مؤتمر الميثاق الوطني السوري .. دلالاته ومآلاته

 

علي صدر الدين البيانوني*

 

بعد مضي أربعة أشهر على إنجاز الصيغة الأخيرة (للميثاق الوطني السوري) في مؤتمر لندن المنعقد من   (23- 25 آب 2002) يحسن بالمعنيين بالقضية السورية تقويم هذا الحدث من مختلف وجوهه ومستوياته، لا سيما قيمته الرمزية ومدلولاته، والمصير الذي سوف يؤول إليه.

في غياب الشفافية ووسائل الاستطلاع، لقياس الرأي العام السوري، لا يمكن الركون إلى الانطباعات العامة أو ردود الفعل (المُعلّبة)، لمعرفة الموقع الذي شغله ( الميثاق الوطني ) من مجريات القطر السياسية شعبياً ورسمياً. ولا بدّ من التماس مؤشرات، يتواطأ الإجماع أو شبه الإجماع على الاعتراف بها، ضمناً أو صراحة، سلباً أو إيجاباً، ذلك لأن لكل مناخ سياسي أدوات بحثه.

أول هذه المؤشرات اعتراف الشانئين.. ضمناً، بصدقية التحليل وقوة الخطاب اللذين انطوى عليهما نصّ الميثاق، فانصرفوا عن مواجهتهما، باللجوء إلى محاولة الطعن بالزمان والمكان أو بالموقعين على الميثاق: (من هم؟ ومن يمثلون؟ وماذا يعلمون عن حقيقة الأوضاع الداخلية وهم مغتربون؟) وهي ذرائع مفتعلة، لا تقوى على مبضع النقد المجرد. إن قول الحق المرّ، والاعتراف بالحق – ولو صدر عن طرف مخالف – قيم عالية من قيم ديننا وثقافتنا الوطنية، قبل أن تصير قاعدة من قواعد الديموقراطية الحديثة، يقول الله عز وجل: (ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألاّ تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى)، وفي الحديث الشريف: (الحكمة ضالّة المؤمن، فحيث وجدها، فهو أحق بها) !!

المؤشر الثاني : حجم الجهود الأمنية التي بذلت قبل (المؤتمر) لمنع عقده، وبعده للثأر أو العقاب أو إطفاء تداعياته. فلو لم يكن على قدر من الأهمية، لما استدعى تحرك (الآلة) الأمنية بأقصى طاقتها. فقد صدر توجيه لعدد من الصحف العربية، بعدم التعاطي مع شؤون المؤتمر الوطني السوري: لا سلباً ولا إيجاباً ، وهو  التوجيه نفسه الذي صدر لنخبة من المثقفين والكتاب في دمشق. بل إن أطرافاً وشخصيات سورية، كانت مصممة على حضور المؤتمر ومتحمسة له، قد تم نصحها  والضغط عليها لعدم الحضور، وأخرى تمّ تهديدها بالفصل من التنظيم إن هي حضرت، ومع ذلك فقد حضر بعضها. كما أن عدداً من الموقعين على الميثاق، تعرّض ذووهم داخل القطر، لتهديدات وضغوط بسبب المشاركة أو التوقيع. ومثل ذلك محاولة الأجهزة الأمنية التشويش على الصف (الإخواني) بادّعاء أقوال وتصريحات استنكارية، وطلبات عودة إلى سورية واسترحام، منسوبة إلى بعض المهجرين قسرياً، في توقيتٍ يفضح تلك الدعاوى جملةً وتفصيلاً .

المؤشر الثالث: نجاح المؤتمر الوطني بانعقاده أولاً، وبعمق مداولاته الجادة ثانياً، وبالتوافقات التي انتهى إليها ثالثاً، وبتمثيله الطيف السوري بمعظم تياراته السياسية: من قومية وماركسية وإسلامية ومستقلة، فضلاً عن الصحفيين والأدباء ونشطاء حقوق الإنسان.. رابعاً، إذ كانت هناك مراهنات على وقوع مواجهات فكرية وسياسية، ينتج عنها انفراط العقد وشماتة الشامتين .

هذا في مستوى المنظور أو الملموس، أما ما وراء ذلك من لقاءات على هامش المؤتمر، للتعارف، وتبادل الآراء، والمناقشات الفكرية والسياسية والأدبية، لاسيما جلستي التعارف والسمر الحميمتين، فبعدٌ آخر حضاري أضيف إلى رصيد هذا المؤتمر الوطني، فكان بذلك مؤتمراً حقيقياً للحوار الوطني السوري بعد غياب أو تغييب طويلين.

