نقاش مصري دائم يحضر أحياناً في لبنان رفضاً للتمويل الأجنبي للجمعيات  

عمر السباخي - أشرف البيومي

تساؤلات عن التمويل الاجنبي

اصبحت قضية التمويل الاجنبي للجمعيات الاهلية، ولاسيما منظمات حقوق الانسان في مصر والعالم العربي بل وفي العديد من دول الجنوب، موضوعا ساخنا للحوار. وتبرز اهمية الموضوع عندما يتضح لنا كيف تستغل الادارة الاميركية وحلفاؤها شعارات "حقوق الانسان" و"نشر الديموقراطية" لممارسة المزيد من الضغوط على حكومات "معتدلة" مستغلة اعوجاجها لمزيد من الابتزاز ولفرض مواقف مذلة امام شعوبها، او لازالة حكومات وقيادات منتخبة ديموقراطيا. والامثلة على الممارسة الاخيرة كثيرة ومنها:

- المحاولات الفاشلة لازالة حكومة هوغو شايز الشعبية في فنزويلا عن طريق الانقلابات العسكرية او تشجيع قوى داخلية وتمويلها لاستغلال الدستور من اجل عزله.

- احتلال العراق عام 2003 ومحاولة اخضاع شعبه بارتكاب ابشع الجرائم واكثرها انتهاكا لحقوق الانسان.

- اسقاط القوات الاميركية حاكم هايتي المنتخب ديموقراطيا ارستيد عام 2004، بالتعاون مع فرنسا وكندا، وباستخدام قوى محلية مناهضة للديموقراطية، بل وافراد معروفين بانتهاكهم الصارخ لحقوق الانسان، وبالتضامن مع رجال اعمال اميركيين...

وكل ذلك يتم تحت شعارات التحرير والبناء ونشر الديموقراطية.

كيف يمكن اذا ان يصدق عاقل ان الادارة الاميركية يمكن ان تمول منظمات من اجل الديموقراطية وحماية حقوق الانسان؟ وكيف يمكن ان نتصور ان الاتحاد الاوروبي صادق في دفاعه عن هذه الحقوق، حين يصمت ازاء الجرائم البشعة التي ترتكبتها حليفته اسرائيل كل يوم؟ اليس من المنطق ان يكون هناك موقف فعال وواضح ازاء هذه الجرائم قبل التشدق بنشر الديموقراطية واحترام حقوق الانسان؟ وكيف نفسر التمويل الاوروبي لهذه الاهداف النبيلة الا بكونه توزيع ادوار لتحقيق الاهداف نفسها، وإن بأسلوب اكثر ذكاء واقل فجاجة؟

لقد تعرضت جمعيتنا لاغراء التمويل الاجنبي في فترة مبكرة من نشأتها في منتصف السبعينات، لكنها رفضته في حسم واصرار. وكلما طرح الموضوع اعاد مجلس ادارة الجمعية نقاشه بموضوعية وجدية، وانتهى دائما الى رفض التمويل الأجنبي اياً كانت مصادره. والامر بالنسبة الينا ليس مسألة انغلاق فكري، خصوصا ان الذين يحذرون من مغبة التمويل الاجنبي ويرفضونه هم في الوقت نفسه من دعاة التحالف مع كل القوى الشعبية العربية والدولية المناهضة للهيمنة والعنصرية والداعية الى احترام حقوق الانسان في فلسطين والعراق ومصر واميركا ذاتها وفي كل مكان. كما ان المسألة ليست مجرد التشبث بموقف مبدئي، رغم اهمية ذلك.

لقد استند رفضنا للتمويل (رغم حاجاتنا الملحة الى الدعم المالي) الى اسباب منطقية في بداية الامر، ثم دعمته حقائق موضوعية ونتائج عملية متراكمة. وكل ذلك اكد صحة موقف الجمعية الرافض التمويل الاجنبي، والاصرار على الطريق الصعب والصحيح في الاعتماد على التمويل الاهلي (رغم محدوديته بسبب حصار اجهزة الامن). وقبل ان نوجز حيثيات رفضنا التمويل الاجنبي نرى من الضروري ان نبحث قليلا في منهج معالجة القضية التي نحن بصددها.

