قلب العروبة النابض عند المفترق -جورج حداد      الحياة     - 11/07/05//

 

 

منذ وقت بعيد، أطلقت على سورية تسمية قلب العروبة النابض التي كانت تحمل شحنة وجدانية قومية، لسببين رئيسين: الاول: التضحيات الكبرى التي قدمها الشعب السوري من اجل قضية التحرر والتقدم والوحدة.

الثاني: التجربة السياسية الغنية، التي كانت تجعل من سورية مرجلاً حقيقياً للتيارات والحركات الفكرية والسياسية والدينية، والحياة الحزبية النشيطة.

وبطبيعة الحال لم يكن، وليس الآن، لهذه التسمية أي علاقة من قريب او بعيد بأمراض التزلف والنفاق والنفعية والارتزاق والزحفطونية، السياسية والمافيوية والشخصية، التي انتشرت في ما بعد حيال السلطة السورية، خصوصاً، او بشكل شبه حصري، في لبنان، وهي الأمراض التي لا تقل إضرارا بالدور القومي لسورية، وبقضية الاخوة السورية - اللبنانية، عن مركّبات النقص المعادية لسورية، التي هي مظهر من مظاهر العداء لعروبة لبنان.

هذا التوصيف القديم الذي اكتسبته سورية، لم يكن موجهاً بأي دافع انتهازي، الى أي نظام حكم سوري، بل الى الشعب العربي السوري، بكل تياراته ومثقفيه وأحزابه ونقاباته وطوائفه وحركاته النضالية التجديدية، بما فيها حزب البعث العربي الاشتراكي، حينما كان حزباً مناضلاً خارج السلطة، وقبل ان يصبح حزباً حاكماً. لكن، غداة التحرر من الاستعمار التقليدي والانظمة شبه الاقطاعية، ووصول القوى الوطنية والتقدمية الى السلطة، وبداية النزاعات والصراعات العقيمة في ما بينها، أخذ ضباب الحساسيات يحيط بالموقف القومي الوجداني السابق من سورية.

مع ذلك، فإن تسمية قلب العروبة النابض احتفظت بأهميتها، ولكن، بمعنى عملي وعقلاني، لا معنوي أو وجداني. فطوال 60 سنة، منذ استقلالها، مرت سورية بتجارب سياسية واجتماعية واقتصادية وعسكرية، وطنية وقومية، على درجة كبيرة من التنوع والتعقيد، جعلت منها، ربما، أغنى مختبر سياسي عربي، مما كان وسيكون له، وللدروس المستخلصة منه، بشكل مباشر وغير مباشر، انعكاسات وتأثيرات عميقة في المشرق العربي خاصة، والوطن العربي عامة.

فخلال هذه المدة الطويلة اختبرت سورية: التعددية الديموقراطية، والديكتاتورية الفردية، والتأميم والاصلاح الزراعي والتعاونيات، والحركة النقابية والفلاحية الناشطة، والوحدة والانفصال، وخوض جميع الحروب مباشرة مع اسرائيل، واستراتيجية الحرب الشعبية بـ طبعاتها العربية (مباشرة حتى 1970، وغير مباشرة بعد ذلك عبر دعم المقاومة الفلسطينية واللبنانية ضد اسرائيل، وحزب العمال الكردستاني ضد النظام التركي)، وستراتيجية الحرب النظامية، وعشرات الانقلابات العسكرية والحزبية التي استمرت اكثر من عقدين من الزمن، ثم تحقيق الاستقرار السياسي القائم على محور الزعامة الفردية لأكثر من ثلاثة عقود كاملة، وغير ذلك من التجارب.

ولا بد من التوقف بشكل خاص عند تجربة الحكم الفردي - العسكري - الحزبي، التي مرت بها سورية في عهد الرئيس الراحل حافظ الاسد.

هناك نظرتان متعارضتان الى هذه المرحلة:

فالبعض يرى أنها تميزت، على العموم، وعلى رغم السلبيات الثانوية التي لا تخلو منها أي مرحلة تاريخية، بوحدة الارادة الاستراتيجية الضرورية، وبالاستقرار الداخلي، والنجاح في بناء دولة متماسكة وقوية نسبيا، ذات نفوذ قومي واقليمي ودولي لم تتمتع به سورية من قبل، وهو ما كان يظهر بوضوح، على اكثر من صعيد.

