البعثية السورية: الانتقال اللاانتقالي من الإرادوية إلى... الإداروية

ياسين الحاج صالح     الحياة     - 24/07/05//

في ايار (مايو) الفائت تناقلت وسائل الإعلام خبر استعانة السلطات السورية بالأمم المتحدة لمحاربة التعصب الديني وتأهيل المؤسسات الدينية في سورية. وقيل إن الاتفاق الذي وقعته سورية مع المنظمة الدولية يركز على الدور التنموي للدين وسيقدم لرجال الدين والمؤسسات الدينية برنامجاً للتأهيل ولتطوير وتعزيز قدرات المؤسسة الدينية ومهارات العاملين فيها. وبعد مؤتمر حزب البعث في الثلث الأول من حزيران (يونيو) الفائت نقلت مصادر غربية عن الرئيس السوري قوله ان المشكلة الكبرى في الوضع الداخلي السوري هي في استفحال حجم دائرة الفساد، وان الحكومة ستعمل على استقدام خبراء في الإدارة والاستعانة ببعض الكوادر المعروفة في هذا الشأن. وقبل ذلك كانت الحكومة السورية قد استعانت بفريق فرنسي ليقدم مشورته في سبل إصلاح القضاء، وهو ما تم فعلاً العام الماضي.

قد يخطر ببال المرء اقتراح حرية العمل العام للسوريين، بما فيه العمل السياسي والثقافي والاجتماعي، كعلاج للتعصب الديني، هذا لو سلمنا بصحة تشخيص الحكومة السورية الذي يجعل التعصب خصيصة أصيلة للمجتمع السوري أو للدين الإسلامي غير ذات صلة بنمط ممارسة السلطة ولا بتعصب النظام السياسي بالذات. وقد يعتقد أن أفضل آلية لمواجهة الفساد ضرب كبار الفاسدين وقمعهم بصرامة، وأن تقييد السلطة هو شرط كبح جماح الفساد بالنظر إلى أن السلطة المطلقة تفسد إفساداً مطلقاً حسب القول المأثور للورد اكتون. وربما يظن أن إصلاح القضاء يقتضي أولاً إلغاء المحاكم والقوانين الاستثنائية واستقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية. لكن العلاجات المزكاة للتعصب الديني ولاستفحال الفساد ولإصلاح القضاء تصدر عن تصور للمجتمع السوري ومشكلاته مضاد للتفكير بحلول ومعالجات سياسية، تصور إداروي تقنوي من النوع الذي تعالج به آلة معطوبة. وللوهلة الأولى تبدو الإداروية المهيمنة في فلسفة العهد الحالي الإصلاحية على تعارض تام مع الإرادوية التي وسمت بواكير العصر البعثي. غير أن الأمر ليس كذلك.

معلوم أن المرحلة البعثية الباكرة، وبالخصوص العهد الثاني من الحكم البعثي (1966 -1970)، تميزت بنزعة ثورية إرادوية مفرطة. أصل هذه النزعة، باختصار، نظرة شيئية للمجتمع تعتبره صفحة بيضاء يمكن للنخبة الثورية أن تخط عليها المصير الذي تشاء. وبقدر ما كان المجتمع كتلة سلبية عاطلة كانت النخبة أو الطليعة الثورية فاعلية محض أو إرادة لا تعترف بغير اندفاعها الذاتي واهدافها المحددة سلفاً. كان الزمن السوري زمن الثورة وحرق المراحل و تحدي القدر. وبينما الإرادوية إغراء مستمر وطبيعي لكل دعوة ثورية، فقد أفادت لدى البعثيين في مركزة السلطة وعزل الخصوم ومنح النفس شعورا بالرسالة والتفوق ينقذها من الإحساس بعقدة النقص وقلة الشأن.

كان بعثيو تلك المرحلة نزهاء مخلصين متحمسين، لكن هذا هو كل شيء. فعلوا كل ما في وسعهم من أجل بلدهم، لكن ما كان في وسعهم ضئيل ومحدود بحسب كمال خلف الطويل. كانوا عصبة رثة من شبان متحمسين لتغيير نظام اجتماعي يحتلون فيه موقعاً ثانوياً وعاشقين للسلطة إلى درجة الهوس. إرادويتهم وحماستهم كانتا تحجبان ضآلة الوسع تلك وتخفيان مستوى سياسياً وفكرياً متواضعاً. والأهم أنهما كانتا تغطيان ضعفهم الاجتماعي والثقافي والسياسي باصطناع تفوق عقيدي، قومي وطبقي، مطلق على طبقة تجار وأعيان المدن الآفلة. احترقت إرادوية حرق المراحل البعثية في لهيب هزيمة حزيران المخزية. سياسة الدولة كانت تحتاج إلى شيء مختلف عن الحماسة والنقاء الشخصي.

