لمصلحة مَن رفض اعتدال 'الأخوان' في سوريا ؟

 ميشال كيلو - النهار

لم يعد ممكنا اليوم التعامل مع قضية حساسة ومعقدة كمسألة العلاقة بين السلطة والإسلام السياسي من خلال سياسات رسمت وطبقت إبان الثمانينات في سوريا، عندما قرر طرفان، حاكم مثله البعث، ومعارض مثلته أخلاط من الإسلاميين، الاحتكام إلى السلاح، وبدا من الضروري اتخاذ قرار رسمي بالقضاء على العدو الداخلي، بقوة السلاح وبمعونة مظلة قانونية أباحت قتل أو إعدام أي منتسب إلى تنظيم "الإخوان المسلمين"، الجماعة التي انضمت إلى الحرب على السلطة وقاتلتها في شوارع المدن السورية، ورأت في قتالها سبيلا إلى الخلاص من حكم يضطهد طائفة الكثرة، التي تقمعها قلة حاكمة، لا أداة غير القوة تستطيع إزاحتها عن الحكم وإعادة الأمور إلى مجراها الطبيعي.

لم يعد ممكنا اليوم أن يتعامل الإسلاميون مع الحكم بالطرق، التي كان قد أملاها عليهم العنف. ولم يعد ممكنا أن يتعامل الحكم مع الإسلاميين انطلاقا من كون الدولة هي الجهة الوحيدة، التي يحق لها احتكار العنف المنظم، وأن من حقها وواجبها استعماله بمجرد أن يلوح في الأفق شبح الإسلام السياسي عامة، وجماعة "الإخوان المسلمين" خاصة. لقد ولى زمن العنف كوسيلة تنظم، أو يمكن أن تنظم، علاقات المجال السوري الداخلي، وخاصة منها علاقات السلطة مع المعارضة، كما ولى زمن اللجوء إلى العنف كأداة يصحح استعمالها ضد السلطة أوضاع الداخل ويعيدها إلى حالها الطبيعي.

نحن في زمن مختلف، تقيد المعايير والضوابط السياسية فيه العنف الكامن في علاقات السلطة بالمجتمع والمعارضة، يفرض على أطراف العمل والصراع السياسي نهجا يقوم على العمل التوافقي والسلمي والقانوني سبيلا إلى تغيير ليس موجها بالضرورة وفي جميع الأحوال إلى السلطة، يرمي إلى تبديل الأمر السياسي القائم بالأحرى عبر حل مشكلات المجتمع والدولة والسلطة وأزماتها، على أن يفضي حلها إلى تغيير الواقع القائم وما يضمره من توازنات قوى، تدريجا وسلما ودون عنف، لأن تغيير الواقع هو المدخل إلى تغيير النظام وليس العكس.

ولم يعد ممكنا حل مشكلات سوريا وأزماتها بوساطة قوة واحدة، سواء كانت في السلطة أم في المعارضة. وليس ممكنا حل أزمات ومشكلات التطور الداخلي والخارجي دون وحدة وطنية من نمط جديد، قاعدي، يضم القوى والفئات والتيارات والمصالح... الخ المختلفة، الآخذة بنهج المصالحة والحوار ونبذ العنف، والمتخلية عن رؤية تجعل حل مسألة السلطة أولوية مطلقة، وشرطا لا غنى عنه لحل مشكلات الدولة والمجتمع وأزماتها، ولنقل البلاد إلى وضع مغاير لوضعها الراهن.

تخلى الاخوان المسلمون عن العنف، وعن سياسة التمييز بين المواطنين على أساس الدين والمذهب، وتبنوا الديموقراطية بما هي مصلحة وطنية عليا وجامعة، وقدموا قراءة خاصة ومهمة لها، وأعلنوا التزامهم بالقانون، واعترفوا - بصورة مضمرة - بشرعية الأمر السياسي القائم، ووافقوا على أن استحالة حل مشكلات البلاد بجهد قوة واحدة تفرض التعاون السلمي والتكاملي على الجميع، وتحتم الأخذ بمنظورات وطنية جامعة، وتستهدف تحقيق أهداف وطنية جامعة، في إطار يضمن سلمية الانتقال إلى نظام جديد وسلامته، كي لا تذهب البلاد إلى الفوضى أو تسقط تحت حكم أجنبي.

ترفض السلطة السورية هذه التحولات الإخوانية، مثلما ترفض التواصل مع المعارضة السياسية والمدنية، القائلة بالمصالحة الوطنية وبانتقال سلمي وتوافقي يبقي للسلطة وحزبها دورهما ومكانهما في العمل العام والديموقراطي. وتصر على التفكير بعقلية الثمانينات، عندما قضت بالقوة المسلحة على أي شكل من أشكال وجود الآخر، وخاصة منه الإسلامي.

