حين تصبح السياسة بديلاً عن <<التّياسة>>

فهمي هويدي- السفير

 

 

إذا كان <<آخرنا>> يتوقف عند التنديد بالإرهاب واستمطار اللعنات على الإرهابيين ووصفهم بما يستحقون من مفردات الهجاء ومصطلحاته، فنحن لا ندفن رؤوسنا في الرمال فحسب، وإنما نصبح أيضاً بوقاً يردد خطاب الإدارة الأميركية، الذي لا يريد أن يتقدم خطوة أبعد من ذلك. في حين أننا في اللحظة الراهنة أشد ما نكون حاجة لان نختبر تلك المحاولة.
أدري أن أي كلام في الموضوع لن يؤخذ على محمل الجد إلا إذا بدأ بالتنديد والإنكار، لتلك الجرائم الأخيرة التي وقعت في لندن وبغداد، لكن سؤالي هو: هل ينتهي الأمر عند هذا الحد أم لا؟ وهو سؤال ليس استفهامياً في حقيقة الأمر، وإنما هو إلى الاستنكار أقرب، لأنني لا أتصور أن نتعامل مع مشهد بتلك الخطورة مستخدمين حناجرنا فقط ولاغين عقولنا أو مغلقينها. بكلام آخر، لا ريب أننا ينبغي أن نستهجن ونستهول ما جرى، ولكن يجب أيضاً أن نفكر فيه ونحاول أن نفهمه. بل انني أذهب إلى أبعد من ذلك، داعياً إلى رد الاعتبار للسياسة في الموضوع، وان نخلصها من الاختطاف الذي مارسه بحقها الأصوليون المهووسون، سواء كانوا في واشنطن أو في تورا بورا.
إن ثمة جهداً سياسياً وإعلامياً أميركياً بالدرجة الأولى يسعى بمختلف السبل إلى تكثيف الضوء وتوجيه كل الانتباه إلى الحوادث التي وقعت في لندن وبغداد، تحديداً تفجيرات العاصمة البريطانية واختطاف السفير المصري وقتله. ومن ثم صرف الانتباه عن الأجواء التي استدعت تلك الممارسات واستنبتتها. وهو سعي أريد به محاصرة الوعي العام وإشغاله بسؤال واحد هو: كيف يمكن القضاء على الإرهاب وملاحقته في مظانه؟
هذا <<الملعوب>> مورس في الحالة الفلسطينية، حيث نجح الإعلام الإسرائيلي والأميركي تبعا في اختزال المشهد الفلسطيني في العمليات الاستشهادية (التي يسمونها انتحارية)، حتى بات الواحد منا يبذل مجهوداً حين يلتقي من يقصده من الصحافيين والباحثين الغربيين، لإقناعهم بأن ثمة <<قضية>> في خلفية هذه الأحداث، وان العمليات الاستشهادية لم تظهر إلا في التسعينيات، بعد حوالى نصف قرن من اغتصاب فلسطين. ومن ثم فإنها كانت رد فعل فرضته ضرورات الظرف التاريخي، ولم تكن فعلاً بادر إليه الفلسطينيون من جانبهم.
أنبه إلى ضرورة التفرقة بين نبل الهدف الذي تسعى إليه عناصر المقاومة الفلسطينية حينما اضطرت للجوء إلى العمليات الاستشهادية، وبين الجرائم التي ترتكبها تلك المجموعات التي شوهت مفهوم الجهاد، من جراء الأخطاء الجسيمة التي ترتكبها في التحليل وفي اختيار الأهداف وفي الوسائل التي تلجأ إليها. وأزعم أن التشابه بين المشهدين قائم في الخلفية ليس أكثر.
تتسع الآن دائرة السياسيين والمعلقين الذين أصبحوا يقولون صراحة بأن الحملة الأميركية العالمية ضد الإرهاب أدت إلى تعميمه وعولمته. وهو ما عبر عنه كوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة حين قال إن العالم الآن أصبح أقل أماناً عن ذي قبل. المعنى ذاته رددته كتابات بلا حصر في الصحف الأميركية والبريطانية، الأمر الذي يحمّل غلاة الإدارة الأميركية قدراً من المسؤولية عن زيادة معدلات العمليات الإرهابية. وهي الحقيقة التي تصر واشنطن على إنكارها وإخفائها، عن طريق توجيه حملات دعائية مضادة تحاول إقناع الرأي العام الأميركي بوجه أخص بأن <<الإرهاب يلفظ أنفاسه الأخيرة>>، وكان وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد قد أعلن ذلك صراحة قبل ثلاثة أسابيع.
