قراءة نزيه أبو عفش لرسالة الحقيقة لعبة تزييف حقائق أم قصيدة غير جادة؟!

ضاهر عيطة - السفير

 

 

أعتقد أن <<قراءة رسالة الحقيقة>> التي تصدى لها الشاعر السوري <<نزيه أبو عفش>> على صفحات مجلة <<الآداب اليبروتية>> تعليقا على الأحداث التي أعقبت اغتيال الحريري، قد تم تداولها من المحيط للخليج نظراً للمكانة الأدبية والثقافية التي يحظى بها السيد أبو عفش، وأعتقد أيضا أنها قد فاجأت معظم الذين اطلعوا عليها لكونها تضمنت تناقضات صارخة، وشيئا كثيرا من المغالطة وتغييب الحقائق، وانطلاقا من هذا أبحت لنفسي الرد على تلك الرسالة لتبيان الخلل الكامن فيها والذي يستدعي السخرية، مع احترامي وتقديري لصاحبها.
فإذا كان الشاعر قد تمنى في مطلع قراءته للرسالة، أن يتم توديع الجيش السوري المنسحب من الأراضي اللبنانية بالورود والأغاني بدلا من صيحات الكراهية التي علت في ساحة التحرير <<برا يا سوريا برا..>> حيث قال: <<نعم نحن أيضاً كنا نتمنى أن نسمع كلمة <<شكر>> من أفواه جيراننا اللبنانيين. لكن: على ماذا؟ ولقاء ماذا؟ ونحن أيضاً كنا نتمنى أن نودع بالورود والأغاني بدل أن نخرج، أمام عدسات الكون الشامت، مرجومين بصيحات الكراهية.
لكن: لماذا؟ وعلى ماذا؟! <<وبهذين السؤالين يكون قد دحض مشروعية أمانيه وأقر بطريقة أو بأخرى، بعدم أحقية الجيش السوري لمثل هذا الطقس الاحتفالي، وهذا الإقرار من قبله يحيلنا إلى الخروقات والتجاوزات التي ارتكبت طوال عقود وجود الجيش السوري على الساحة اللبنانية.
فكيف يبيح لنفسه أن يأتي بعد ذلك ويتجنى على اللبنانيين باتهاماته الشنيعة؟ واصماً أعلامهم وراياتهم وهتافاتهم بالدموية والكراهية، ألكونهم استبدلوا الورود والأغاني بالهتافات المطالبة بالخروج؟ حيث يعلق ساخراً: <<فجأة يكتشف اللبنانيون أن لديهم أعلاماً (أعلام لبنانية بحق) حيث تصلح للتسلح بها على مشارف ميدان الحرب! وفعلاً تبدأ الحرب. حرب حمراء مدوية.. وهتافات حمراء مدوية مملحة بالكراهية وشهوة الدم>>.
ثم كيف يبيح لنفسه أن ينقل على ألسنتهم؟ <<إنهم لا يقصدون جيشنا ورجال استخباراته فحسب، بل يقصدون <<السوري>> دون استثناء>> لعل شاعرنا هنا تحوّل إلى عالم ومفكك لشفرة الكلمات ومتبحر في علم اللسانيات!!!.
ما نود توضيحه هنا بعد إذن شاعرنا هو أن تلك الصيحات والهتافات جاءت كردود أفعال مباشرة تحكمت بها عواطف الرعب والأسف جراء حادثة مقتل الحريري والظروف الغامضة التي أحاطت بتلك الجريمة، وقد دفع القمع الذي مورس على اللبنانيين من قبل عناصر الأجهزة الأمنية والعسكرية السورية على مدى عقود، بتوجيه أصابع الاتهام ودون تردد إلى تلك الأجهزة مباشرة رغم عدم امتلاكهم دليلاً يثبت ذلك، وهي لا تحتمل تأويلات أبعد من ذلك.
أما القول بأن تلك الصيحات لم تكن تستثني أي سوري وان الشعب اللبناني ظهر وكأنه في حالة حرب وعداء مع الشعب السوري فتلك مغالطة كبرى.
إذ إن من دخل إلى الأراضي اللبنانية هو الجيش السوري وأجهزته الأمنية، لا جميع السوريين، وان كان ثمة بعض السوريين المدنيين قد دخلوا إلى الأراضي اللبناني تحت مظلة تلك الأجهزة وحققوا من خلالها مكاسب على حساب البنانيين فهم بالضرورة جزء من هذا الوجود الذي أقل ما يمكن أن يقال عنه انه كان مزعجاً لدى اللبنانيين، أي ان من دخل وخرج من لبنان هي الأجهزة الأمنية والعسكرية وأزلامها، وليس الشعب السوري، وتلك الصيحات وحالة الحرب التي وصفت من قبل أبو عفش كانت تتقصد جهة بعينها لا أبناء الشعب السوري.