فعلى سبيل المثال، هل نتناول المسألة جزئيا بأن نشير الى عنت الحكومات التي تضع كل العقبات امام عمل اهلي حقيقي، لكي نخرج بنتيجة مريحة وهي انه لا سبيل الا التمويل الاجنبي من ديناميكية تؤدي الى التبعية للقوى الممولة الآن او لاحقا، ناهيك عن الخضوع لبرنامج اولوياتها الذي قد يتناقض مع اهدافنا تماما، حتى وإن تلاقت الاهداف الجزئية شكليا؟

ليس من المهم الاخذ في الحسبان دور المنظمات الممولة في احتواء بعض المثقفين الوطنيين، وما يؤدي اليه ذلك من تفتيت لأي نواة تجمعهم؟ اليس جليا ان القيادات التي تبرز على الساحة من خلال التمويل الاجنبي تختلف في نوعيتها عن تلك التي تظهر من خلال العمل الاهلي التطوعي؟ الا يمثل هذا اختراقا حقيقيا للمجتمع وقلبا للاوضاع الصحيحة، حيث تبرز القيادات الملتصقة بالجماهير من خلال العمل التطوعي الاهلي لا العمل المدفوع الاجر اجنبيا؟ ومن الذي يقيم فائدة التمويل الاجنبي لمنظمة ما ومساوئه؟

وهل يمكن قادة هذه المنظمات ان يقوموا بذلك، ام ان هناك تناقضا صارخا في المصلحة؟ وهل صحيح ان هناك تباينا اساسيا بين اهداف الجهات الممولة المختلفة، مثلا بين التمويل الاميركي والاوروبي؟

اسباب موضوعية للرفض!

انه من السهل ان يتهم من يثير مثل هذه التساؤلات بالفكر التآمري، وذلك لتتفيه المواقف ونبذها وللهروب من البحث في هذه التساؤلات. القضية ليست مسألة متعلقة بأمانة الذين يحصلون على التمويل، ولا بمدى نفوذ ونوعية قيادات المنظمات الممولة، ولا حتى ببعض الفوائد الظاهرة والمباشرة المتعلقة بنشاط هذه المنظمات، ولا ايضا بمقاربة الجهات الممولة بعضها ببعض من اجل تفضيل هذه على تلك.

انها مسألة مرتبطة بمدى الاضرار بالمجتمع من قبل قوى تسعى الى الهيمنة عليه من خلال تبني منظمات تابعة لها (على الاقل من حيث التمويل والبرامج) ومن طريق اضعاف العمل الاهلي الوطني المستقل. وهنا تلتقي القوى المهيمنة المحلية مع قوى الهيمنة الاجنبية في هذا الهدف، ولكنها تتخلف بشدة مع الاخيرة في محاولاتها اضعاف الدولة وارغامها على قبول هذه المنظمات، كما حدث اخيرا مع اشراك بعضها في المجلس القومي لحقوق الانسان الذي شكلته الحكومة المصرية.

ان تبني قضايا مهمة وجذابة مثل حقوق الانسان والتمييز الطائفي، وحماية حقوق مجموعات عرقية مثل النوبيين، وحقوق المرأة وحقوق الطفل... من اجل النفاذ الى المجتمعات لتحقيق اهداف سياسية او اقتصادية او اجتماعية، قد اثبت نجاحه وفاعليته ولطالما استخدمه المستعمر سابقا، ويستخدمه الامبرياليون الجدد بكفاية عالية، بالتعاون مع الليبراليين المحليين الذين يطلق عليهم احيانا "المارينز العرب". ويستطيع القارىء ان يراجع على سبيل المثال تاريخ الصندوق القومي (الاميركي) للديموقراطية كما جاء على موقع الصندوق نفسه www.NED.orf والذي سننقل منه ترجمة بعض المقتطفات في آخر هذا المقال.

ان الاسباب الموضوعية لرفضنا التمويل الاجبني هي الاسباب عينها التي جعلتنا نحذر من مغبة ما يسمى "المعونة الاميركية" الملتصقة باتفاقات "كمب ديفيد" منذ ربع قرن، وها نحن نجني ثمار هذه السياسة الحمقاء تراجعا شديدا لاستقلالنا الاقتصادي والسياسي والامني، ومعاناة معيشية للسواد الاعظم من الشعب المصري في حين جنت قلة ثروات طائلة وهربت اموالا كبيرة الى الخارج.