كان العهد البعثي الثالث (1970-2000) أقل إرادوية وثوروية، لكنه ثابر على وفائه للتصور الشيئي الكتلي للمجتمع المحلي، تصور تمتزج فيه السلبية مع غياب التعدد. في سياسته الداخلية جمع نظام الحركة التصحيحية بين الاختراق الأمني الجهازي والاحتواء الشعبوي عبر ما يسمى المنظمات الشعبية التي لا تكاد تترك أحداً من السوريين خارج عضويتها. يشترك المقومان الأمني والشعبوي في نزع السياسة من المجتمع السوري ويكمل أحدهما الآخر.

العهد الحالي متفرع عن سالفه ووريث نزع السياسة القسري. لكن فلسفته الإصلاحية تقوم على الإداروية بعد إرادوية المرحلة الباكرة واحتوائية عهد ما بعد 1970. وبدورها تجد الإداروية شرط إمكانها في نزع السياسة والمبادرة من المجتمع السوري وتركيزهما في السلطة.

يقر العهد الحالي بوجود مشكلات وسلبيات، لكنه يردها إلى طبيعة المجتمع الجوهرية (الولاءات الطائفية والعشائرية)، أو الطبيعة البشرية (الفساد)، أو المرحلة التاريخية من تطور سورية كبلد عالم ثالثي (نقص الكفاءات)، أو من شروط البيئة الإقليمية (إسرائيل...) او من الدين الإسلامي (التعصب الديني...). وحين لا تكون حلول هذه المشكلات أمنية، فإنها إدراية وتقنية بالضرورة. بالمقابل، النظام السياسي، المحتكر للسياسة والمانع من الانتظام المستقل، ليس مشكلة ولا يعاني من مشكلة ولا يتسبب في مشكلة، والمجتمع السوري والدولة السورية لا يشكوان من مشكلات سياسية ولا يحتاجان تاليا إلى حلول سياسية.

واضح أن المشترك بين العهود البعثية المتوالية، وفي ما وراء التحول من الإرادوية إلى الاحتوائية إلى الإداروية الحالية، هو منطق وصاية مستمر وتغييب المجتمع السوري بوصفه منبع مبادرة وفاعلا مستقلا قادراً على الاختيار وتمثيل نفسه.

على أن الاشتراك هذا لا ينفي فوارق بين المراحل والعهود. كانت الإرادوية إيديولوجية حزب البعث في مرحلة فتوته وصعوده، خدمت في تثبيت موقعه وتركيز السلطة والقيم الوطنية في يده وتبديد شمل خصومه. الاحتوائية التي استندت إلى توازن دقيق بين الشعبوية والأمنية، هي نظام السلطة الحزبية في طور نضجها واستقرارها. أما الإداروية فهي إيديولوجية السلطة البعثية في مرحلة الكهولة، حيث الدفاع عن مواقع ومصالح مكتسبة يتقدم على اي شيء آخر. باختصار، الإرادوية إيديولوجية تغييرية وتقدمية فيما الإداروية إيديولوجية محافظة ورجعية. وهي وريثة سحق كل أشكال الاعتراض الاجتماعي الذي أنجزته الاحتوائية الصارمة في العهد السابق.

لا يكاد يحتاج إلى بيان أن الإداروية والتقنوية الراهنة تؤشران على افتقار العهد إلى إرادة سياسية للإصلاح الاجتماعي والسياسي. وراء مظهرها التقنوي البريء، الإداروية سياسة بالغة الانحياز إلى نظام المصالح الخصوصية التي استفادت من غياب السوريين عن شانهم المشترك طوال العقدين الأخيرين من القرن العشرين. ومثلها كانت الإرادوية تغطي بثوروية هائجة على الحاجة إلى سياسة متماسكة للتغيير الاجتماعي وبناء الدولة. فعلاقة الإرادوية بالإرادة السياسية الواعية لذاتها ليست اقوى من علاقة الإداروية بها. لقد تحول النظام البعثي من إيمان مطلق بمونولوجه الذاتي وإرادته الطليقة إلى ركون مطلق إلى مبدأ الاستمرارية والقصور الذاتي، دون المرور بالسياسة والإرادة السياسية المتوازنة، الدستورية، التي تدرك وتقبل وجود إرادات سياسية أخرى معارضة لها.

المشترك، كما قلنا، هو مصادرة السياسة والوصاية على المجتمع. فالإداروية استمرار لنزع السياسة الإرادوي بوسيلة مختلفة.