القــوى الدوليـــة الصاعـــدة

السيد يسين - الاتحاد

 

من الطبيعي أن تهتم الدراسة الاستشرافية الأميركية الهامة "تخطيط المستقبل الكونى"، التي أشرنا إلى أبرز سماتها من قبل بموضوع القوى الدولية الصاعدة في النظام الدولى.
ونحن نعلم أنه من بين الأحداث التاريخية البارزة التي وقعت في الحقبة الأخيرة انهيار الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الاشتراكية حوالى عام 1989، مما وضع نهاية فعلية للقرن العشرين! انهار الاتحاد السوفيتي إذن، وتحولت الولايات المتحدة الأميركية بذلك من كونها القطب الأعظم لتصبح القطب الأوحد!
وصاحب كل هذه الأحداث التاريخية بروز نظرية إيديولوجية أميركية هي "القرن الجديد" التي صاغ ملامحها مجموعة من المفكرين والسياسيين الأميركيين، هم الذين يطلق عليهم "المحافظون الجدد". وتقوم هذه الحركة الإيديولوجية على أساس أن الولايات المتحدة الأميركية ينبغي أن تكون هي القوة العظمى الوحيدة المهيمنة. وأيا ما كان الأمر فإن الإدارة الأميركية التي بدأت عهدها بإعلان قيام الإمبراطورية الأميركية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، ومع الإحساس العميق بغرور القوة، بدأت ملامح نظرية استراتيجية أميركية جديدة تظهر للوجود، من خلال دراسات نشرتها مؤسسة "راند" الغرض منها صياغة نموذج معرفي متكامل يضمن الهيمنة الأميركية الأبدية على مقدرات العالم!
وهذا السيناريو الذي عكف على إعداده عشرة مفكرين استراتيجيين أميركيين وقدموا توصياتهم بشأنه إلى وزارة الدفاع الأميركية، يمكن وصفه في الوقع وبدون أي تجاوز بأنه سيناريو جنوني! وذلك لأن سجلات التاريخ تؤكد أنه ليست هناك أي إمبراطورية في الماضي استطاعت أن تحكم إلى الأبد!
لم يستفد هؤلاء المفكرون من الدروس البالغة القيمة التي قدمها المؤرخ الأميركي البريطاني الأصل بول كيندي صاحب الكتاب الشهير "صعود وسقوط القوى العظمى". والذي تنبأ بأن القوة الأميركية ستهبط في ميزان القوة في العقود القادمة، وذلك طبقاً للقانون العام الذي استخلصه من دراسته التاريخية وخلاصتها: أنه إذا تجاوزت الالتزامات الاستراتيجية لقوة عظمى قدراتها الاقتصادية فإن ذلك من شأنه أن يسقط هذه القوة وذلك بالمعنى التاريخي للكلمة.
غير أن النظرية الاستراتيجية الأميركية عن الهيمنة الأبدية على مقدرات العالم، تقابلها نظرية استراتيجية صينية متكاملة تسعى إلى صياغة عالم متعدد الأقطاب ليحل محل العالم الأحادي القطبية الذي تحاول الولايات المتحدة الأميركية أن تهيمن عليه منفردة. وهي نظرية تستحق الدراسة والتحليل العميق، لأن المعركة العالمية الكبرى التي ستدور رحاها على المسرح العالمي في العقود القادمة ستكون المعركة بين النموذج الأحادي القطبية والنموذج المضاد وهو العالم المتعدد الأقطاب. وفي ضوء كل هذه الاعتبارات تبدو منطقية هذه الأهمية الكبرى التي أولتها وثيقة "تخطيط المستقبل الكوني" لمشكلة القوى الدولية الصاعدة. ولعل السؤال الذي ينبغي إثارته هو كيف وضعت الوثيقة الأميركية مشكلة القوى الدولية الصاعدة؟

تقول الوثيقة إن بروز الصين والهند باعتبارهما قوتين عالميتين صاعدتين شبيه تماماً ببروز ألمانيا في القرن التاسع عشر، وبصعود الولايات المتحدة الأميركية في بداية القرن العشرين، مما من شأنه أن يغير من أفق الجغرافيا السياسية في العالم. وسيكون لذلك من الآثار العميقة ما كان لصعود ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية من قبل في سلم النظام الدولي. ومن هنا تثور شكوك في أن يكون القرن الحادي والعشرون أميركياً كما كان القرن العشرون. بل إن الوثيقة تتحدث عن احتمال نشوء عالم جديد تقوده كل من الصين والهند وذلك لأسباب شتى. إن عدد السكان في الأقطار التي كانت قلب العالم الذي سيطر على القرن العشرين ونعني أوروبا وروسيا سيهبط بشكل ملحوظ، في حين أن كل الزيادة السكانية ستحدث في الدول النامية، والتي ظلت حتى وقت قريب على هامش الاقتصاد العالمي.

