حرب السيد بوش

ايمانويل والرشتاين - السفير

 

نعرف الآن أن جورج بوش أسرّ إلى أحد أصدقائه قبل أن يصبح رئيسا بأنه يريد حربا مع العراق وبأنه سيتخلص، خلافا لوالده، من صدام حسين. وهكذا فعل. لكن مع تحول استطلاعات الرأي جديا ضده، إذ تقول غالبية الأميركيين اليوم إن الحرب لم تكن تستحق خسارة الأرواح، لقد حان الوقت لنقوم بجردة حساب لما حققه السيد بوش.
أراد حربا سريعة، ولم يحصل على ذلك. يواجه المحتلون الأميركيون اليوم، بعد عامين من إطلاق الغزو، مقاومة عراقية عنيفة يبدو أن القوات الأميركية غير قادرة على هزمها. في الواقع، يبدو أنها تصبح مميتة أكثر، وليس أقل، مع مرور الوقت. تقول الولايات المتحدة إن استراتيجيتها هي تدريب القوات الحكومية العراقية إلى أن تصل لنقطة تستطيع أن تتعامل فيها مع هذه المقاومة. لكن الجميع يعترف، وأولهم الجنرالات الأميركيون في الميدان في العراق، بأن الولايات المتحدة ليست بأي شكل قريبة من هذا الهدف، وأنه قد لا يمكن تحقيقه قبل سنوات، إن لم يكن أبدا. حتى دونالد رامسفيلد نفسه يتحدث عن الحاجة إلى البقاء في العراق ل12 عاما، وهو ما لا يجعله يبدو بالتأكيد كما لو أنه يعتقد أن الحكومة العراقية ستكون قادرة على التعامل مع المقاومة في وقت قريب من دون المساعدة الأميركية.
عند هذه النقطة، هناك قلة قليلة جدا من الوحدات الحكومية العراقية القادرة على أن تخوض بمفردها حتى اشتباكات صغيرة. لا يبدو أن التدريب يعلق في أذهانهم. الآن، يمكن للمرء أن يفترض أن المدربين الأميركيين مؤهلون ومُحَرضون جدا. إذا لماذا لا يعلق التدريب؟ يبدو أن هناك العديد من الأسباب. الأول هو حماسة عناصر القوات العراقية. لقد انضمت إليها بشكل أساسي لأنها وظيفة رواتبها جيدة نسبيا وإن كانت خطرة جدا في الوقت الراهن. إذ هم يقبضون رواتبهم ويتجنبون المعارك، خاصة كونهم غير مجهزين بشكل جيد، في معظمهم. اكتشف أحد الغربيين الجسورين ممن رافقوا هذه القوات لفترة (معظم المراسلين الأجانب يبقون في المنطقة الخضراء المحمية جدا في بغداد) أن هذه القوات كانت تنشد أغاني معادية للولايات المتحدة عندما كان المدربون الأميركيون غائبين عن السمع.
قلة من المعلقين قامت بالمقارنة الواضحة بين هذه القوات العراقية المدربة أميركيا مع وحدات المقاومة. يبدو أن المقاومين، وإن كانوا لا يمتلكون التدريب والدعم الأميركيين، يقاتلون بشكل جيد جدا، كما اعترف الجيش الأميركي. لم ينضموا إلى المقاومة بالتأكيد من أجل المال. هل أتجرأ أن أفترض أنهم فيها من أجل الوطنية، سواء كانت وطنية عراقية قومية أو إسلامية جهادية أو مزيجا من الاثنين؟ وهذا محرض قوي جدا. يشير مستشار أميركي، مرة كل حين، إلى واقعة أنه يمكن سحق الثورات ويقدم مثالا سحق بريطانيا للمتمردين الماليزيين وللماو ماو في كينيا. لكن هناك اختلافات جلية. في ماليزيا، كان المتمردون مجذرين في الجالية الصينية ولم تكن غالبية المالاي تكن لهم أي تعاطف. كما أن الماو ماو كانوا لا يمتلكون القدرة على الوصول إلى الأسلحة الحديثة. لا توجد أية مقارنة مع الوضع في العراق وهو أقرب في بنيته إلى جميع حركات المقاومة التي انتصرت على الأنظمة الغربية أو تلك التي كان يدعمها الغرب.