وفي فقرة أخرى من قراءته يبادر شاعرنا <<لم يسبق لي، طوال حياتي، أن عملت <<غارسون>> لدى النظام الحاكم في سوريا.. ولن يحصل ذلك في ما بعد. لكنني مثل كثيرين من مواطني سوريا الذين تابعوا عملية الفتك على شاشات الفضائيات، كنت أشعر أن طعنات الفؤوس الحانقة لم تكن تصيب النحاس والحجر فحسب، بل ولحومنا أيضا.. نحن الذين نتفرج على تهشيم ما يفترض أنه رموز كرامتنا الوطنية ذاتها>>.
نعم نحن نعلم أن الشاعر لم ولن يكون <<غارسون>> لدى النظام الحاكم في سوريا إلا أن قراءته هذه قد تحوله في عيون الكثيرين لشيء آخر، فطالما أن <<كتل الحجارة والنحاس التي راحت تهشمها الفؤوس على شاشات الفضائيات>>، والتي كان من المفترض أن تكون رمزاً للكرامة الوطنية، إلا أنها لم تكن كذلك بالنسبة له، فلماذا ناله من تهشيمها هذا الجرح العميق وجعله يتجرع مرارة المذلة والمهانة معمماً هذه المشاعر على كثيرين من أبناء الشعب السوري وكأنه بذلك قد صنفهم جميعاً على أنهم <<غراسين>> لدى نظامهم الحاكم، وأنهم كانوا داعمين لتدخل أجهزته الأمنية والعسكرية في الشؤون اللبنانية ومستفيدين من ذلك، بينما الأمر على خلاف ذلك تماما فلو أجرى <<شاعرنا>> استفتاء لأبناء شعبه السوري لوجد أن غالبيتهم العظمى تؤيد هذا الخروج، بل كانت تأمل، كما أمل هو بحدوث ذلك منذ عشرات السنين، وأعتقد أن معظم أبناء الشعب اللبناني يدركون هذه الحقيقة لكونهم هم أيضا حلموا بتحقيق هذا الخروج منذ زمن بعيد ولكن أجهزتهم الأمنية والعسكرية بالتنسيق مع الأجهزة السورية أصرت على أن تعمل خلافاً لأحلامهم طوال عقود، مما يفسر أن عملية التهشيم تلك لم تكن تتقصد سوى رموز الأجهزة الأمنية والعسكرية، وليس الشعبان <<اللبناني>> و<<السوري>> في حالة تصادم كما أحب أن يبين السيد أبو عفش!
شوفينية
ومع ذلك فقد أصر على أن يدعم وجهة نظره هذه، فسارع بعملية رجوع وتقهقر إلى ألفي سنة عائداً للتاريخ عودة ميكانيكية حيث يورد قائلا <<قبل ألفي سنة من الآن كان اللبنانيون أهل فينيقيا.. حاضرين أثناء محاكمة يسوع الناصري. وحين سألهم بيلاطس: <<من تريدون أن يصلبَ؟ باراباس أم المسيح؟>> صرخوا جميعاً، بفم واحد، وقلب واحد، وخنجر واحد: <<اصلبوا سوريا>>.
ألا يعني ذلك أن شاعرنا يقرأ الرسالة بلغة تتقصد افتعال عداء تاريخي بين الشعبين، وتؤسس لحالة ثأرية مستديمة بينهما، في حين تؤكد الحقائق بطلان ذلك شئنا أم أبينا؟
وانطلاقاً من هذه النظرية العدائية الثأرية لم يعد يرى السيد الشاعر في جميع أبناء الشعب اللبناني الذين بدأوا يتحركون ويصرخون من خلف أعلامهم بعد الأحداث التي أعقبت الزلزال على حد تعبيره إلا لابسي أقنعة وخونة أوطان وكارهين للآخر ويقصد بالآخر الشعب السوري طبعا ويأتي ذلك في سياق كلامه الموجه إلى صديقه بول شاؤل <<...إن الصيحة <<الموحدة>> التي اشتعلت وما تزال تشتعل خلف العلم القناع الموحد، لم تكن أبداً صيحة محبة للوطن وناس الوطن، بل كانت أعرف وتعرف صيحة كراهية <<للآخر>> كل الآخر..>>.