والأمر كذلك، ينبغي إذا أردنا أن نتحرى خلفية المشهد الراهن أن نقر بثلاثة أمور هي:
أن الولايات المتحدة أعلنتها حرباً عالمية مفتوحة ضد الإرهاب، دون أن تحدد لمعركتها مكاناً أو زماناً، وذهبت في ذلك إلى حد تبني سياسة <<الضربات الاستباقية>>، التي بمقتضاها سوغت لنفسها قصف أي موقع في الكرة الأرضية بحجة إجهاض العمليات الإرهابية. حين فعلت الإدارة الأميركية ذلك، فإنها وفّرت للمجموعات الإرهابية والمتطرفة حجة للجوء إلى رد فعل على المستوى ذاته. إذ طالما أن واشنطن أرادتها حرباً مفتوحة بلا قيد أو شرط، فإن ذلك دفع تلك المجموعات إلى استباحة التصرف ضدها، هي وحلفاؤها، أيضاً من دون قيد أو شرط.
أن الاحتلال الأميركي للعراق وأفغانستان حوّل البلدين إلى معامل لتفريخ الجماعات الإرهابية، وهو تفريخ أضفت إليه الممارسات الأميركية البالغة القسوة والمهانة في أبو غريب وغوانتانامو جرعات منشطة للغاية. ولا تنس في هذا السياق المساندة الأميركية للعمليات الوحشية الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، وأثرها في تعميق السخط والنقمة.
أن شدة تركيز السياسة الأميركية على <<القاعدة>>، وتحميلها المسؤولية عن كل ما يحدث في الكرة الأرضية من عنف، مع التجاهل التام للأخطاء الفاحشة في السياسة الأميركية، حوّلت القاعدة من تنظيم إلى منهج، كما قيل بحق. بمعنى أننا لا نتصور أن تنظيم القاعدة الذي تقوده مجموعة مختفية في كهوف أفغانستان، يملك تلك الأذرع المنتشرة في مختلف أنحاء العالم، ولكن تنامي موجة العداء للسياسة الأميركية في أنحاء العالم، من شأنه أن يشجع أي مجموعة رافضة لتلك السياسة على القيام بأعمال عنف ضد واشنطن وحلفائها، خصوصاً أن الوسائل اللازمة لذلك باتت ميسورة وموزعة بالمجان على الجميع عبر شبكة <<الإنترنت>>.
لقد أصبحت عبارة <<فشل الحملة العالمية ضد الإرهاب>> تتكرر كثيراً في كتابات ناقدي سياسة الرئيس بوش، بين الكتاب والسياسيين الأميركيين أنفسهم، بل بين بعض أعضاء الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس الأميركي. وهذه اللهجة تزايدت في الآونة الأخيرة، مع تزايد الهجمات في العراق، التي استصحبت ارتفاعاً في خسائر الأميركيين، واستدعت ضخ مليارات جديدة للإنفاق العسكري، وأدت في النهاية إلى تراجع تأييد سياسة الرئيس بوش بين الأميركيين، حيث وصلت نسبة معارضيه إلى 52%، وهي نسبة لم تتحقق خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
حين هممت بكتابة هذه المقالة، سجلت في أوراقي التحضيرية الملاحظة التالية: هذه بدورها برقية لم ترسل من واشنطن. إذ لولا الملامة لبعث بها الرئيس بوش إلى أسامة بن لادن، يشكره فيها على جهود <<رجاله>> التي قوت من موقفه في مواجهة معارضيه بالكونغرس، وعززت من أهمية استمرار حملته ضد الإرهاب. ولربما خطر له ذلك، لكي يرد على برقية سابقة لم يرسلها بن لادن إلى الرئيس الأميركي، لأنه بحربه تلك سوغ لبن لادن وجماعته أن يروجوا لمشروعهم وينشطوا خلاياهم في الخارج، بعدما كسدت سوقهم في أفغانستان!
لست صاحب الفكرة في حقيقة الأمر، حيث جهدي لا يتجاوز صياغتها فقط، فقد سبقني في التعبير عنها منير شفيق، الكاتب والمحلل الاستراتيجي الفلسطيني، الذي نشرت له صحيفة <<الحياة>> اللندنية (في 13/9/2004) مقالة تحت عنوان: ثلاث سنوات وبوش وبن لادن يتبادلان <<الجميل>>. كانت خلاصتها أن أحداث 11 سبتمبر 2001 كانت هدية ثمينة أهداها بن لادن للرئيس بوش.
