دور الإعلام في مكافحة الفساد

علي نجيب عوّاد - النهار

تهدد المشاكل التي يطرحها الفساد استقرار المجتمع وأمنه، وتقوّض قيم الأخلاق، وتعرِّض التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للخطر. ويبرز القلق من الصلات القائمة بين الفساد وسائر أشكال الجريمة، وخاصة الجريمة المنظمة والجريمة الاقتصادية، بما فيها غسل الأموال.

وفي سياق حركية  العولمة، يعبر المجتمع الدولي باستمرار عن قلقه الكبير من اكتساب كبار الموظفين العموميين ثروات شخصية بصورة غير مشروعة، ما من شأنه أن يلحق ضرراً بالغاً بالمؤسسات والاقتصادات الوطنية وسيادة القانون، وكذلك بالجهود الرامية إلى تعزيز التنمية الاقتصادية في العالم.

نستنتج من التحديد الدولي لجريمة الفساد، أنها إتيان افعال تمثل أداءً غير سليم للواجب من قبل الشخص المسؤول، (أو إساءة استغلال لوظيفة تنطوي على سلطة)، بما في ذلك افعال الإغفال، توقعاً لمزية، أو للحصول على مزية، يوعد بها أو تعرض أو تطلب بشكل مباشر أو غير مباشر، أو إثر قبول مزية ممنوحة بشكل مباشر و غير مباشر، سواء للشخص ذاته أو لمصلحة شخص آخر. إن موضوع الفساد يكتسب أهمية قصوى نظراً الى النتائج السلبية التي تترتب على تهديد العمل الإداري العام الذي يظهر الحكومات بحالة من التفكك والتآمر على تنمية المواطن.

يتبين من المضمون الوارد آنفاً حتمية توافر الإرادة السياسية والحزم الحكومي في اتخاذ القرارات الجدية والإجراءات الصارمة الكفيلة بتوفير مقومات مكافحة الفساد وشتى مظاهره ومنع إهدار موارد الدولة وعرقلة مخططات التنمية، والهدف المتوخى هو تحقيق معدلات طبيعية للتنمية الاقتصادية وبالتالي الاجتماعية.

مقاربة دينية

بعد تحليلٍ معمق لتحديد الفساد نقول أن ظاهرة الفساد ترتبط بفعل العمل الذي يمارس بصورة غير سليمة للحصول على منفعة شخصية. والعمل في كل الأديان هو فريضة تعبدية على المؤمن.

يقول تعالى {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون}. والهدف السامي من هذا القول هو محاربة السلوكات غير المنتجة للمجتمع وللمؤمنين.

فالعمل الصالح هو دليل إيمان المؤمن وعقيدته السمحاء، وعند غياب الإخلاص في العمل لا يعود الأخير صالحاً بل يدخل في دائرة غضب الله ويصبح فساداً وتقول الآية الكريمة: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحبُّ الفساد).

وعندما تفرض الاديان مزية الإتقان في جوهر العمل فإنها بذلك تمنع إنسلال الفساد إلى أفعال الواجب أو الوظيفة .

وانطلاقاً من أن الأديان كافةً، السموية منها والاصلاحية، تدعو الى نبذ الفساد في العمل، نختصر ونقول: قبل أن يعالج الإنسان مسألة الفساد في العمل كان للأديان الصوت المدوي والنور الوهَّاج. وقد أحاطت الأديان العمل بالمعايير الاجتماعية السليمة وحرصت على أن ترفع عنه كل ألوان العبث والاستغلال والتراخي والتسيّب والتحلّل من المسؤولية.

ونضيف: الضمانة السليمة للعمل غير الفاسد تبنى في نفس الإنسان منذ الصغر مرتكزة إلى تنشئته على:

- العقيدة الدينية السليمة،  مهما كان الإنتماء الديني، في مرحلة التعليم الطفولي وصاعداً.

ـ- العبادة الواعية وليست المغالية والسير على القيم الإيمانية السمحاء كمحصنات ضد الفساد المجتمعي وبالتالي الإداري. تعد هذه التنشئة الإنسان للحياة "الآمنة المؤمنة" الدنيوية وللحياة "الرَّاضية المرضية" الأخروية.

الفضائل والأخلاق الحميدة التي تنتج سلوكاً يمنع الفرد من أكل لحم أخيه العام.

التوعية الإعلامية بمضار الفساد

تكتسب التوعية الإعلامية بمضار الفساد أهميتها الاستراتيجية في الدول المتقدمة، ويجب أن تتضاعف هذه الأهمية في الدول النامية التي تعتمد شعوبها على ما تقدمه لها حكوماتها من معلومات وحقائق لتكوين سلوكها وردود فعلها.

