بين "الشوينغام" في الخطاب وإعادة بناء الهوية!

د. محمد عابد الجابري - الاتحاد

 

تحدثنا في المقال السابق عن "المصالح القومية" في الغرب المعاصر، على مستوى الدولة والوطن والرأسمال والشركات المتعددة الجنسية، وأبرزنا كيف أن مسألة الهوية لا يلغيها الرأسمال الذي يقال عنه إنه "لا وطن له"، في حين أن له دوما وطنا هو المصالح القومية. أما في هذا المقال فسنعرض للمسألة نفسها وفي الغرب نفسه على مستوى الأفراد، وسنرى أن الارتباط بالوطن والرموز القومية والتاريخية وبالهوية ظاهرة عامة متجذرة في الدول الكبرى، في الولايات المتحدة كما في أوروبا.

سنترك الدول الصغرى في أوروبا الغربية وشمال القارة الأميركية (كندا) فهي ما زالت موطن القومية بامتياز: هي تعاني من تعدد القوميات وتنافسها داخل بلدانها، ولو أن معاناتها سلمية في الغالب: كانتونات في سويسرا، قوميتان في بلجيكا، طائفتان دينيتان متصادمتان في إيرلاندا، لغتان وبالتالي ثقافتان وميولان قوميان في كندا الخ. سنترك جانبا هذه "الدول الصغرى"، التي تمتد النزعات القومية المعاصرة فيها إلى ما قبل زمن العولمة، لنهتم بالدول الكبرى التي قد يظن بها أن التقدم الحضاري الذي تعيشه والذي تجسمه العولمة فيها ربما يكون قد نتج عنه نوع من تخفيف حدة الشعور القومي.

إذا بدأنا بفرنسا فإننا سنجد أنفسنا إزاء شعب من أكثر الشعوب اعتزازا بهويته، بلغته وثقافته وتاريخه. وبما أن الناس لا يسترعي انتباههم "المألوف" في الظروف الطبيعية، فإن اختراق هذا المألوف بصورة من الصور ولسبب من الأسباب يكشف عن المستور ويبرز الغائب أو المغيب. ذلك ما أثار انتباه جميع الملاحظين في فرنسا وخارجها حينما هب زعماؤها السياسيون ومثقفوها وصحفها وشعبها، منددين بالاختراق الثقافي الأميركي ومحذرين من تأثير العولمة على ثقافتها ونمط حياتها بما في ذلك الأفلام ولغة الإشهار والرموز التجارية الخ.

وفي الأسبوع الماضي فقط (20 يوليو 2005)، عندما نشرت بعض الصحف احتمال أن تكون الحكومة الفرنسية تنوي التخلي عن المجموعة الغذائية الفرنسية "دانون" لشركات أميركية هب رئيس الحكومة الفرنسية ليوضح الأمر للرأي العام في بلاده فقال: "دانون زهرة من زهور الصناعة الفرنسية"، مؤكدا في الوقت نفسه اهتمامه البالغ بمسألة "التشغيل في فرنسا، وبالصناعة الفرنسية وبالبحث في فرنسا". أما الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي كان في زيارة لمدغشقر فلم يتردد في الإعلان من هناك عن "يقظته وتجنده الكاملين"، مصرحا بأن "الأولوية بالنسبة لفرنسا هي الدفاع عن قدرتها التنافسية الصناعية وعن قوة مؤسساتها الصناعية". وغني عن البيان القول إن هذين المسؤولين الكبيرين في فرنسا إنما سارعا إلى التصريح بما صرحا به، من التزامهما بإعطاء الأولوية للهوية الفرنسية كما تتشخصن في الصناعة الفرنسية، من أجل طمأنة الشعب الفرنسي وكسب ثقته. والشعب الفرنسي لا يقبل أن يتنازل للشركات الأميركية عن أشياء تنتمي إلى موروثه الحضاري، سواء القديم منه أو الحديث.

قد يقال: تلك خصوصية فرنسية. ففرنسا التي بقيت تتغنى قرونا بتمكنها من وقف "الزحف العربي الإسلامي"، والتي تمتلك تاريخا ثقافيا لا يكاد يضاهى في القارة الأوروبية، والتي انفردت بثورة صارت مرجعية للفكر السياسي الحديث، والتي كانت بالأمس القريب إمبراطورية يمتد نفوذها من "الهند الصينية" على المحيط الهادئ إلى شمال إفريقيا وغربها على المحيط الأطلسي، عبر جزر ومواقع إستراتيجية هامة، والتي تشهد اليوم تراجعا شبه كامل لظلها حتى ليكاد ينحصر في حدودها الأوروبية، أقول: إن فرنسا، هذه التي وصفنا، لا بد أن تصاب بمرض "النرجسية" والتمركز حول الذات، ولابد أن تكون بالتالي شديدة الحساسية إزاء الغير عندما يَمُس، أو تتوهم هي، أنه يمس هذا الموروث الحضاري الذي يجثم على الحاضر؟ قد يكون هذا صحيحا بنسبة ما. ولكن أليست هذه العناصر الذي ذكرنا من مكونات الهوية؟ أليست تعبيرا عن امتلائها؟.