وحجته هذه المرة تعتمد على ما تعرض له بعض العمال السوريين وباعة الخضار على يد اللبنانيين <<ما الذي فعله العمال السوريون، وباعة الخضار السوريون.. ليستحقوا كل هذا القدر من الكراهية والجنون وشهوة الانتقام؟>>. متمنياً على المثقفين اللبنانيين الذين بعثوا برسالة محبة معتذرين عن تلك الحوادث لعشرات من المثقفين السوريين <<أن من يستحق كلمة الحب هو <<شعب سوريا>> الذي يعد عشرين مليوناً من البشر.. البشر الحبابين الحقيقيين..>>. ثم يضيف السيد الشاعر <<ثقوا أيها الأصدقاء: إن أيًّا منكم، أنتم أبناء لبنان العظيم الذي أحببنا ونحبّ، لو واجهته هنا في سوريا كلها إساءة صغيرة واحدة، بكلمة أو هفوة لسان أو غمزة عين، فلسوف يجد إلى جانبه عشرين مليوناً من البشر، (لا بضعة عشر من المثقفين فحسب) مستعدين، دفاعاً عن كرامته وكرامتهم>>.
ترى ألا تدفعنا هذه القراءة الشوفينية التي يلح أبو عفش على ترويجها بين أبناء الشعبين لإبداء مزيد من الاستنكار، والتعجب؟!!..
فإذا كان قد خرج بعض من أفراد الشعب اللبناني عن طورهم وارتكبوا تلك الحماقات التي نأسف لها جميعاً وفي ساعات حرجة فما الذي دفع الشاعر للمسارعة باتهام كامل أفراد الشعب اللبناني بالعدائية والكراهية ومطالباً إياهم بالاعتذار للشعب السوري!! ثم نسأل: ماذا فعل هو وأصدقاؤه العشرين مليونآً <<من السوريين الحبابين الحقيقيين>> رداً على الاعتداءات التي ارتكبت على يد مجاميع سورية تنتمي لأجهزة منظمة وطالت المئات من أبناء الشعب اللبناني على مدى عقود؟!!
أما كان أجدى به أن يقف عند هذا؟!.. أم تراه لم يرَ في تلك الاعتداءات إلا هفوة صدرت عن ناس <<حبابين حقيقيين>>.
لكنه للأسف ما وقف عند أي حد! بل جعل من نفسه عرافاً ينبأ كل اللبنانيين بمصير مأساوي موقعاً بهم لا محالة، متمنياً على صديقه بول شاؤول، ألا يتحسس لنبوءاته هذه <<لا تزعل: ذات يوم غير بعيد، سترى على كل شرفة بيت علماً، وفي كل غرفة نوم خندقاً وحاجز ميليشيا، وتحت كل وسادة خنجراً وكتاب صلاة>>.
أإلى هذا الحد أزعجت تلك التحركات والصرخات العرّاف فتمنى لها كل هذا الدمار والخراب؟!..
ألم يرَ أبو عفش في كل ما حدث بصيص أمل أو خطوة نحو الأمام؟!..
ألم يتلمس شيئاً من الحرية التي بات بمقدور الشعب اللبناني أن ينعم بها ويعبر من خللها عن مشاعره؟ رغم أن هذا الحيز من الحرية على ضآلته يكاد يكون معدوماً في سوريا وفي معظم أنحاء الوطن العربي.
وفوق كل ذلك يعود السيد الشاعر ليؤكد من جديد أن صرخات الشعب اللبناني في ساحة التحرير لم تكن تقصد النظام السوري بل <<العرق السوري>> تحديدا.
<<نعم، لم يكونوا يصرخون ضد النظام السوري (الذي أخلى المواقع وانتهينا...) بل، في كثير من الأحيان أو ربما في كلها، كانوا يقصدون <<السوري/ العرق السوري!>> مستشهداً هذه المرة في دعمه لنظريته، بالحرب الطاحنة التي شنها مثقفو لبنان على <<أدونيس>> لمجرد أنه قال ما قال عن بيروت حسب تعبيره <<وفجأة اكتشفوا أن الرجل مجرد سوري، علوي، عنصري، عاق، عديم الوفاء، متنكر لخبز لبنان وملحه، لبنان الذي صنعه، لبنان الذي آواه ورعاه وأطعمه وكساه ومدنه وعلمه الكتابة أبجدية النور >>. وكي يؤكد الشاعر صواب الحقيقة التي أدلى بها أدونيس بحق لبنان، راح يمتدح الرجل ويعدد مزاياه، واصفا إياه بصاحب رؤية عقلانية متفتحة.. متجاهلاً أن التحركات الأخيرة للشعب اللبناني أرغمت أدونيس على التراجع عن كلامه الذي طال لبنان حين ذاك وهنا تكمن سعة رؤية الرجل وتفتحها، نظراً لتفاعلها مع الأحداث وقراءة رسائلها بشكل مغاير عما جاء في قراءة أبو عفش.