لماذا تتخذ السلطة السورية هذا الموقف "المبدئي"، غير السياسي؟ تقول بعض الحجج إن الإخوان المسلمين ليسوا صادقين في هجر العنف، وإنهم يريدون لمّ صفوفهم في شرط سلمي، ليبدأوا العمل المسلح بمجرد أن تكتمل قوتهم. تقول حجة أخرى، معاكسة، إن الإخوان يجنحون إلى العمل السلمي لاعتقادهم أنه سيوصلهم إلى السلطة: هدفهم الذي لن يبلغوه بالعنف. وتقول حجة ثالثة إن الإخوان كذبة، وإنهم لا يؤمنون بالسلم المدني أو الديموقراطية، بل يلعبون دورا رسمه لهم الأميركيون والصهاينة بعناية، يطبقونه بحرص تحقيقا لأهداف سياسية مضمرة تخص العدو.

تلغي الحجة الثانية الحجة الأولى، بينما تكتسب الذريعة الثالثة أهمية خاصة: الإخوان عملاء ينفذون مخططا رسم لهم. ثمة أسئلة تطرح نفسها هنا هي الآتية:

- كيف نحبط سعيهم ونرد كيدهم إلى نحرهم؟ هل نحقق هذا بالقانون 49، الذي يعدم أي منتسب إليهم؟ أم نحققه بالتعاطي الأمني، رغم أنه لم يكن مجديا في الماضي، ولم يحل دون ظهورهم من جديد وتحولهم مشكلة جدية بالنسبة إلى النظام والبلد؟

- لماذا لا نحرجهم بإلزامهم بما يقولونه ويتعهدون به، على أن نفعل ذلك في إطار وطني جامع، نضمهم إليه، ليقطع من جهة صلاتهم بالمؤامرة المفترضة ويحتويهم في حاضنة وطنية عامة، تحميها وتحرسها إرادة قوى العمل السياسي المتعاونة المتكاملة، وليعزلهم من جهة أخرى ويعرضهم لثقل الضغط الوطني والشعبي المشترك، إن تأكد أنهم غير صادقين في ولائهم للوطن وقضاياه، أو إذا مارسوا ألاعيب مزدوجة؟

يشجعني على طرح هذه الأسئلة واقعتان مهمتان هما:

-1 إن برنامج الإخوان يتعارض مع مزاج الشارع الإسلامي السوري، الذي هو أكثر تطرفا بكثير من لغتهم ومطالبهم. لو كان الإخوان غير صادقين في مسعاهم الديموقراطي والوطني، لاعتمدوا لغة أشد تطرفا وجذرية من اللغة التي استخدموها خلال الأعوام الأربعة الماضية؛ لغة من شأنها إكسابهم عطف الشعب، الذي خرج من عالم السلطة السياسي وعاد إلى وعيه الديني، وأيد الإخوان خلال أزمة الثمانينات، ثم قبع ينتظر من يقدم له برنامجا إسلاميا كاملا، يقول "الإسلام هو الحل"، لكن الإخوان لا بد أن يكونوا قد خيبوا توقعه، عندما قدموا له، بدل ذلك، قراءة إسلامية لبرنامج يقول "الديموقراطية هي الحل"، من المؤكد أنه أصاب أقساما واسعة من الشارع الإسلامي بالصدمة، وجعل الإخوان غرباء عنه، لأنهم يحدثونه كديموقراطيين ووطنيين ولا يحدثونه كإسلاميين وطائفيين.

-2 من الجلي أن البديل القومي/ الاشتراكي يلفظ أنفاسه الأخيرة لمصلحة بديلين أحدهما ديموقراطي والآخر إسلامي. قلت إن الإخوان تبنوا قراءة إسلامية للديموقراطية، بينما كان باستطاعتهم تبني بديل إسلامي صرف، يتفق مع ماضيهم القريب، ويوطد وجودهم في الساحة، لأنه يهمش،في الوقت نفسه، البديل الديموقراطي، الذي تنادي به وتدعو إليه نخب محدودة الحضور في شعب جعلته ممارسات النظام القومي/ الاشتراكي إسلامي الهوى والتوجه.

لو كان الإخوان عازفين عن التعاون مع الآخرين في إطار من التفاهم والتوافق، وعازمين على الانفراد بالبلد، لدخلوا في صراع مع السلطة والنخب الديموقراطية هدفه إقصاؤهما عن الشعب، وسيلته برنامج إسلامي متطرف. لكنهم لم يفعلوا هذا، بل تبنوا مشتركات النخب الديموقراطية وعبروا عن رغبتهم في التعاون مع الجميع، بما في ذلك السلطة، من أجل تحقيقها باعتبارها خيارا وطنيا يسمو على أية مصلحة حزبية ضيقة، في ظرف يهدد الوطن بأعظم الأخطار. أذكّر هنا من جديد بحقيقة أن الإخوان يعرضون التعاون على السلطة، ولا يقصرونه على أحزاب المعارضة، وأنهم رفضوا التعاون مع أحزاب أميركا، وخاصة منها حزب الغادري. ماذا يعني هذا؟ إن له معنى واحدا هو أنهم صادقون في سعيهم الوطني والديموقراطي.