لو قدر لمنير شفيق أن ينشر مقالته هذه الأيام لأضاف أن بن لادن لم يقصر في تقديم خدماته لبوش في العام الرابع، إذ بعدما تزايد النقد لسياسته بين أعضاء حزبه، حتى قدم بعضهم اقتراحاً إلى الكونغرس يدعو إلى وضع جدول زمني للانسحاب من العراق، وبعد أن هبطت شعبية الرئيس الأميركي واستهجن الناس سياسته بنسبة غير مسبوقة، في هذا التوقيت هبط عليه طوق النجاة بتفجيرات لندن، التي أعادت إلى أذهان الأميركيين على الفور شعور الخوف والخطر، ورفعت درجة التأهب إلى اللون البرتقالي، الأمر الذي من شأنه أن يعيد توحيد الصف والاحتشاد وراء الرئيس بوش مرة أخرى، لكي يواصل معركته ضد ذلك الشبح المخيف.
في أوائل شهر يوليو الحالي نشرت <<صنداي تايمز>> البريطانية خبراً عن اتصالات بدأت بين الأميركيين وبعض عناصر المقاومة المسلحة في العراق. وهو خبر لم تنفه الإدارة الأميركية، وأيده وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، بل دخلت في تفاصيله الصحافة الأميركية، التي فرق بعضها بين مقاومة تحريرية (وطنية) وأخرى جهادية (إسلامية)، وقالت إن التفاوض يجري مع الأولين دون الأخيرين. وبطبيعة الحال فإن الأميركيين ما كان لهم أن يخوضوا في مغامرة من ذلك القبيل إلا تحت ضغط تزايد خسائرهم، وتراجع التأييد الشعبي لهم، وإدراكهم أنهم خسروا الحرب في العراق من الناحية العملية، وأن المأزق العراقي بسبيله إلى توريطهم في استعادة تجربتهم المرة في فيتنام.
إذا صح خبر التفاوض، وأغلب الظن أنه صحيح رغم نفي السلطات العراقية له، فإنه يغدو إيذاناً بانتقال الأميركيين من مرحلة العناد <<التياسة>> إلى مرحلة السياسة (في العراق فقط!). وأياً كانت ملابسات الضرورة التي فرضت عليهم التخلي ولو مؤقتاً عن نهج <<التياسة>>، فالشاهد أن ما حصل من تفاوض أعاد الاعتبار للسياسة، ولو مؤقتاً. هذه البادرة تستدعي السؤال التالي: هل يمكن التفكير في طرق باب آخر لوقف شلال الدم، يتمثل في محاولة التفاوض مع القيادات المعروفة على الأقل بين الجماعات الإرهابية، بدلاً من التمسك بمنطق إرهاب الإرهاب؟
لاحظت أن السؤال طرح مرتين على صفحات <<الحياة>> اللندنية في العام الماضي، ثم أسدل عليه ستار من الصمت بعد ذلك. مرة في 10/9، في مقالة كتبها باتريك سيل الصحافي البريطاني المتخصص في الشرق الأوسط، كان عنوانها: رفض التفاوض مع الإرهابيين. والمقالة الثانية نشرت في 12/9 للكاتب السوداني ياسين الحاج صالح، وكان عنوانها <<ما العمل إن لم يكن لمفاوضة الطالبان ومقاتلي الشيشان بديل؟>>.
بطبيعة الحال فإن الكاتبين انطلقا من رفض الإرهاب واستهجانه، لكن باتريك سيل مثلاً انتقد في الوقت ذاته المقاربة العنيدة التي يعتبرها بوش وبوتين (في الحالة الشيشانية) وشارون، ثم تساءل: ألم يحن الوقت لكي يتبنى الزعماء السياسيون في تلك البلدان مقاربة جديدة؟ أليس الأجدر بهم أن يسعوا إلى التفاوض السياسي مع خصومهم مبتدئين بإعلان هدنة مشتركة؟ المعنى ذاته عبر عنه ياسين الحاج صالح حين قال إن الحرب ليست استمراراً للسياسة بوسائل أخرى كما قيل، وإنما هي بديل عن السياسة. والإرهاب في حقيقته يعد توسعاً ثقافياً على حساب السياسة، أو احتلال الثقافة لأرض السياسة وإزالة نصابها ومصادرة استقلالها. وإذا صح ذلك، فإن المقاومة الناجعة للإرهاب تمر بصورة محتومة عبر إعمار السياسة، والاستثمار المادي والفكري في قيام نصاب لها مستقل.
أذكّر في الختام بأمرين، الأول أنني ناقل لهذا الكلام ولست متبنياً له بالكامل، لأنني أحسب انه يحتاج إلى كثير من الضبط. والثاني أنني أستثني الحالة الإسرائيلية منه لان الاحتلال الذي تمارسه له طبيعة عنصرية واستيطانية، نادراً ما تتوافر في أي صراع آخر. ناهيك عن أن السياسة جربت فيه وتبين أنها في ظل الخلل في ميزان القوة كانت سبيلاً إلى تكريس الاحتلال لا التخلص منه.
(
) كاتب مصري