تحديات الحكم الرشيد

السيد يسين- الاتحاد

 

وثيقة "تخطيط المستقبل الكوني" التي أصدرها عام 2004 مجلس المخابرات القومي الأميركي تناقش أربعة موضوعات رئيسية، وكل منها ينتهي بسيناريو افتراضي.
السيناريو الثالث هو "تحديات الحكم الرشيد", ويناقش احتمالات تعثر تطبيق الديمقراطية في العالم، وبروز سياسات الهوية ويعني بها السياسة التي تقوم على الانتماء الديني، والتي يعد الإسلام الراديكالي هو مثالها البارز. وينتهي هذا الموضوع بسيناريو افتراضي بالغ الطرافة لأنه يقوم على أساس خيال سياسي واسع المدى، ويطلق عليه "تأسيس خلافة جديدة"!
ويعنون به نجاح حركات الإسلام الراديكالي من خلال توحيد صفوفها وسيطرتها على دول وأقاليم شتى في العالم، إعلان قيام الخلافة الإسلامية من جديد، وعلى رأسها الخليفة الذي سيحكم كل هذه الأقاليم والدول.
الحكم الرشيد أو الحكم الديمقراطي الصالح أصبح مفهوما سائدا في أدبيات العلوم الاجتماعية هذه الأيام، ويمكن القول إن الحكم الديمقراطي الصالح يحتاج إلى وسائل يمكن للمواطنين بواسطتها المشاركة بصفة منتظمة في صنع السياسات. وفي دراسة حديثة كتبها جون سوليفان ونشرها باللغة العربية فرع مركز المشروعات الدولية الخاصة بالقاهرة عام 2005، وعنوانها "الحكم الديمقراطي الصالح المكون الرئيسي للإصلاح السياسي والاقتصادي" أفكار محددة عن كيف يمكن تحقيق الحكم الرشيد.
ومن بين هذه الأفكار ضرورة تحقيق الشفافية في مجال الحصول على المعلومات، وحماية حرية الإعلام، وزيادة المشاركة العامة في صنع القرار، والحد من هيمنة المسؤولين الحكوميين، وتقليل الأعباء القانونية على الأفراد، وإصلاح الهيئات الحكومية، وتقوية قدرات الهيئات الحكومية الإدارية والتنفيذية، وزيادة الرقابة القانونية على السلطة التنفيذية، وإقامة نظام للمحققين في الشكاوى المقامة ضد الدولة، ومحاربة الفساد، وتشجيع نظام لا مركزي لوظائف الحكومة، وتشجيع تأسيس منظمات المجتمع المدني، واشتراك جمعيات الأعمال ومنظمات المجتمع المدني في عمليات صنع القرار.
ما هي التحديات المستقبلية للحكم الرشيد ونعني حتى عام 2020، وهو سقف الاستشراف الذي حددته "وثيقة تخطيط المستقبل الكوني" الأميركية؟ تدور هذه التحديات حول محورين, الأول منهما احتمالات توقف المد الديمقراطى، والثاني احتمال أن تصبح لسياسات الهوية المبنية على أساس الانتماء الديني مكانة عليا في تحديد سياسات العالم.
وتبدأ الوثيقة الأميركية لتقرير ما تراه حقيقة وهي أن الدولة - القومية ستستمر لتكون الوحدة الأساسية في النظام الكوني. وهذه الاشارة تحاول الحد من المبالغات لتي ترددت في الحقبة الأخيرة عن تقلص دور الدولة القومية لحساب مؤسسات عالمية، سواء كانت مؤسسات دولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي أو الشركات دولية النشاط، أو إقليمية مثل الاتحادات الإقليمية كالاتحاد الأوروبي أو منظمة الآسيان، أو محلية مثل صعود وزن وتأثير مؤسسات المجتمع المدني. هذا مع الاعتراف بأن العولمة الاقتصادية وانتشار تكنولوجيا المعلومات، من شأنه أن يضع قيودا متعددة على الحكومات المختلفة. ومن ثم فالنظم التي كانت قادرة على تسيير أمورها في التسعينيات ستعاني معاناة شديدة في عام 2020. وذلك لأن هناك قوى متعارضة ستفعل فعلها، فنجد من ناحية أن النظم الشمولية ستواجه ضغوطا متعددة لتطبيق الديمقراطية، ومن ناحية أخرى فالنظم الديمقراطية الضعيفة التي نشأت على أنقاض النظم الشمولية قد تنقصها القدرة التكيفية لكي تحيا وتزدهر.
