درس للعرب من كنائس اميركية

 بقلم كلوفيس مقصود - النهار

بدأت كنائس مسيحية في الولايات المتحدة حض مؤسساتها واعضائها على سحب استثماراتهم من شركات تعمل على تمكين العمليات القمعية التي تخرق القوانين الدولية في الاراضي الفلسطينية في شكل مرفوض اخلاقيا. وتركزت حملة سحب الاستثمارات. على شركات كاتربيللر وموتورولا ويونايتد تكنولوجيز معللة الاسباب بأن هذا الفوج الاول من الشركات يبيع طائرات مروحية وهواتف نقالة وغيرها "تستعملها اسرائيل لفرض وتنفيذ متطلبات احتلالها"، كما ورد في تفسير قرارات الدعوة الى سحب الاستثمارات، وتقود هذه الحملة كنيسة البريسبيتارية مع غيرها مثل مجلس الكنائس، مساهمة منها في "سحب استثمارات تشجع كل ممارسات تؤول الى احداث اضرار والى مزيد من الظلم والعنف من خلال بناء الحائط الفاصل او ما يمعن في ترسيخ الاحتلال او بيع اسلحة وبضائع تؤدي بدورها الى عمليات انتحارية". وتقول الكنيسة ان لديها نحو 60 مليون دولار في الشركات المذكورة. وسبق لبعض هذه الكنائس  ان قام بحملات مماثلة ضد نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا وفي عدد من الدول التي تمارس القمع وخرق حقوق الانسان مثل بورما وغواتيمالا وقبلها في الصين ونيجيريا والسودان.

وكما كان متوقعا فقد وصفت جماعات عديدة من اليهود اجراءات سحب الاستثمارات بأنها مؤشرات "لاسامية" وتدل "على عدم وعي بمعاناة اسرائيل ومتطلبات امنها". كما سارعت مؤسسات يهودية وصهيونية الى اصدار دعوات لاجراء حوار مسيحي يهودي والى تشكيل وفود دينية مشتركة لزيارة اسرائيل في ايلول المقبل. ثم سارعت الشركات المعنية الى التنصل مما اتهمت به كون الحملة الآخذة في التوسع ستلحق اضرارا بالغة بمصالحها والتزاماتها المناقبية، واذا اضفنا الى ذلك احتجاج اسرائيل على موقف رأس الكنيسة الكاثوليكية ندرك ان ثمة احتضانا لحقوق الشعب الفلسطيني آخذا باسترجاع حيويته بعد ظاهرة الابتعاد عندما اعتبرت القيادة الفلسطينية وبعض القيادات العربية ان "الواقعية" تفضي بعدم التشويش على "مسيرات السلام" التي افرزتها اتفاقات اوسلو و"خريطة الطريق" ومشروع شارون "الانسحاب" من غزة.

كما ان الاحتضان الذي كان سائداً حتى الثمانينات صار باهتاً عندما ترسخ اقتناع بأن ادارة أزمة النزاع الفلسطيني الاسرائيلي موكولة الى الادارات الاميركية المتعاقبة، كون اسرائيل لا تجيز أي تدخل دولي ولا تصغي الا الى الولايات المتحدة، ومن يريد ان يساهم عليه ان يكون مطبعاً او مستعداً للتطبيع، او كما في الحال الفرنسية باعادة النظر من خلال الاقتناع بأن اسرائيل كما اشرنا سابقاً هي "بوابة"  علاقات مع اميركا. الا ان اسرائيل وحلفاءها في الكونغرس وعند المحافظين الجدد باغتتهم هذه الحملة في مدلولاتها وتوقيتها. ولا غرابة، فالمؤسسات التابعة للوبي الاسرائيلي تمادت في محاولات الابتزاز بالصاق تهمة اللاسامية بكل من ينتقد ممارسات اسرائيل، او حتى بمن يطالب بتطبيق القانون الدولي او بمن يميّز بين المقاومة المشروعة وبعض العمليات الفردية الانتقامية والعبثية المدانة أصلاً. كما ان محاولات الاعلام الاسرائيلي والصهيوني في جعل اسرائيل في منأى عن الادانة لممارستها، من خلال الفيتو الاميركي او التهديد به، افرغت قرارات مجلس الامن من أي اجراءات تنفيذية، وبالتالي همّشت دوره كلياً في ما يتعلق بأي حقوق فلسطينية، وهذا التصرف سوف يستمر وصولاً الى محاولة الغاء فاعلية قرارات المجلس بوجود جون بولتون في الامم المتحدة للولايات المتحدة. وهو  المعروف بأنه من اشرس المتحيزين في فريق المحافظين الجدد، لا الى اسرائيل فحسب بل الى اهدافها واطماعها التهديدية والتوسعية.