ومن المستغرب ان يسوق دعاة التمويل الاجنبي اعتماد الدولة على المعونة الاجنبية لتبرير حصولهم على التمويل الاجنبي. فمن البديهيات ان من له السيطرة المالية واليد العليا في تمويل المنظمة هو الذي سيفرض أولوياته وأجندته على نشاطها، مهما كان دهاء القائمين على تلك المنظمة وحسن نياتهم. وقد لا يكون ذلك بصورةمباشرة آنية او بدرجة كاملة، وإنما سيجيء الوقت الذي تصبح فيه أجندة الطرف المموّل في قائمة نشاط المنظمة. وبذلك تضيع القضايا الملحة التي ينبغي أن يدور حولها نشاط المنظمة، وتتصدّر النشاط أولويات هامشية بل ربما يتحول النشاط إسقاطاً من مجتمعات اخرى ذات ظروف او خصوصيات مختلفة.

وقد ظهر هذا الخطر جلياً في نشاط بعض جمعيات حقوق الانسان المموّلة أجنبياً، اذ اقحمت على المجتمع قضايا تعتبرها المجتمعات المموّلة مهمة، بعكس مجتمعاتنا، مثل حقوق المثليين. كما أنها تناولت قضايا اخرى لا شك في أهميتها مثل حقوق المرأة، ولكن من منظار ضيّق اختزالي، بدلاً من اعتبارها جزءاً من قضية مجتمع يعاني كل أفراده من انتهاكات خطيرة لحقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. إن خطورة هذا المنهج تكمن في تفتيت قضايا المجتمع بعيداً عن المعالجة الشاملة، وبذلك تغيب جوانب اساسية مثل المسار الاقتصادي او نهج التبعية لقوى الهيمنة الاجنبية. كما تكمن في تشتيت جهود المهتمين بالعمل العام، ومنع بلورة الكتلة الحرجة اللازمة لقيادة تغيير حقيقي.

والاخطر من ذلك أن بعض المنظمات المموّلة اجنبياً انصاع الى توجيهات اجنبية، فشجب العمليات الاستشهادية واعتبرها انتهاكاً لحق من حقوق الانسان. بل وحاولت بعض هذه المنظمات تعويق مساواة الصهيونية بالعنصرية في مؤتمر ديربان عام 2002. وهذا يفضح بعض أهداف هذه المنظمات وأولوياتها. كما أن بعض قادة المنظمات الممولة أجنبياً سمحوا لأنفسهم بأن يكونوا أداة دعائية في يد مسؤولين في الادارة الاميركية التي تنتهك حقوق الانسان في العراق كل يوم وفضائح أبو غريب ما زالت ماثلة في الاذهان.

ولا بد أن نشير ايضاً الى أن التمويل الاجنبي الذي لا يتميز بالشفافية او المحاسبة المالية الجادة يفتح المجال للانحراف المالي. فضلاً عن أنه يتيح الفرصة للاجتذاب المالي لشخصيات معروفة بصفتهم مستشارين وغير ذلك، والى دعوة اعداد أكبر لحضور مؤتمرات عامة يسعى اليها البعض بدعوى الوجود "على الساحة" وبذلك يُعطي التمويل الاجنبي صدقية زائفة لهذه المنظمات.

ثم إن أحد أهداف العمل الاهلي هو بناء القدرة الذاتية للجمعيات، وأن تكون قوة هذه الجمعيات مستمدة من اعضائها ومن صدقيتها ومواقفها المبدئية. هكذا يعتاد الناس العمل الجماعي الاهلي الذي يؤدي الى توليد ثقة الناس بأنفسهم، فيتواصل عطاؤهم وتتراكم خبراتهم ويصبحون قوة فعالة في المجتمع، فيعتدل الميزان ولا تجوز السلطة على حقوق الشعب. إن دور الديموقراطية الحقيقية هو المشاركة في القرارات، والشفافية، والتوازن بين كل القوى، والمراقبة الشعبية، وضمان حرية الجميع وحقوقهم دون أي استثناء، واختيار الشعب قياداته بحرية على كل المستويات.