والبعض الآخر يرى ان ذلك لم يتم الا بثمن تاريخي باهظ، هو تجويف هذه الدولة وتزييـف غائيتها، وجعلها أشبه بعملاق من خزف، يجيد مراوغة الاعداء، ولكنه لا يستقوي الا على شعبه، وهو ما يظهر في تكبيل المجتمع المدني وتعطيله، وعَـقـْم الحياة السياسية والثقافية والنقابية الحرة، وتسييد ثالوث الديماغوجية والارهاب والفساد، والتآمر المكتوم لهذا الثالوث على الزعيم - الرمز ذاته، بصرف النظر عن ارادته ونواياه، بتحويل الهالة التي أحيط بها الى غطاء لجميع ارتكابات ذلك الثالوث، بحيث اختفت سمات الفعل الديناميكي والارادة الذاتية الحرة التي كانت تميز المجتمع السوري، كي تحل محلها سمات جديدة تتمحور حول عناصر الصمت والشك والقهر والخوف العام المتبادل، والإذعان ونشدان السلامة، وتدبير الحال كيفما كان، بما يشبه نهاية التاريخ بالنسبة إلى الحياة السياسية في سورية.

لكن أيا من هاتين النظرتين، بكل ما فيهما من معطيات واقعية، لا تستطيع اختزال التجربة السورية: فـ الدولة القوية التي بنيت في المرحلة السابقة، انما قامت على قاعدة استراتيجية اساسية هي التوازن الاستراتيجي مع اسرائيل، لتحرير الجولان والاراضي العربية المحتلة الاخرى، بكل ما اقتضته هذه الاستراتيجية من اخضاع لمجمل الحياة السياسية والاقتصادية للبلاد، داخلياً، ومن أطروحات وممارسات سياسية وعسكرية وامنية، خارجياً، وخصوصاً في العلاقات الإملائية مع مختلف الاطراف المعنية، لا سيما لبنان والفلسطينيين. وقد آلت هذه الستراتيجية الى الفشل الموضوعي والذاتي. ولم يبق منها سوى دعم، مجرد دعم، المقاومة الوطنية والاسلامية، اللبنانية والفلسطينية. وفي لبنان تحديداً فإن هذه الاستراتيجية تقلصت، منذ تحرير الجنوب والبقاع الغربي في أيار (مايو) 2000، الى حدود دعم المقاومة لأجل تحرير مزارع شبعا. ولكن ألعبانية النظام السوري لم تصل الى حدود المغامرة بتقديم الاوراق الثبوتية الضرورية للامم المتحدة، لتأكيد لبنانية المزارع، من اجل تأكيد مشروعية المقاومة اللبنانية فيها. أما بالنسبة إلى الجولان، فلم يعد يوجد منذ سنين طويلة لاستراتيجية حرب نظامية، ولا مقاومة شعبية سورية لتحريره، واصبح مصير الجولان معلقاً بإرادة اسرائيل واميركا، من جهة، وبمفاوضات الخدعة الذاتية العربية المسماة السلام العادل والشامل، من جهة ثانية. وبذلك انهار تماماً منطق الدولة القوية وتوازناتها الاستراتيجية، بالمدلولات والمفاعيل العسكرية والسياسية والاقتصادية معاً، وما ارتبط بها من التضحيات الجمة والتشوهات، تحت الشعارات الطنانة لهذه الاستراتيجية.

في المقابل، فمن التسطح اعتقاد البعض بأن المرحلة السابقة كانت بمثابة زمن ضائع او بقعة بيضاء في التاريخ السياسي الحقيقي لسورية، بما يشبه النظرة المسطحة الى النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفياتي السابق، بعد انهياره، بوصفه ظاهرة عبثية. بل على العكس تماماً، فإن هذه المرحلة تمثل اغنى تجربة في التاريخ السياسي السوري، ومن أغناها في التاريخ السياسي العربي الحديث برمته. وإن المعارضة السورية، والعربية، ذاتها، للنظام السوري الموروث، أسهمت بشكل فعال، من حيث تدري او لا تدري، في هذه التجربة بطريقتين:

الاولى: عملية النقد النسبي التي كانت تمارسها، والتي لم تكن تغيب عن مركز القرارالرئيس في قيادة النظام، على رغم الانطباعات العكسية التي كانت تخلقها سياسة القمع والارهاب الهادفة، من تلك القيادة، الى احتواء المعارضة والاحتفاظ بـ الوحدة الظاهرية للارادة الوطنية لسورية والقرار السياسي.

والثانية: ان المعارضة لم تستطع، طوال اكثر من 30 سنة كاملة، أن تقدم بديلاً استراتيجياً تاريخياً، بالمعنى الواقعي لا النظري، لاستراتيجية النظام، لا في الشأن الداخلي، ولا - وهنا المحك المفصلي ـ في المواجهة المصيرية مع اسرائيل. فإذا كان النظام تخلى عملياً، مثلاً، عن استراتيجية المقاومة الشعبية لتحرير الجولان، فإن المعارضة لم تخرج عملياً ايضاً من تحت هذا السقف، ولم ترشق اسرائيل بحجر.