والسؤال المطروح امام العرب، جامعة ودولاً ومجتمعات، وخصوصاً سلطة فلسطينية، ليجيبوا عليه بصدق وشفافية، هو هل ان مبادرات مثل سحب استثمارات من شركات تساهم مباشرة او حتى مداورة في تمكين اسرائيل من استمرار احتلالها (التي تعترف بكونه احتلالاً) واستباحتها لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واستعادة حقوقه الوطنية والانسانية، يشكل تشويشاً على السياسات الفلسطينية والعربية الحالية او تعطيلاً لها؟ واذا كانت الاجابة ان المجهود السياسي والديبلوماسي الذي رسمت معالمه اتفاقات أوسلو و"خريطة الطريق" والتزامات ادارة بوش قيام "دولة فلسطينية" هي مسيرة واعدة ومطمئنة لحقوق الفلسطينيين غير القابلة للتصرف، فيجب الا تشكل هذه التدخلات "الطيبة" خطاً موازياً لما "نقوم به"، خصوصاً في ما يتعلق بما يسمى خطأ مشروع "الانسحاب الاسرائيلي من غزة". فأي تدخل على مسار المفاوضات الحالية قد تعتبره "الواقعية" الحالية، اضافة الى كونه تشويشا، انه "مزايدة" ايضا. واذذاك يجب تجنب تشجيع مثل هذه المبادرات، وان امكن "شكر" الداعين اليها.

اما اذا كان الجواب، كما اعتقد وكما يجب ان يكون أن حملة "سحب الاستثمارات" مطلوب منها ان تستمر وتتصاعد، وان يعتبرها العرب عموما والفلسطينيون خصوصاً بمثابة رديف لمقاومة شرعية للاحتلال وتعبيراً عن عودة الصحوة الى الضمير الانساني، فإنها في الولايات المتحدة تحديدا حركة رادعة لقوى رجعية متمثلة بالمحافظين الجدد و"المسيحيين الصهاينة" واللوبي الاسرائيلي AiPAC الذي تحقق سلطات المخابرات مع بعض قادته بـ"التجسس". كما ان مبادرة الكنائس من شأنها ان تؤنسن النضال الفلسطيني في اوساط الرأي العام وتصحح تشويهات صورة الانسان العربي والمسلم التي يمعن الاعلام الموالي لاسرائيل في ترسيخها في مخيلة الاميركي العادي. كما ان هذه المبادرة، اذا نمت ورافقتها مواقف عربيةواضحة وموحدة بالاحتضان السياسي تعيد الى القضية الفلسطينية اخلاقية حقوقها، اضافة الى قانونية شرعيتها.

ولا شك في ان الحركة الناشئة التي تقودها مؤسسات كنسية عدة تنطوي على امكانات لمواجهة غطرسة المشروع الصهيوني وابتزازاته والاستئثار الاميركي بادارة ازمة الصراع، كما تواجه محاولة اللوبي الاسرائيلي والمحافظين الجدد احتكار صناعة القرار "الشرق الاوسطي" والساعي الى تفلت اسرائيل من اي قيود قانونية او مناقبية. وعلى العرب، جامعة ودولا ومجتمعات، ولاسيما على الفلسطينيين ان يتحملوا مسؤوليات تستقوي بها المبادرات الساعية الى جعل فلسطين باراضيها وبقدسها وبحقوق شعبها، في منأى عن الاستباحة واخراجها من الجغرافيا والتاريخ وحتى من الذاكرة.

وهذا يتطلب اجراءات فورية كأن تقوم الجامعة العربية اذا جازت الدول الاعضاء لها بتنظيم حملة تنويرية تساهم في تفعيلها شخصيات فكرية وعلمية ومهنية ونقابية ومؤسسات وجمعيات البيئة وتمكين المرأة ما اروع ما قالته ارملة جون قرنق في جنازة زوجها! - وحقوق الانسان ومنظمات المجتمع المدني، كما ان المطلوب ايضا اعادة تطبيق قوانين المقاطعة وما تمليه حتى نوحي ان مساعدة العدوان وصفاقة الابتزاز الاسرائيلي سوف تكون مكلفة.

هذا يعني ان نعمل بالتوازي لئلا تستمر ديبلوماسية العرب سجينة واقعية مزورة، فنكافىء من يخاصم ويعرقل انجاز حقوقنا، ونعاقب من يدعم هذه الحقوق.

ان قضية فلسطين لا تزال مركزية في الوجدان لأن عدالتها الواضحة مقموعة بواقعية مزورة.