العرب والفقر: التحدي العاجل

فايز سارة - السفير

 

انعقد في القاهرة مؤخراً مؤتمر عربي لمنظمات المجتمع المدني للبحث في موضوع الفقر، ومعظم المساهمات التي قدمها مشاركون من نحو عشرين بلداً عربياً، أكدت أن الفقر ظاهرة عربية عامة، موجودة في كل البلدان العربية ولو بنسب متفاوتة، وهي تصل في بعض البلدان الى ما يتجاوز نصف السكان. وأشار بعض المشاركين الى تجليات الفقر وأخطاره على المجتمع والدولة، والتي تتجاوز عدم مقدرة الفقراء على تأمين الحدود الدنيا من احتياجاتهم الحياتية الضرورية من غذاء وكساء ودواء، الى ما يعنيه الفقر من هدر لكرامتهم الانسانية، وعجز هؤلاء عن المشاركة الحية والفاعلة في الحياة العامة، وقد يتعدى الامر ذلك الى دفع فئات من الفقراء لتشكيل قنابل موقوتة.
ومما يجعل للفقر أخطاراً متزايدة، انه يصيب الفئات الاكثر ضعفاً في المجتمعات وخاصة الاطفال والنساء. فيدفعهم من ضعف الى ضعف، ولان للفئتين موقعاً خاصاً في المجتمع، فإن تهميشهما وإفقارهما، يسير بالمجتمعات بصورة أسرع نحو الهاوية، ويترتب على إفقار الاطفال والنساء ظواهر تختلط فيها ظواهر التردي الاجتماعي مع الظواهر الجرمية في طيف واحد، لكن الاخطر في ذلك يكمن في إضعاف قدرة النساء على تربية أجيال جديدة من الاطفال الاسوياء، وجعل الأخيرين خارج أعداد المواطنين الاصحاء، وصيروتهم قوة هدم لبلدانهم لا قوة بناء وتنمية.
وبطبيعة الحال، فإن لظاهرة الفقر في البلدان العربية، أسباباً كثيرة ومتداخلة، موزعة بين أسباب داخلية واخرى خارجية، وثمة أسباب موضوعية تتعلق بالاجواء أو البيئات العامة، واخرى ذاتية تتعلق بشرائح من السكان والذين بفعل أوضاع تخصهم يصيرون في عداد الفقراء، وقد كانت هذه الاسباب بين الموضوعات، التي جرى بحثها في المؤتمر، وقد ركز المشاركون فيه على الديون والمساعدات الخارجية باعتبارها بين الاسباب الاهم للفقر، وهذا ما لا يمكن تجاهله عند بحث موضوع الفقر في البلدان العربية خاصة في ظل ارتفاع حجم المديونيات، والتي وصلت في أحد البلدان الى مبلغ أربعين مليار دولار لنحو أربعة ملايين نسمة من السكان، كما ان المساعدات الخارجية تحولت الى قوة تأثير في السياسة العامة لعدد من الدول العربية، والتي يقبل كثير منها المساعدات المشروطة، وهو أمر موجود في أغلب البلدان العربية الفقيرة. غير ان الاهم في الاسباب المؤدية للفقر في البلدان العربية يكمن في السياسات التي تطبقها الحكومات العربية، والتي في غالبيتها تقاعست عن القيام بخطط تنمية حقيقية، واكتفت بما يمكن تسميته ب<<تنمية شكلية>>، هدرت فيها القدرات والامكانات والفرص، وبعض تلك الحكومات مارست عملية نهب منظمة لإمكانات الدولة والمجتمع، وراكم مسؤولون فيها ثروات، تم إيداعها في بنوك واستثمارات في الخارج، كما في مثال بلد يبلغ عدد سكانه أقل من عشرين مليون نسمة، ويعيش نحو نصف سكانه تحت خط الفقر العالمي في حين يبلغ حجم أموال أغنيائه ومعظمهم من المسؤولين والمسؤولين السابقين في الخارج ما بين مئة ومئة وخمسة وعشرين مليار دولار حسب تصريح أحد وزرائه.
ولا شك بأنه لا يمكن محاربة الفقر في ظل استمرار الظروف القائمة والسياسات المعمول بها، وهذا ينسجم مع مطالب الاصلاح والتغيير التي تطرق أبواب البلدان العربية، لكن هذا لا يعني بأي حال من الاحوال، ترك الامور على حالها بانتظار الاصلاح المنشود والذي قد يتأخر، أو انه لا يأتي بالصورة المطلوبة، مما يدفع الى خطوات وإجراءات عاجلة هدفها حشد جهود مشتركة للمجتمع المدني والاهلي في البلدان العربية تصب في إطار محاربة الفقر، وهذه كانت بين أهم النقاط التي بحثها المشاركون في المؤتمر، حيث خلصوا الى أمرين، أولهما تشكيل قوة ضغط ومراقبة على سياسة الحكومات العربية من جهة، والقيام بدور تنموي وثقافي إعلامي داخل المجتمع من جهة ثانية.
وتتضمن المهمة الاولى في تفاصيلها، تذكير الحكومات بالتزاماتها الدولية في الانخراط بالبرنامج العالمي لمحاربة الفقر الذي أقرته قمة الالفية، وتأكيد أن هذا الالتزام يماثل في جديته أكثر الالتزامات الدولية أهمية، ثم القيام بدور المراقبة والمتابعة على الموازنات العامة في مستوياتها الوطنية والمحلية، والعمل على التأثير في اعدادها لتأخذ بعين الاعتبار احتياجات الفئات الفقيرة وتنمية قدراتها وإمكاناتها لانتشالها من الفقر وتطبيع حياتها. وتشمل المهمة الثانية شبكة معقدة من الانشطة، لكن الاهم فيها استنفار إمكانات وطاقات المجتمع في محاربة الفقر، وإقامة مستويات من المشاركة فيه بين الجمعيات الاهلية والمدنية والفعاليات الاقتصادية والاجتماعية الى جانب مؤسسات الدولة لتؤدي دوراً متناغماً، يحشد كل قواه لمحاربة الفقر، ويثقف الجمهور بأخطاره وسبل محاربته، ويعمل من خلال برامج التنمية والتدريب والتشغيل الامثل للخروج بالفقراء من فقرهم، وهو أمر ينعكس بصور إيجابية على المستويات كافة، حيث ان خروج الفقراء من فقرهم، سوف يقوي قدراتهم، وهذا يخفف الاعباء الملقاة على عاتق الدولة في نظام الرعاية الاجتماعية، ويدفع قدراتها نحو مجالات اخرى، ومن شأنه أن يحرك القطاع الاقتصادي وينشطه، ويدفعه في دورة اقتصادية جديدة.
(
) كاتب سوري