ويبدو من ذلك بوضوح ان المعارضة لم تستطع، في احسن الحالات، ان تتجاوز وظيفة الناقد السلبي وعملياً المستشار اللدود للنظام الذي تعارضه. وبالتالي كانت شريكاً موضوعياً، من حيث ارادت أو لم ترد، في تجربة الحكم الفردي والحزبي الواحد في سورية، التي فرضتها ضرورة المرحلة، لجهة العلاقة بين القضايا المطروحة والمستوى التاريخي للقوى السياسية الفاعلة في البلاد، إضافة الى الظروف الاقليمية والدولية التي كانت سائدة، ولا سيما العلاقة الخاصة مع الاتحاد السوفياتي السابق.

ويؤكد موضوعية التجربة السورية السابقة، واهميتها العربية، ان قيادة النظام ذاتها، بدأت تتجه نحو الاصلاح والتغيير، قبل وفاة الرئيس حافظ الاسد. وبدت ملامح ذلك في مؤشرات عدة منها:

- الشروع في مصالحة داخلية تدريجية مع المعارضة. - الشروع التدريجي في طرح القضايا الشائكة علناً. - البدء في مكافحة الفساد المستشري، واستبدال حكومة الزعبي السابقة، وهي العملية التي انكفأت لاحقاً، في الظاهر على الاقل. - تسليم الملف اللبناني لشخصية مدنية كالدكتور بشار الاسد، قبل رئاسته، وبعض مؤشرات التغيير في نمط العلاقة مع لبنان. - التوجه نحو اعادة تنشيط حزب البعث، وفسح هامش حركة اكبر للاحزاب الموالية، وأحزاب المعارضة غير الرسمية. - وأهم هذه الملامح هي تحضير الدكتور بشار الاسد لـ الخلافة. وهو ما نتوقف عنده بشكل خاص.

المعارضة بكل فصائلها لم يكن رد فعلها على هذه بالسلبية التي كان يتوقعها المراقب السطحي. بل على العكس، فقد كان هناك تفهم، مهما كان حذراً ومشروطاً، من هذه العملية. ونشير هنا الى سببين رئيسيين لهذا التفهم حتى من المعارضة ذاتها:

الاول: الهوية المدنية والصفات الشخصية للدكتور بشار الاسد. فهذه الوراثة حملت في طياتها عنصراً مهما، وهو قرار نقل قيادة السلطة، وربما لاحقاً كل السلطة - وعن سابق تصور وتصميم - من العسكريين الى المدنيين. ومن الخطأ، برأينا، الظن ان ذلك تم بمحض الصدفة، لمجرد ان الوريث كان مدنياً.

الثاني: وهو الاهم، ان الوراثة اقترنت باعطاء قرار الاصلاح أبعاداً واسعة. وجاءت التطورات اللاحقة لتؤكد هذا المنحى للاحداث، بصرف النظر عن أي ملابسات كانت.

وتمخضت التجربة السورية عن ظهور خطوط واضحة لحركة اصلاحية فوقية كبيرة، من الممكن ان يكون لها، اذا قدر لها النجاح، او الانحراف والفشل، تأثير ايجابي او سلبي كبير، ليس في الاوضاع السورية فحسب، بل في الاوضاع العربية والاقليمية برمتها. وتبدت هذه الحركة حتى الامس القريب في ثلاثة ميادين رئيسة:

اقتصادياً: الشروع في تحرير الاقتصاد من الهيمنة الاحتكارية البيروقراطية، والتحكم السلطوي الذي فقد مبرراته، ومحاولة ردم الهوة بين الدولة وبين القوى المنتجة، عبر طرح موضوع تحسين الاوضاع المعيشية ومكافحة البطالة، وبينها وبين الرأسمال الوطني الخاص، الهارب الى الخارج او المختبئ في الداخل، والعمل بالتدريج على تحويل السلطة ومراكز القوى فيها من دور مصاص ارباح وفارض خوات ونهاب للاقتصاد، بقطاعيه العام والخاص، الى دور مخطط مساعد ومحرك للاقتصاد.

سياسياً: الشروع في تحرير الحياة السياسية من تسلط الاجهزة، الفكرية والسياسية والبوليسية، التي تتغطى خلف الزعامة الفردية وحكم الحزب الواحد، الذي اصبح هو ذاته رهينة لتلك الاجهزة.