المؤشر الرابع : ما وصل إلى علمنا من تفاعلات إيجابية مع الميثاق ومؤتمر الحوار الوطني، داخل القطر وخارجه، تعكسها المقالات الصحفية، وتخصيص ندوة حوارية حوله في دمشق رغم التضييق، وطباعة أعداد كبيرة من نص الميثاق وكلمة افتتاح المؤتمر وبيانه الختامي، وتوزيعها في مختلف المحافظات السورية على نطاقٍ واسع، ضمن جوّ من الاحتفاء والتوافق. يضاف إلى ذلك الرسائل العادية والإلكترونية والبرقيات والمكالمات الهاتفية من داخل القطر وخارجه للجنة التحضيرية، ثم للجنة الميثاق الوطني بعد ذلك.

المؤشر الخامس : ولعله أهم المؤشرات، توافق مضمون الميثاق الوطني بعمق، مع مضمون وثائق الأطراف السورية الأخرى، نخص بالذكر منها (البرنامج السياسي للتجمع الوطني الديموقراطي) الصادر في دمشق 20/12/2001، وهو برنامج لتجمع يضم خمسة أحزاب سورية معارضة، و(خطاب القسم الرئاسي) بصفته لسان حال السلطة ممثلة برأس الهرم فيها، سواء من حيث التحليل أي الكشف عن وجود مظاهر خلل وفساد في الأوضاع السورية (سياسية – اجتماعية – اقتصادية – حقوق إنسان)، أومن حيث اقتراح الحلول لمعالجة هذه الأوضاع. على أن مفردات التحليل والحل وآفاقهما في (الميثاق الوطني) وفي (البرنامج السياسي للتجمع) تكاد تتطابق، ناهيك بمحاضرة الأستاذ رياض الترك اليتيمة، التي ألقاها في منتدى المرحوم جمال الأتاسي، التي دعا فيها بعد التحليل العميق، إلى مصالحة وطنية حقيقية، كوفئ عليها بما كوفئ به. ومثل ذلك محاضرة الدكتور برهان غليون في منتدى الحوار الوطني (منتدى النائب المعتقل رياض سيف)، فضلاً عن وثائق المثقفين السوريين (وثيقة ال99 الصادرة في 13/4/200) و(وثيقة الألف الصادرة في 11/12/2001)، وملحق جريدة النهار (هل انتهى ربيع دمشق) الصادر بتاريخ مواز لانعقاد المؤتمر الأول للحوار الوطني المشار إليه !

أهمية هذا المؤشر أنه يعكس الإجماع الوطني المطلوب (المحظور)، الذي يُحَصّل تحصيلاً من الربط السهل بين هذه الوثائق، رمزياً، وواقعياً، وتمثيلاً للنخب ولشرائح الطيف السوري بألوانه جميعاً. وكما تمتزج ألوان الطيف فيزيائياً في الدائرة أو المحصلة، لتعطي اللون الأبيض الموحد، كذلك امتزجت ألوان الطيف السوري، فأعطت إجماعاً وطنياً على ضرورة الإصلاح السلمي الوطني الديموقراطي للأوضاع السورية، يكاد يكون مداره أهداف الميثاق الوطني الأربعة:  

1 - بناء الدولة الحديثة (دولة الحق والقانون).

2 - مواجهة تحدّي البناء العام: (المجتمع المتكافل المتضامن – روح الإنجاز – استغلال ثروات الوطن - ضوابط وقواعد تحول دون انتشار الفساد، وحياطة المال العام وثروات الوطن – خطط تنمية عامة).

3 - التصدّي للمشروع الصهيوني بمشروع عربي وطني مكافئ.

4 - السعي إلى تحقيق الوحدة العربية.

المؤشر السادس: المدلول الرمزي للميثاق الوطني ومؤتمره المؤتمر الأول للحوار الوطني. إذ ليس بالإمكان جمع الشعب السوري كله في مكان واحد كالمؤتمر، لذلك كان لا بدّ من جمع ممثلي شرائحه السياسية والاجتماعية والفكرية (تمثيلياً) في برلمان، أو (رمزياً) كما حصل في مؤتمر الحوار الوطني، وهذا هو مغزى اجتماع الفرقاء أو أطراف الطيف السوري، بعد انقطاع أو قطيعة زمانية ومكانية وفكرية وسياسية. اجتمعوا ولم يكد يصدق بعضهم أن هذا حصل. حتى أن بعضهم قال في نهاية المؤتمر: جئت مستنفراً، مستعداً للسجال والصدام، لكنني رجعت بالرضى التام عن الروح الحوارية، والود الصميمي، الذي أحيى في نفسي أمل الاستمرار والتضامن والوحدة الوطنية ديموقراطياً. أليست سورية جديرة بهذه المصالحة مع نفسها ؟.