وتتركز جهود أجهزة الإعلام على إقناع الموظفين العامّين والمواطنين بالتخلي عن السلوك والتصرفات المرتبطة بظاهرة الفساد، مستندة في تأثيرها بالدرجة الأولى على:

- مصلحة الوطن العليا والانتماء إلى هذا الوطن.

- وحدانية الولاء إلى الوطن.

- المواطنية الصالحة.

- الفضائل الإنسانية.

- الثواب والعقاب.

إن الجهد الإقناعي لأجهزة الإعلام هو جهد شاق وصعب بسبب العقبات التي تواجهه وفي مقدمها:

أ - عدم إكتراث الجمهور المستهدف.

ب - اصطدام النظريات بالوقائع من جانب بعض المرجعيات الحكومية إذ يصطدم هذا الجهد الإقناعي بتصرفات كبار الموظفين المدنيين والأمنيين الهادفة الى "أكل المال العام" .

ج - عدم التنسيق بين المراجع الرسمية وأجهزة الإعلام ويكون متعمداً في غالب الأحيان من قبل المفسدين.

د - عدم التنسيق بين أجهزة الإعلام.

هـ -ـ سوء اختيار نوعية وسائل الإعلام.

يرتبط نجاح الجهد الإقناعي لأجهزة الإعلام بالمتطلبات الآتية:

1 - ربط أهداف هذا الجهد بالمصلحة الوطنية العليا في التنمية الاجتماعية ومستقبل الوطن.

-2 توضيح هذه الأهداف للموظفين وللمواطنين في آن واحد.

-3 إثبات موضوعية هذا الجهد وتطابقه مع الوقائع.

4 - استخدام هذا الجهد لعنصر التحفيز المرتبط بالدوافع الفيزيولوجية والنفسانية مثل: تحسين وضع العملة، رفع مستوى التقديمات الاجتماعية، تحقيق العدالة الاجتماعية، رفع قيم المجتمع وفضائله... إلخ...

-5 تسليط الضوء الإعلامي على دور الرقابة الإدارية في ضبط أعمال الفساد والتصدي لها.

6 ـ عرض آراء قادة الرأي والنخبة في المجتمع في أجهزة الإعلام توخياً لتعزيز الصدقية وعمق التأثير في الجمهور.

-7 استخدام الوسائل الإعلامية الموثوقة والأشخاص الذي يتمتعون بصدقية مؤكَّدة، وإلاَّ جاء التأثير سلبياً إنطلاقاً من قاعدة "التبرع بالدم الفاسد" الإعلامية.

8 -ـ استخدام الوسائل الإعلامية بطريقة "التوارد" في اتجاه المسألة الواحدة.

9 -ـ الترويج للدعوة إلى تطبيق صور الإصلاح الإداري بأنه عمل تحرري من رواسب اجتماعية كالمحسوبية والأنانية، هو عمل تنظيمي بنيوي مستمر، هو وحدة كاملة لا تتجزأ في ابعادها السياسية والاجتماعية والإدارية والاقتصادية.

10 -ـ تجنب المبالغة في الترغيب بالثواب والتلويح بالعقاب المترتب على سلوك الفرد دون تطبيقهما ، وهذا ما يؤدي إلى "تسهيل نفساني" لاستفحال الفساد .

11 - الترويج لدعم حتمية فصل السياسة عن الإدارة وأن الوظيفة العامة هي صورة اجتماعية وطنية سليمة أولاً ثم وسيلة ارتزاق ثانيا.

12 -ـ مواكبة تنفيذ الجهد الإعلامي بعملية تقويم دورية تسمح بتعديل الأسلوب والمضمون والوسيلة في الوقت المناسب وتكثيف الجرعات أو تخفيفها.

 وعلينا التأكيد أنه ليس هناك من حصانات تكبح الجهد الإعلامي ولو كانت حصانة النظام. إن مسألة النظام قد تمثل استراتيجية وقائية للفساد، ويلزمها رأي عام متيقظ ينتج عن جهد إعلامي هادف، يربطه اهتمام مشترك بنزاهة الحكومة والمحافظة على حقوق المواطن الأساسية. يقتضي المضمون الوارد آنفاً وجود نظام سياسي يرتكز على قاعدة "القانون فوق الجميع ولا استثناء لجرائم المسؤولين والعدالة الاجتماعية للجميع".

التعاون الإعلامي الدولي

لمكافحة الفساد

إن الروابط القائمة بين الجريمة المنظمة والفساد تفترض التعاون الدولي في مكافحة ظاهرة الفساد، وعلى هذا التعاون تتركز الجهود الدولية حالياً في خطط عمل عالمية منذ بداية التسعينات حين عقد المؤتمر الثامن للأمم المتحدة للوقاية من الإجرام ومعالجة الجانحين (هافانا، 1990).