خارجياً: الشروع في تحرير سياسة الدولة من تحكم آلية الترابط بين الحكم الفردي والاجهزة التنفيذية القمعية، التي تجد مصلحتها في احاطة سورية دائما بجو تآمري متوتر في العلاقات بينها وبين مختلف الاطراف، بما فيها الحليفة والشقيقة. والتحول الى جعل المصالح الحقيقية العليا للدولة، هي الاساس الذي تنطلق منه وتخدمه السياسة الخارجية للسلطة، والذي تخضع له التقديرات والاجتهادات الذاتية وحتى الاختلافات مع الاطراف الاخرى، وليس العكس. وكان من بوادر هذا التغيير إعطاء الأذن لشركاء المصير، وبداية تنفيس الاحتقان بين سورية، وكل من لبنان والعراق ومنظمة التحرير الفلسطينية.

ومع اهمية الحركة الاصلاحية التي كان بدأها بشار الاسد، هناك ملاحظتان حولها:

اولا: طرح المبادرات الجديدة من دون أي نقد ذاتي وتقويم لانحرافات واخطاء المرحلة السابقة، وكأن شيئاً لم يكن. وهذا نقص جوهري، يخلق الشكوك حول جدية وصدقية المبادرات القائمة، وامكان استمرارها.

ويذهب بعض المشككين المتفائلين، الى وجود انقسام عضوي في تركيبة النظام القائم، وظهور تدريجي ضعيف ومتردد لكتلة اصلاحية جديدة، يقف على رأسها بشار الاسد ذاته، كان هدفها انقاذ النظام، بقواه الذاتية، عبر الانفتاح التدريجي على المعارضة الوطنية والديموقراطية ونبض الشارع السوري، ومحاصرة وإضعاف ما يسمى الحرس القديم، او الكتلة الصلبة القديمة للنظام، القائمة على ثالوث الديماغوجية والارهاب والفساد. ولكن في مواجهته لأي حركة اصلاحية، فإن الحرس القديم لم ولن يتوانى عن القيام بكل ما من شأنه الدفاع عن مواقعه، ولا سيما عن طريق تشديد القبضة ضد المعارضة، وافتعال الاحداث الامنية ايا كانت، واضعاف وترهيب الكتلة الاصلاحية ذاتها في النظام، عبر جر النظام الى معارك جانبية، الهدف منها اجهاض التوجهات الاصلاحية.

ثانيا: ان السلبيات التي حدثت في الماضي، لم تقتصر على الاخطاء والانحرافات غير المقصودة، او ذات الدوافع السياسية فحسب، بل تجاوزت ذلك - بـ تطنيش العاجز او على رغم قيادة النظام - الى ارتكاب مخالفات خطيرة وشتى ضروب الفساد. فإذا لم تجر المحاسبة المطلوبة، سياسياً - شعبياً، وسلطوياً - قانونياً، وهو ما تقع مسؤوليته بالدرجة الاولى على بقايا التيارات السليمة في فلول (بحسب تعبير الزعيم الوطني وليد جنبلاط) حزب البعث، بما في ذلك جناحه العسكري، واذا بقي المنحرفون والفاسدون والمجرمون يرتعون في مراكزهم، ويفسح لهم الوقت والمجال لترتيب اوضاعهم، وتبييض اموالهم، وتغيير ألوانهم الحربائية كما يليق بأمثالهم، فماذا يمنع ألا يعيدوا تشكيل مراكز القوى في النظام بطريقة يستطيعون معها لاحقا: اما الانقلاب على الحركة الاصلاحية وقيادتها، بمختلف الذرائع والحجج.

واما لغم الحركة الاصلاحية من داخلها، إذ يصبح الفاسدون والمجرمون هم أبوات تلك الحركة، فنكون شهودا لبيريسترويكا سورية، على طريقة البيريسترويكا الغورباتشوفية، ولـ ثورة مخملية جديدة، زهرية او بنفسجية او برتقالية او لازوردية الخ، على طريقة رومانيا وصربيا ودول البلطيق وجورجيا واوكرانيا وقيرغيزيا.

وهذا أخطر ما يمكن مواجهته. إذ قد برهنت تجربة البيريسترويكا الروسية انه لا يوجد حاجز بين الفساد والخيانة الوطنية. وأحضان اسرائيل، وأموال الصهيونية العالمية واميركا، جاهزة تماماً، لا لانعاش والاصلاح الديموقراطي لسورية، كما يعتقد بعض المغفلين، ودعنا من المشبوهين، بل للتسلط الاميركي - الصهيوني المباشر على الشعب السوري، وإذلال قلب العروبة النابض، كما أذلت روسيا العظيمة ذاتها. ومن ثم تسهيل السيطرة على المشرق العربي برمته، عبر السيطرة على سورية.

كاتب لبناني مقيم في بلغاريا.