا كان يمكن للدول أن تكافح تجارة السلاح غير المشروعة، فإن مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل تبدو بالغة الصعوبة.
ومرد ذلك إلى أنه إذا انتشرت أسلحة الدمار الشامل، فإن دولاً متعددة قد ترى ضرورة أن تتسلح بها لكي تدافع عن نفسها، وهكذا تزيد دائرة عدم الأمان في العالم.
هكذا تحدثت وثيقة "تخطيط المستقبل الكوني". ولو نظرنا إليها بصورة نقدية لقلنا إنها حاولت أن تستند إلى عدد من المؤشرات الكمية والكيفية من خلال منهج استشرافي لكي تتصور حالة العالم عام 2020.
غير أنه يمكن القول إنها وثيقة متواضعة من الفكر الاستراتيجي. وليس في هذه الملاحظة تقليل من قيمتها في الواقع. فالوثيقة مفيدة في التعرف على نظام إدراكات النخبة السياسية الحاكمة الأميركية لعالم عام 2020، والمخاطر الكبرى التي يمكن أن تؤثر على الأمن القومي الأميركي.
وتستطيع النخب السياسية الحاكمة العربية أن تستفيد ولا شك من ذلك- من التحليلات التي تزخر بها الوثيقة.
ولا يمكن للعالم العربي أن يستعد للمستقبل بغير تبني رؤية استراتيجية متكاملة. والرؤية الاستراتيجية بحسب التعريف هي مجموع الخيارات السياسية والاقتصادية والثقافية التي يتبناها مجتمع ما أو إقليم ما لكي تطبق على مدى عشرين عاماً مقبلة.
والواقع أنه لا يمكن صياغة رؤية استراتيجية عربية بغير توافر حد أدنى لا نقول من الوحدة العربية ولكن من التنسيق العربي الضروري، لكي يقف العالم العربي ككتلة واحدة إزاء الاتحادات الإقليمية المتعددة في العالم.
ولو نظرنا إلى كل بلد عربي على حدة، لاكتشفنا أن عدداً محدوداً منها هو الذي خاض عمار صياغة رؤى استراتيجية.
وقد يكون مفيدا استعراض بعض هذه النماذج، قبل أن نعرض تصورنا لكيفية تخطيط رؤية استراتيجية عربية افتراضية!.