وإذا انتقلنا الآن إلى ألمانيا موطن الشعور القومي بامتياز فبإمكاننا أن نلاحظ أن أربعين سنة من الستار الحديدي والحواجز الأيديولوجية والقطيعة البشرية والحرب الباردة الخ، كل ذلك قد انهار انهياراً أمام "وحدة الأمة الألمانية" بمجرد ما سنحت الفرصة السياسية بذلك. ومع أن التفاوت في النمو الاقتصادي وفي نمط النظام الاجتماعي كان كبيرا جداً بين الألمانيتين فقد تحمل الطرفان، الشرقي والغربي، التضحيات على مستوى المصالح الاقتصادية لفائدة المصلحة القومية: الوحدة الألمانية.

ليس هذا فحسب، بل يمكن أن نسجل انبعاث النزعة العنصرية ذات الميول النازية فيها. وإذا كانت هذه النزعة ضيقة ولا تعبر عن الاتجاه العام للأمة الألمانية اليوم فهناك نوع آخر من التعبير عن مسألة الهوية في السياسة الثقافية للدولة والمجتمع في ألمانيا. إن الإعلام العالمي يتحدث كثيرا عن نشاط فرنسا في مجال "الفرانكفونية"، وعن هيمنة اللغة الإنجليزية على الصعيد العالمي. هذا شيء معروف. ولكن يجب أن نضيف أيضا جهود ألمانيا الآن في نشر لغتها في أوروبا الشرقية التي تعتمد كثير من دولها العملة الألمانية (المارك) عملة مرجعية لها.

لنترك فرنسا وألمانيا ولنتجه إلى الولايات المتحدة الأميركية. وفي هذا المجال يمكنني أن أقول حسب تجربتي الخاصة، وبناء على ما قرأت وسمعت، إن الولايات المتحدة الأميركية هي من أكثر البلدان التي تعيش هاجس الهوية. لقد زرت هذا البلد مرارا، وفي كل مرة أكتشف أن كثيرين من الأميركيين، إن لم يكونوا جميعهم، مسكونون بهاجس إبراز شيء اسمه "التراث الأميركي". شعرت بذلك لأول مرة عندما كنت عضوا في مجموعة من الأساتذة العرب نظمت لهم رحلة تعرف واستطلاع لواقع الولايات المتحدة الأميركية. لقد لاحظنا جميعا أن هاجس التراث يسكن برنامج الرحلة الذي أعدته الجهة التي نظمتها، أعني المسؤولين الأميركيين عنها. ذلك أن الأماكن التي نص البرنامج على زيارتها لم تكن تلك التي تتجلى فيها الحداثة الأميركية، ولا جدة "العالم الجديد" بل لقد انصرف اهتمام واضعي برنامج الزيارة إلى التنقل بنا عبر الأشياء التي لها طابع تاريخي تراثي. لقد فوجئت من ذلك الاهتمام الذي يوليه المسؤولون عن الرحلة بتعريف الأجنبي بـ "كريستوف كولومبو" مكتشف أميركا، فهو يقدم كمؤسس "أمة"، كـ"أصل للأمة الأميركية" التي يعرف الجميع أن أصول أفرادها تقع خارج أميركا!.

قلت: "الأمة الأميركية"! وكان عليَّ أن أستدرك فورا! إن سكان الولايات المتحدة لا يشكلون أمة، بل هم يبحثون عما يجعل منهم أمة. إنهم لا يقولون لا بـ"القومية" ولا بـ"الوطنية"، وإنما يقولون بـ"المواطنة"! ولهم الحق في ذلك؛ فما يجمعهم هو كونهم مواطنين أي سكان أرض اتخذوها وطنا لهم. والغريب العجيب أن بعضا منا نحن أبناء الأمة العربية، أو الأمة المغربية أو الأمة المصرية الخ (لا فرق عندي)، قد استغنوا عن "الأمة" والوطنية" في خطابهم المعاصر وأحلوا محلها كلمة "المواطنة"، إنه "الشوينغام"-العلكة- على مستوى الخطاب!

ومن هذا القبيل، وهذه المرة في الولايات المتحدة وليس العالم العربي، أذكر أنه اتصلت بي قبل بضع سنين باحثة أميركية تطلب أن أمدها بأية معلومات عما قد يكون هناك من تأثير لابن رشد في بعض فلاسفة أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر. فلما سألتها عن سر اهتمامها بابن رشد وتأثيره في فلاسفة أوروبا في القرنين المذكورين، وهي تعيش في أميركا، قالت إنها تهيئ رسالة جامعية تحاول أن تثبت فيها تأثير ابن رشد في الفكر الأميركي عن طريق تأثيره في بعض فلاسفة أوروبا الذين كان لهم تأثير في أميركا!

كان الكلام عن ابن رشد قد كثر في تلك الأيام بمناسبة احتفال العالم بمرور ثمانية قرون على وفاته (1998)، والعرب يتذكرونه وأوروبا تتذكر دوره في نهضتها وحضوره في ثقافتها فاحتضنته كجزء من هويتها، فلماذا لا يكون له أثر في تاريخ الولايات المتحدة، أعني في "ما قبل تاريخها"، لما لا يكون له مقعد في "ما وراء" تاريخها الفكري!

واضح أن الأمر هنا لا يتعلق بما أسميناه "الشوينغام في الخطاب"، وإنما هو من صميم بناء وإعادة بناء الهوية.