إن من نتائج الديموقراطية الاصيلة واهدافها التفعيل الاقصى لكل قوى المجتمع وكل طاقاته. ومن ثم فإن أحد التساؤلات المهمة هو: هل يحقّق التمويل الاجنبي هذه الاهداف أم يعوّقها او يساهم في إجهاضها؟ اننا نرى أن التمويل الجاهز من جهات اجنبية يجعل المشاركة الاهلية غير ضرورية، بل تصبح الاولوية للعمل الدعائي والنشاطات الشكلية بهدف ملء التقارير لضمان استمرار التمويل. وهذا لا يعني أن المنظمات التي تتلقى التمويل ليست لها بعض الايجابيات، ولكن هذه الايجابيات تتضاءل أمام السلبيات والمخاطر التي أشرنا اليها.

الصندوق القومي للديموقراطية: مقتطفات

والآن نعطي بعض المقتطفات من موقع "الصندوق القومي (الاميركي) للديموقراطية" NED دون أي تعليق، علماً بأن هناك معلومات بدأت تتراكم في هذا الصدد سنحاول جمعها حتى يكون من الحقائق في متناول الجميع.

"... بعد الحرب العالمية الثانية، واجهنا تهديدات لحلفائنا من الدول الديموقراطية، فلجأنا الى طرق مقنّعة وذلك بأن أرسلنا سراً - مستشارين وأجهزة وتمويلاً لدعم صحف وأحزاب تحت الحصار في اوروبا. وعندما عُرف في الستينات أن بعض المنظمات الخاصة الاميركية تحصل على تمويل سري من المخابرات المركزية الاميركية لشن حملات فكرية في المحافل الدولية، قرّرت ادارة الرئيس جونسون إنهاء هذا التمويل، وأوصت بإنشاء آلية خاصة وعلنية لتمويل نشاطات ما وراء البحار... وفي عهد الرئيس كارتر اصبح الاهتمام بحقوق الانسان محورياً في السياسة الخارجية الاميركية... وفي نهاية السبعينات اقترح... انشاء منظمة غير حكومية شبه مستقلة هدفها نشر حقوق الانسان، وانشاء مؤسسة حقوق الانسان والحرية لتقديم المعونة المالية والتقنية للمنظمات غير الحكومية في الخارج، مثل مؤسسات الـStiftungen الملحقة بالاحزاب الالمانية... وفي عام 1979، في عهد الرئيس ريغان، أُنشئت المؤسسة الاميركية السياسية لنشر الديموقراطية في العالم... واقتُرح انشاء الـNED لتمويل ونشر الديموقراطية في العالم ورُصد حوالى 31 مليون دولار لهذا الغرض، وكان التنسيق مع وزارة الخارجية والوكالة الاميركية للتنمية البشرية ومن أهدافها تشجيع تنمية الديموقراطية بالتناسق مع مصالح اميركا والمجموعات التي تحصل على المعونة. وقد زوّد الكونغرس الاميركي تمويلاً خاصاً للـNED للقيام بمبادرات ديموقراطية، بما في ذلك في بولندا من طريق منظمة التضامن العمالية Trade Union Solidarity وتشيلي ونيكاراغوا... وشرق اوروبا للمساعدة في المرحلة الانتقالية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وفي بورما وجنوب افريقيا والصين والتيبت وشمال كوريا والبلقان... وبعد ذلك قامت الـNED بمعونة عدد من المجموعات المدنية، بما في ذلك تلك التي لعبت دوراً اساسياً في الانقلاب الانتخابي في خريف 2000. واخيراً، بعد 11 ايلول رُصد تمويل خاص للدول التي تحتوي كثافة سكانية مسلمة في الشرق الاوسط وافريقيا وآسيا...".

خاتمة: دور الحكومة

لكل هذه الاسباب مجتمعة، فان "جمعية انصار حقوق الانسان بالاسكندرية" ترفض أي تمويل أجنبي، وتضع العبء الاكبر في هذا الموضوع على الحكومة لا على المتلقين للتمويل الاجنبي وحدهم. فوزارة الشؤون الاجتماعية تستطيع بسهولة منح اعانات مناسبة للجمعيات الاهلية من موازنة الدولة التي يساهم في ايراداتها دافعو الضرائب من الشعب، دون أي شروط او قيود سوى المراقبة المالية لضمان الشفافية والامانة.

(الاسكندرية)

عمر السباخي - أشرف البيومي