النزاع السوري الأمريكي

د.برهان غليون
 
( الوطن ) السعودية 27/7/2005

 


يمكن تلخيص محاور استراتيجية المواجهة البعثية بعد الخروج الإجباري من لبنان إلى ثلاثة محاور رئيسة. المحور الأول تهدئة المعارضة الداخلية عن طريق غض النظر عنها بل مديح رموزها من جهة وتقديم المزيد من الوعود الإصلاحية. وقد نجح ذلك بالفعل في تغذية الآمال بإمكانية تغيير من الداخل بأقل ثمن وعزل التيارات النازعة إلى التعاون مع الولايات المتحدة وقطع الطريق عليها لإحداث خرق محتمل في الساحة الداخلية. والمحور الثاني هو العمل على كسر الحصار الدبلوماسي حول النظام من خلال نشاط مكثف كان لرئيس الدولة فيه النصيب الأكبر لتعزيز العلاقات مع القوى الدولية غير الأطلسية مثل روسيا والصين وبعض البلدان الأخرى ومع القوى الإقليمية الرئيسة وفي مقدمتها تركيا لقاء توقيع العديد من الاتفاقيات التجارية المجزية. أما المحور الثالث فكان التكيف الطوعي والسريع مع الأجندة الاستراتيجية الأمريكية ومن طرف واحد وإظهار قدرة النظام على التعامل مع مسائل السياسة الإقليمية بالروح الإيجابية ذاتها التي ما فتئت تطالبه باستلهامها الدبلوماسية الأمريكية.
وفي اعتقادي أن هذه الاستراتيجية في طريقها لأن تعطي ثمارها وفي مقدمتها تراجع الضغوط الدولية على النظام أو توقفها وتصاعد وزن التيارات التي تنادي في واشنطن والعواصم الأوروبية بتبني خيار العمل على تغيير سياسات النظام على الطريقة الليبية لا تغييره على الطريقة العراقية. وهو ما كرسته تصريحات كونداليزا رايس الأخيرة التي تصب في هذا المعنى وتجعل من مساعدة النظام على تغيير سياساته الهدف المعلن والرسمي لواشنطن.
في سياق هذا النجاح الذي سمح للنظام بالتقاط أنفاسه ينبغي تفسير استعادة ثقة النظام بنفسه، كما ينبغي تفسير الخيارات السياسية الجديدة التي كرسها المؤتمر العاشر لحزب البعث الحاكم والتي تقوم على التجرؤ على فتح معركة التغيير داخل الحزب وفي أوساط السلطة وفي مقابل ذلك على التشدد مع المعارضة السياسية والأصوات النقدية والسعي لاسترجاع زمام المبادرة السياسية في الداخل لتقسيم المعارضة وتخويف المثقفين ووضعهم تحت التهديد الدائم وإذلالهم بالحبس والضرب والملاحقة وإغلاق آخر منتدياتهم الحوارية وتشويه سمعة رموز المعارضة بوسمهم بالعمالة للدول الأجنبية. وفي سياق التقاط الأنفاس والحملة الهجومية الجديدة على المعارضة وقوى الاحتجاج يقع أيضا الحديث المتجدد عن ضرورة تحصين المجتمع والرأي العام السوري ضد آمال التغيير التي بعثتها ضعضعة النظام في الأشهر الماضية. وفي هذا السياق ذاته يتخذ التراجع عن الوعود المتعلقة بالحريات السياسية وحقوق الإنسان مكانه ومعناه. وفي هذا السياق أيضا ينبغي تفسير التراجع عن المراهنة على التوقيع السريع على اتفاقية الشراكة الأوروبية. وفيه ينبغي أخيرا وضع قرار فرض الحصار الاقتصادي على لبنان باعتباره وسيلة لاستعادة جزء من المبادرة الإقليمية وتوسيع الثغرة التي بدأت تظهر في دائرة القرار الأمريكي بين أنصار متابعة الحصار على سوريا والتيارات الأكثر واقعية التي تريد الاستفادة بالعكس من إمكانياتها في سبيل التغطية على الإخفاق الأمريكي الذريع في العراق وجزئيا في لبنان.
وإذا استمر التطور في هذا الاتجاه فلن تكون هناك أي عقبة أمام تعويم النظام السوري من جديد. فبفرضه الحصار الاقتصادي على لبنان أظهر الحكم السوري أنه لا يزال يملك عصا تمكنه من إلحاق الأذى بالقوى الخصم. وبنشاطه المتزايد على الأرض لتفكيك شبكات المقاومة و"الإرهاب" في العراق وفلسطين ولبنان برهن النظام على موقفه البناء ومقدرته على التعاون الإيجابي واستعداداته للعودة إلى منطق البرغماتية والواقعية. وعلى العموم بينت أشهر المحنة التي عاشها النظام أنه لا يزال يتمتع بقدر لا بأس به من القوة والقدرة على رد الفعل. والسؤال الذي يبرز بعد ذلك هو: في ما وراء مظاهر التشدد الأمريكي الظاهري، هل ينجح النظام السوري في الوصول إلى التفاهم نفسه الذي توصلت إليه العواصم العربية الأخرى التي تعرضت لضغوط أمريكية مماثلة في السنين الماضية؟
في النهاية لا تختلف حالة خلاف دمشق مع واشنطن كثيرا عن حالة خلاف العاصمة الأمريكية نفسها مع الرياض والقاهرة وطرابلس الغرب من قبل. لكن ما أعطى للنزاع بين العاصمتين صورة أكثر حدة هنا هو أولا أن نظام دمشق، لأسباب استراتيجية واقتصادية وسياسية أيديولوجية معا، بقي يتمتع بهامش مبادرة أكبر تجاه واشنطن خلال العقود الماضية وثانيا وجود العداوة الاستثنائية التي يكنها لسوريا فريق من الإدارة الأمريكية القريب لإسرائيل ورغبته في إهانتها وإضعافها من حيث هي بلد وليس فقط كنظام. وفي اعتقادي لو أن الدبلوماسية السورية أظهرت بصيرة أكثر وعبرت منذ البداية عن استعدادها للقبول بالتضحيات التي أجبرت عليها فيما بعد بالقوة في العراق وعلى الجبهة الفلسطينية وفي لبنان لكانت حصلت على تفاهم أفضل بكثير مع واشنطن يوفر عليها ما شهدته من زعزعة الاستقرار مع ضمان بقاء النظام وربما مع وعود باستعادة الجولان. لكن حتى هذه اللحظة لا أعتقد أن آمال النظام بمثل هذا التفاهم قد زالت جميعا. فبعكس ما بدا على السياسة الأمريكية من اهتمام بمسألة الإصلاح والتحويل الديمقراطي، لا يزال هناك من الأسباب التي تدفع في اتجاه الإبقاء على الزواج القائم بين سلطتي الاستبداد والاستعمار في المنطقة العربية أكثر بكثير مما هناك من حوافز تغذي الأمل باحتمال النطق القريب بالطلاق بينهما. وكما سيظل الحفاظ على النظام الإقليمي التبعي هدفهما المشترك ومبرر وجودهما ستتحول الديمقراطية إلى مطلب وطني أول إن لم يكن مرادفا للوطنية.