لو كانت الجماعة تكذب أو تتكتك، لكانت استبعدت السلطة عن مشروعها في المصالحة الوطنية، ولما طالبتها بعقد مؤتمر وطني، تعرف كما نعرف أنه سيطيل عمرها وسيخلق ظروفا جديدة لاستمرارها. ولو كانت تتكتك، لرسمت سياسة تستهدف عزل السلطة في الداخل وتجريدها من غطائها الدولي في الخارج، ولاستغلت وقائع كثيرة مساعدة لتحقيق هدفيها هذين. إلا أنها لم تفعل هذا، بل فضلت العمل بعيدا عن أي إطار خارجي، مباشرا كان أم غير مباشر، وحصرت نشاطها في دعوة أطياف العمل السياسي الداخلية، معارضة وموالية، إلى التعاون من أجل هدف رئيس تسميه إنقاذ الوطن.

في أية ظروف يفعل الإخوان هذا؟ إنهم يقومون به في شرط دولي يتيح لهم هوامش مناورة هائلة ضد السلطة، يمكنهم من النجاح في كسب العالم الخارجي، وخاصة منه الأميركي، الذي سيعني تعاونهم معه تغييرا جذريا في الواقع السياسي القائم داخل سوريا وخارجها، وتبدلا جديا في توازنات قواه، لمصلحة الإخوان طبعا. لكن الجماعة لم تسلك هذه الطريق، بل أخذت توجه النداء تلو النداء إلى السلطة، تناشدها، شأن بقية أطراف المعارضة، فتح صفحة جديدة في علاقاتها مع داخلها ومنظماته السياسية والمدنية، وتصبر صبرا جميلا، كبقية أطراف المعارضة، على اتهامها وبقية أطراف المعارضة - بالعمالة للأجنبي، مواصلة، كبقية أطراف المعارضة، التخلي عن الخيارات البديلة، التي تعطي الخارج دورا خطيرا في السياسة السورية، ويمكن أن تقوض فرص المصالحة مع النظام، وأن تعزله وتحشره في زاوية صعبة تجعل بقاءه مسألة وقت!

لا أعرف، بصراحة، لماذا تتخذ السلطة السورية موقفا من الإخوان يجعلهم خونة وخطا أحمر بالنسبة إلى حزبها وبقية أطراف العمل السياسي. ولا أعرف لماذا تريد عزلهم، مع أن عزلهم يضعف القوى العاقلة والمعتدلة عندهم ويعزز مواقع وحجج الراديكاليين والمتطرفين في صفوفهم، الذين سيرفعون في النهاية شعار "الإسلام هو الحل"، وسيشنون حربا مقدسة ضد نظام لا أظن أنه سيكون قادرا على صدهم، خاصة إذا ما ساندهم الأميركيون.

هل يريد النظام هذا؟ إن كان هذا ما يريده، فهو يحفر قبره بيديه بكل تأكيد. بالمناسبة: ماذا كان النظام سيقول عن الإخوان غير ما يقوله عنهم اليوم، لو أنهم رفعوا شعار "الإسلام هو الحل"، وتعاونوا مع الأميركيين، وشنوا عمليات مسلحة ضده، وفتحوا باب التدخل العسكري أمام الخارج؟ لا اصدق أن النظام فقد إلى هذه الدرجة القدرة على التمييز بين السياسات والخطوط، ولا أصدق أنه يتعامى عن رؤية الواقع إلى هذا الحد، بينما هو مهدد في وجوده!

ليس من الحكمة والصواب استبعاد الإخوان عن العمل الوطني والمصالحة الوطنية. وليس من مصلحة الوطن عزلهم واعتبارهم خطا أحمر لا يجوز لأحد الاقتراب منه. وليس من مصلحة النظام التعامل معهم بروحية الثمانينات وسياستها، التي أتاحت انتصاره عليهم، وسط ظروف غطته دوليا وحمته إقليميا وضمنت تفوقه داخليا؛ ظروف يفتقر اليوم إلى معظم مكوناتها، يحجم الإخوان وبقية المعارضة - عن استغلالها، مع أن ذلك سهل، لسبب جلي هو أنهم اختاروا سبيل المصالحة والخيار الديموقراطي، الذي يقوي الوطن ودولته في وجه الخارج، ولم يجعلوا أولويتهم بلوغ السلطة أو إعداد أنفسهم للانفراد بها، ولو بالتعاون مع الخارج.

يتخذ "الإخوان المسلمون" موقفا مسؤولا من قضايا سوريا الراهنة، من الضروري أن تقابله السلطة بموقف مماثل، وأن تجعله سبيل الوطن إلى الخروج من مأزقه، وإطار العمل الوطني الجامع، الذي لا بد أن يضم جميع أطياف السياسة السورية، ويذهب بالتعاون معها إلى وضع جديد، لُحمته المشاركة الشعبية وسُداه الاعتراف بالأحزاب وهيئات المجتمع المدني: ضمانته الرئيسة التي ستتكفل بحمايته ضد جميع الأخطار!

(دمشق)

كاتب سوري

ميشال كيلو