وهناك عامل آخر بالغ الأهمية وهو زيادة موجات الهجرة في مناطق متعددة من العالم. ذلك أن هذه الموجات سوف تتدفق من شمال أفريقيا والشرق الأوسط إلى أوروبا. ومن أميركا اللاتينية الى الولايات المتحدة الأميركية، ومن آسيا الجنوبية الى المناطق الشمالية. ومن ثم ستنشأ مشكلة تكيف المهاجرين الوافدين مع قيم وعادات وأساليب حياة المجتمعات المضيفة. بعبارة أخرى ستبرز مشكلة الحفاظ على الخصوصية الثقافية لهؤلاء المهاجرين وإمكانيات انسجامها أو تعارضها مع الأنساق القيمية السائدة في بلاد المهجر.
هناك احتمالات أن ينتكس المسار الديمقراطي في البلاد التي تنتمي للعالم الثالث. وعلى وجه الخصوص فإن عام 2020 قد يشهد مسارا معاكسا للديمقراطية في الدول الواقعة في إطار الاتحاد السوفيتي السابق، وفي بعض البلاد الآسيوية والتي لم تشهد الديمقراطية من قبل. وهناك احتمال أن تعود روسيا وأغلب الدول الآسيوية المركزية إلى الشمولية.
ومن ناحية أخرى فإن قادة الصين قد يجابهون معضلة تتمثل في كيف يمكن لهم أن يتكيفوا مع الضغوط التعددية وتحريرهم للكوابح السياسية حتى لا يصطدموا بردود فعل شعبية ساخطة لا يريدون لها أن تقوم؟ ومن ناحية أخرى فإن القادة الصينيين عليهم أن يقيموا التوازن بين طموحهم لتكون الصين قوة عظمى، وضرورة قيامهم بإصلاحات سياسية جديدة.
وقد تميل الصين إلى تطبيق "طريق آسيوي للديمقراطية"، يتمثل في إجراء انتخابات على المستوى المحلي، وتأسيس آلية للتشاور على المستوى القومي، وربما يحدث ذلك من خلال حفاظ الحزب الشيوعي على سيطرته على الحكومة المركزية.
وترى الوثيقة الأميركية أن التقدم الديمقراطي قد يحدث في بعض دول الشرق الأوسط الأساسية التي تم تحريرها. وترى الوثيقة أن إقامة نظام ديمقراطي في العراق وأفغانستان وتقوية الديمقراطية في أندونيسيا يمكن أن يعطي مثلاً لدول أخرى إسلامية وعربية، ويضغط عليها لكي تسير في الطريق الديمقراطي.
وترى الوثيقة أن انخفاض النمو الاقتصادي في الدول غير النفطية، هو أحد الأسباب في بطء إيقاع الديمقراطية. وتشير إلى أن عديدين من الخبراء من أبناء هذه البلاد لا يرون في مجرد تولي أجيال جديدة من السياسيين الشباب أملاً في تطور ديمقراطي. ومن ناحية أخرى ترى الوثيقة - أن احتمالات صعود الإسلام السياسي وكيف ستستجيب النظم للضغوط الواقعة عليها، قد تكون له آثار بعيدة المدى على احتمالات التحول الديمقراطي ونمو مؤسسات المجتمع المدني. وهناك احتمال بأن يحاول الإسلاميون من أنصار الإسلام السياسي استخدام آلية الانتخابات للوصول إلى السلطة.
إن اتساع إمكانيات الاتصال بين الناس سوف تسمح لجماعات المعارضة أن تنسق خططها، وأن تمارس النقد للسياسات الحكومية، وأهم من ذلك أن تنظم حركات احتجاجية من شأنها أن تضغط على الحكومات المختلفة، مما يجعلها تستجيب بصورة أكثر فعالية من قبل للضغوط الشعبية. ولن تجدي محاولة بعض الحكومات فرض قيود على شبكة الإنترنت. فقد أثبتت تكنولوجيا الاتصال بما لا يدع مجالاً لأي شك قدرتها الفذة على تحدي كافة العقبات السياسية التي أرادت وضع القيود والحدود أمام الفضاء الذي خلقته ليسع العالم كله، وبغض النظر عن اختلافات الجغرافيا وتباينات الثقافة.
وأخيراً هناك احتمالات صعود تيارات سياسية شعبوية في مواجهة الآثار السلبية للعولمة، تنادي بحق الجماهير العريضة في أن يكون لها نصيبها العادل من ثمرات النمو الاقتصادي. كما أن هناك احتمالات بروز تيارات قوية متطرفة في آسيا وخصوصاً في لاوس وكمبوديا وبورما، نتيجة لعدم وفاء العولمة بوعودها في تحسن الوضع الإنساني للشعوب.
ويبقى بعد ذلك أن نتحدث عن سياسات الهوية واحتمالات تأسيس "خلافة إسلامية" جديدة تتحدى قوى العولمة العالمية!