والاعتبار الثاني أن "الواصلين الجدد" وهما الصين والهند وربما تنضم إليهما البرازيل قد يدخلون جميعا في نمط من أنماط التحالفات الجديدة. والاعتبار الثالث أن صعود الصين والهند لن يوقفه إلا حدوث انقلاب في مسيرة عملية العولمة، أو تراجع حاد في هذين البلدين من شأنه أن يوقف مسيرتهما الصاعدة. ويبقى السؤال مفتوحا حول كيف تمارس كل من الصين والهند قوتهما المتزايدة، وهل سينزعان في المجال الدولي إلى التعاون أم الصراع؟

ومن بين الاعتبارات التي ستساعد كلا من الصين والهند على الصعود, خليط من العوامل، أهمها نمو اقتصادي مستدام، وزيادة القدرات العسكرية، وفعالية التوسع في مجال التكنولوجيا الحديثة، وزيادة معدل السكان.

وتقرر الوثيقة أن الصين على سبيل المثال تعد الآن ثالث منتج عالمي للسلع المصنعة. وقد ارتفع نصيبها من 4% إلى 12% في العقد الأخير، وهي تستطيع بسهولة أن تتجاوز اليابان في السنوات القادمة، ليس فقط في نصيبها من السلع المصنعة، ولكن أيضاً في معدلات صادراتها. وأصبح من المسلم به الآن أن "الأسعار الصينية" تمثل تحدياً كبيراً لكل المنتجين في العالم. وإذا كانت الهند مازالت تلهث وراء الصين إلا أن أغلب الاقتصاديين يتنبأون بأنها ستحقق في السنوات القادمة معدلات عالية في النمو الاقتصادي.

غير أنه فيما يبدو ستحدث تغيرات أخرى هامة، من بينها إمكانية الصعود الاقتصادي لدول مثل البرازيل وجنوب أفريقيا وإندونيسيا وحتى روسيا، مما من شأنه أن يقوي الدور العالمي المتصاعد لكل من الصين والهند. ولابد من الإشارة إلى الاحتمالات القوية لزيادة قوة أوروبا الموحدة، ولدور أكثر فاعلية لليابان. غير أنه في كل الأحوال لا ينبغي تجاهل الاعتبار السكاني الهام والذي يتمثل في أن كلا من أوروبا واليابان وروسيا لابد لها أن تجابه مشكلة زيادة شيخوخة سكانها. والواقع أن الوثيقة الأميركية قد التفتت ليس إلى صعود كل من الصين والهند فقط، ولكن إلى نهوض آسيا ككل، وذلك من خلال تتبع المؤشرات الاقتصادية والسياسية.

هناك مؤشرات عدة على زيادة القدرات العسكرية الصينية من خلال تنمية وامتلاك الأسلحة الحديثة مثل الطائرات المقاتلة الحديثة، والغواصات المتقدمة، وزيادة عدد الصواريخ البالستية. وستصبح الصين أكبر قوة عسكرية عظمى من الطراز الأول. وإذا كانت الأزمات الاقتصادية أو أزمات الثقة بين الصين وغيرها من الدول. يمكن أن تبطئ فإنه علينا أن نلتفت إلى أن عدم استطاعة الصين المحافظة على معدلات نموها الاقتصادي، ستكون له آثار سلبية عالمية.

وأيا ما كان الأمر, فلابد لنا أن نقرر أنه على الدول العربية التي لم تستطع حتى الآن أن تصوغ رؤية استراتيجية متكاملة، أن تدرس بعمق كل المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي اعتمدت عليها وثيقة "تخطيط المستقبل الكوني" حتى تستطيع أن ترسم خريطة لمستقبلها، في عالم تجاوز منذ زمن التعبد في محراب الماضي. بغير الوعي بالمستقبل، لا يمكن للنهضة العربية أن تبدأ من جديد!