أراد السيد بوش أيضا نظاما في السلطة قويا وحليفا طويل الأمد وقادرا على إدارة البلد. حتى الآن لم يحصل على أي هذه. لا يزال على الحكومة العراقية الجديدة أن تثبت أنها قادرة على دفع الفاتورة على مستوى الاعتبارات الثلاثة هذه القوة والدور كحليف أميركي يمكن الاعتماد عليه والقدرة على إدارة البلد. من الواضح أنها لا تمتلك القوة العسكرية. إذاً لنلقِ نظرة على القدرة على إدارة البلد. في الوضع الفوضوي الذي يقدمه العراق حاليا، هناك هجرة للحرفيين المهرة الذين يمتلك العراق ذخيرة منهم أكثر من غالبية البلدان الشرق أوسطية. بعض هؤلاء غادروا أيام صدام بسبب القمع أو الخوف. يغادرون اليوم لأن أرواحهم مهددة يوميا من قبل رجال المافيا والمقاومين والعنف العشوائي والخطف. أما النساء العاملات فيقبعن في المنزل، جزئيا بسبب الفوضى، لكن بشكل أوسع بسبب ضغوط الأصولية الإسلامية.
وبالنسبة لأن يكون النظام حليفا أميركيا يعتمد عليه، آمل بالتأكيد ألا تكون كوندي رايس تعتمد على الحكومة العراقية الحالية ولو قليلا أو على المدى المتوسط. السبب الأول هو أن على العراقيين أن يوحدوا أعمالهم في هذا التوتر الضخم بين المجموعات الدينية العرقية المختلفة. إذا كان الجيش ضعيفا، فهذا ليس صحيحا بالنسبة للميليشيات التي تبدو بشكل أوضح مستقبل النظام (والفوضى) في العراق. لا يوجد مشروع وطني، بعدما تم جذبه في الاتجاهات كلها، وبالتأكيد ليس واحدا يكون فتى جيدا في النظام العالمي النيوليبرالي.
الأمر الثالث الذي أمِل به السيد بوش كان إعادة تأكيد هيمنة غير قابلة للتشكيك للولايات المتحدة في الميدان العالمي. لكن الإشارة إلى أن التعددية القطبية الواقعية هي اسم الوضع الحالي وأن الولايات المتحدة في انزلاق انحداري، باتت الآن كتابة صحافية منهكة. يمكن لديك تشيني أن يتحدث بصخب قدر ما يشاء، لكن على المرء أن يتساءل ما إذا كان يعتقد حتى بأن الولايات المتحدة أقوى الآن مما كانت عليه في أي وقت سابق وبأن العالم يذعن لرغباتها.
أخيرا، توقع جورج بوش، كريفي ضيق الأفق، أن الولايات المتحدة ستزدهر في الوطن وتعود إلى الجنة الأسطورية التي كانتها أميركا بارونات المطاط للقرن التاسع عشر الذين جمعوا ثرواتهم في بلد سكنته عائلات مسيحية سعيدة تجمعت في قرى صغيرة وكانت تذهب إلى الكنيسة كل يوم أحد وتخبئ خطاياها في خزانة كبيرة. عوضا عن ذلك، تعيش الولايات المتحدة حربا ثقافية وطنية ضخمة تهدد بأن تصبح عنيفة في العقد المقبل. لم تكن الولايات المتحدة منقسمة يوما إلى هذا الحد داخليا منذ الحرب الأهلية. في الواقع، إن الولايات المتحدة تعيد، بطريقة ما، لعب الحرب الأهلية. لكن المرة الثانية، مع كل هذه الأمور، ليست مهزلة فقط وإنما أكثر رداءة.
باستعادة الماضي، يبدو أن ريتشارد نيكسون كان بالكاد مجرما تافها، لكنه كان على الأقل مجرما ذكيا. أشرف على الهزيمة في فيتنام لكنه لم يكن من بدأ الحرب. ومع ذلك، سبب سقوطه كان مكيدته المنحرفة في سياق الهزيمة في فيتنام. هل سيتم عزل جورج بوش؟ هذا أمر مشكوك فيه. لكن مكيدته أضخم بكثير من تلك التي قام بها <<ديك المخادع>> (ديك تشيني)، وسيحكم عليه التاريخ (والشعب الأميركي) بقساوة أكبر. في هذا الوقت، يموت العراقيون والأميركيون ويشوهون كل يوم، ولن يخرج شيء جيد من حالات الموت هذه.
ترجمة إيلي شلهوب
(
) أستاذ الدراسات المتقدمة في جامعة يال تنشر <<السفير>> النص بالاتفاق مع الكاتب.