مجرد ماخور
ثم يتطوع ليضيف على لسان اللبنانيين وقد عادت تتفتح لديه ملكات العارف من جديد: <<أيها الهمج السوريون، احملوا كلاكيشكم.. وارحلوا. أيها العمال السوريون، احملوا فؤوسكم ورفوشكم وزناخة عرقكم.. وارحلوا. أيها الكتاب السوريون، من أدونيس إلى غادة السمان... احملوا أقلامكم وأرحلوا...>>. أما البقية فالسيد الشاعر يضمن لهم البقاء <<ولكن فقط لتبقى المطربات الراقصات (بشرط أن يتقنّ اللغة الفينيقية حصرا)، لعل <<شارع زيتونة>> جديدا سيكون بحاجة إلى خدمتهن النبيلة في ميدان السياحة وتوطيد أواصر الأخوة مع أشقائنا <<عربان>> النفط المبجلين>>.
يعز علينا يا شاعرنا الجليل أن تحيل لبنان العظيم، لبنان الذي احتضن ويحتضن وسيحتضن رغماً عن الكارهين أعلام رجال الثقافة المنتمين لكامل أنحاء الوطن العربي، إلى مجرد ماخور عنصري متخصص في امتهان ثقافة الدعارة، متجاهلاً تزاحم الميادين السياحية على اختلاف أنواعها والتي باتت تروّج لها معظم الأنظمة العربية التي تكاد تندر في بلدانها المنابر الثقافية. فالأولى بالمطربات والراقصات اللواتي ضمن لهن أبو عفش البقاء في لبنان أن يبحثهن لأنفسهن عن مواخير تعج بها أوطانهم بعيدا عن لبنان العريق.. فهو بمثل هذا القول، قد يستفز لبنان كله ليصفه بداعر ثقافة ومزور للحقائق لا سمح الله!!
وأما عن لبنان الذي أفرد له عنوان لبنان الواحد. لبنان الأمل، وراح يسخر من حالته الطائفية والعرقية ومن رجاله المحتكرين لغنائم السياسة بنعمة التوريث ومن <<البيك الاشتراكي>> و قداسة <<البطرك>> الذي بفتوة صغيرة منه تقيم قيامة الوطن وركاب سفينته، <<أتنصت إلى هتافات <<الحرية>> في ساحة التحرير، فلا يبقى في أذني غير ضوضاء وصليل التوعدات وأصداء الكراهية. الكل يتحدث عن لبنان السيد، الحر، المستقل، الموحد: لبنان الأمل. في بلاد يمكن مباراة زجل أن تهدد سلامها الأهلي، من أين سيجاء بهذا اللبنان المعجزة؟...>>.
فليسمح لي شاعرنا القدير أن أعقب على ذلك قائلا:
ربما نتفق معه على أن هذا هو حال لبنان، ولكن علينا أن نعترف أيضا بأن هذه الحالة تنطبق على جميع الأوطان العربية بصفات ومسميات مختلفة، وهي ليست حكراً على لبنان وحده ولله الحمد، بل ما أراه في <<هتافات ساحة التحرير>> أن لبنان اليوم بات أكثر حصانة من بقية البلدان العربية في ما يخص نعمة التوريث، والزعامات والتقسيمات الطائفية والحرب الأهلية لكونه استفاد من درس سابق بينما بقية البلدان العربية الأخرى لم تعش تجربة مماثلة، وما زالت جاهلة لكثير من قواعد الدرس، وهذا يعطي دفعاً قوياً للبنانيين كي يتحركوا لتوظيف تلك القواعد التي استخلصوها من تجربتهم المريرة، لبناء حريتهم واستقرارهم بعيداً عن العصبيات والطائفية والبيكاوية والبطريركية، والتوريث، عسى أن يجعلوا من لبنان بحد ذاته درساً لبقية الأنظمة العربية قبل أن يجبروا شعوبهم على دفع ضريبة أكثر هولاً وإيلاماً.
أما عن الحقيقة التي نذر لها السيد الشاعر كل هذا الجهد والعناء على أمل أن تصبح ناصعة، فأحبُّ أن أبلغه بأنه قد أخطأ الهدف وجاءنا بحقيقة زائفة ولهذا أجدني ومعظم أبناء الشعب السوري أبرياء منها. أما إذا كان يقرأ علينا قصيدة شعر، وقد جاز له كل ما تفضل به لضرورة الشعر، فليسمح لي شاعرنا القدير مرة ثانية أن أعلق: إنها للأسف جاءت قصيدة ركيكة ورديئة ومخيبة للآمال خلافاً لمعظم قصائده التي أتحفنا بها على مر السنين.
(دمشق)