إن الهدف الأساسي من التعاون الدولي هو إعادة النظر في الأبحاث القانونية القائمة وتصميم آليات جديدة لتفادي جميع أشكال الفساد ومنها الآليات الإعلامية ودينامية عملها في اتجاهات ثلاثة:

- الدولة (الحكومات).

ـ- المجتمع المحلي أو الدولي.

-ـ الموظف العمومي (الجاني).

-ـ المواطن (الضحية).

على المجتمع الدولي أن يركز اتجاه تعاونه على العامل الإعلامي وفق محاور الجهد التالية:

-ـ تنسيق السياسات الإعلامية الحكومية لمكافحة الفساد.

ـ- تنسيق الجهد الإعلامي لتوعية المجتمعات المختلفة وفق قواسمه المشتركة (الإنسانية، الفضائل، التنمية الدولية، المصالح المشتركة.. الخ).

- توعية الموظفين بمن فيهم المسؤولين والقضاة وكبار الأمنيين حول أساليب التعاون الدولي بهدف الكشف عن الجريمة وقمعها والمحاكمة.

-ـ تنظيم حملات توعية للرأي العام وتنسيقها لتحفيز عناصر دعم مكافحة الفساد.

- تنسيق المساعدات التقنية الإعلامية التي تستثمر جهد وحدات الاستخبارات المالية بما لا يتعارض مع حسن سير العمل وسريته.

- تعميم مدوّنة دولية لقواعد سلوك الموظفين العاميّن والأحكام التي تتضمنها كأساس لإعداد مبادىء توجيهية مثل الدراسات والنشرات الإعلامية التي تبين بوضوح وظائف هؤلاء الموظفين وواجباتهم.

- ضمان حرية الإعلام والحق في الحصول على المعلومات الذي يعتبر من الأمور الضرورية لمكافحة الفساد مما يفتح المجال واسعاً أمام الإعلام في ممارسة دوره من طريق الالتزام بالموضوعية في تقديم المعلومات.

- نشر التقارير الحكومية في الوسائل الإعلامية المناسبة بشكل دوري لفضح اشكال الفساد وممارساته والتحقيقات والتدابير القانونية المتخذة ضد الجناة.

وفي الختام نستخلص ونؤكد الآتي:

تضطلع الأجهزة الإعلامية بوظائف بنيوية تستخدم المنهج العلمي المعرفي لأداء مهمات مجتمعية استراتيجية هادفة إلى توافق المجتمع ووحدته وتجانسه في كتلة واحدة. تواجه هذه الكتلة الأخطار المتربصة بأمن المجتمع واستقراره وفي مقدمها خطر "الجرائم المنسلَّة" ومنها جريمة الفساد التي تنسلُّ خلايا سرطانية في أوصاله.

وتدخل سياسة الوقاية الاستراتيجية من جرائم الفساد في جوهر منهج الأجهزة الإعلامية مرتكزة على عناصر الاختصاص والمرونة من جهة، وعلى الواقعية والتنوع والالتزام في الأداء من جهة أخرى. وتؤكد نظرية الدفاع الاجتماعي -- ومرتكزها الأمن والإعلام -- أنه على رجل الإعلام أن يدمج هذه السياسة في خطط التنمية الاجتماعية والاقتصادية باعتبار أن سياسة منع الجريمة هي أحد اتجاهات السياسة الاجتماعية. والتوصية الجذع تكمن في إتباع أسلوب منهجي في مجال التخطيط الإعلامي لمنع جريمة الفساد مما يؤدي إلى دمج سياسات المنع هذه في التخطيط الإنمائي الوطني. يشتمل هذا الأسلوب بشكلٍ أساسي على إقامة وشائج ملائمة بين الأمن ونظام العدالة الجزائية والمجالات الإنمائية الأخرى مثل الثقافة والتعليم والعمل وأخرى ذات الصلة. يترجم هذا الأسلوب القيم الإنسانية والبنية الحضارية في كافة تشعباتها وتعقيداتها كما يعالج مسائل الاضطراب والظلم واللاإنتماء الوطني.

ويمكن الجزم بأن جريمة الفساد تعتبر أشدَّ خطراً وفتكاً و"سرطانيةً" من باقي الجرائم. فآثارها تتسع لتشمل الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، بل كل الأبعاد الوطنية، تضرب الأمن القومي والمصالح القومية والقيم الأخلاقية في الوطن والدولة. وقد تؤدي هذه الآثار إلى أزمات ونزاعات سياسية داخل المجتمع وسلطاته الحاكمة.

() قسم من دراسة طويلة.

علي نجيب عوّاد