على الرغم من حرص المؤتمرين على الجدّ والبناء، والابتعاد عن أي استفزاز لأي طرف خارج المؤتمر، فإن الشانئين (المستغربين) صدمهم هذا التوافق، فعمدوا إلى محاولة التشويه والتشكيك والإيقاع، باستفزاز الأوساط الإسلامية على حدة : (كيف يجوز لقاء المؤمنين بالملحدين ؟) ، وبتأليب الأوساط الماركسية والعلمانية: (كيف يرضى أنصار التنوير بالظلاميين؟) ، فكان ذلك المسعى عاملاً آخر في مزيد من التوعية، ومزيد من تدعيم الخيار الوطني الديموقراطي وتثمينه: (وإذا أتتك مذمتي..)

إن بِركة الحياة السياسية السورية الراكدة منذ أمدٍ بعيد،لم تُرمَ بحجر واحد خلال السنتين الأخيرتين، بل تعاقبت على خضّها وتحريكها عدد من الأحجار ذات الوزن الثقيل: من بيانات المثقفين، إلى منتديات الحوار الوطني، إلى تشكيل روابط وجمعيات شعبية لدعم العراق الشقيق وفك الحصار عنه، أو لإحكام المقاطعة على البضائع الأمريكية، أو للدفاع عن حقوق الإنسان السوري، إلى قيام مظاهرات غير مسبوقة في عدد من المناسبات العامة، مثل نصرة المقاومة الفلسطينية، فضلاً عن المجلات والمقالات والدراسات الصحفية، ومواقع الإنترنت، حتى جاز لبعض المراقبين تسمية هذا الحراك الخصيب بـ (ربيع دمشق)، وحتى أوجست الجهات الأمنية وقوى الشدّ العكسي خيفةً - وحُقّ لها أن تتوجّس – لأن طبيعتها ومصدر عيشها الارتياب والخوف وسياسة الإقصاء والاستئصال، فعمدت إلى كوابح الاعتقالات والمحاكمات الصورية لدى (محكمة أمن الدولة)، والحكم على عشرة من الناشطين أحكامها المعروفة، حتى تساءل بعضهم: هل مات ربيع دمشق ؟ ونسي من نسي أن حركة التاريخ لا تموت، وأن الفصول الأربعة لا بدّ أن تدور دورتها !.

على الرغم من الطابع السلمي العلني للحراك الوطني السوري، الذي أعلن عن تفهّمه (للتدرج) في حل الإشكالات السورية، وتأكيده مبدأ التداول (السلمي) للسلطة.. فإن أحداً لم يكن يتوقع أن تُقابَل هذه الطروح المسالمة بسلام مماثل، لكن العنف الذي ووجه به، لا يمنع ولا يمكن أن يمنع استمرار حركة التاريخ، وما لجوء السلطة إلى بعض الإجراءات البطيئة، إلا اعتراف ضمني بهذه الصيرورة التي لا بدّ منها.

وهنا يُطرَح سؤال: هل للبطء في الإصلاح، المسوّغ بتعلات غير مقنعة، أن ينجز مستحقات ملحة داخلية وخارجية لا يمكن لها أن تتخلّف عن حركة التاريخ التي لا ترحم المقصرين؟. إن حجم التخلّف عن العصر، وعن مواجهة الأخطار والتحديات المباشرة - وهو بمثابة هوة سحيقة بين ما هو كائن وما هو مطلوب - كافٍ للإجابة على هذا السؤال.

وبمعنى آخر: إذا استمر هذا التخلّف، فما المصير أو المآل؟. ما مآل الوطن الذي هو بمعنى من المعاني مآل المشروع الوطني للنهضة ، الذي يعدّ (الميثاق الوطني) موضوع البحث أحد تجلّياته؟.

قبل أن نُفصِّل الجواب على السؤال المطروح.. نحبّ أن نؤكد بداهةً أن كل أطراف الحراك الوطني (والمؤتمر الأول للحوار بالذات) ليسوا يائسين من الإصلاح، بل هم متفائلون بالمستقبل، وأول معايير التفاؤل انخراطهم في حقل العمل العام، وتصدّيهم السلمي للمعوّقات، ومطالبتهم العلنية بالتغيير، واستعدادهم لتحمّل التكاليف والتبعات، ودعوتهم الجادّة لكلّ مواطنٍ إلى أن يمارس حقه وواجبه في بناء مستقبلٍ أفضل للوطن، في أيّ موقعٍ كان بلا استثناء، لأن اليد الواحدة لا تصفّق، ولأن بضع زهراتٍ لا تشكّل ربيعاً .

أما إعراض من بيده القرار، أو تباطؤه في الاستجابة، فلن يسدّ أبواب المستقبل أمام الوطن، لأن حركة التاريخ تجتاح السدود والقيود، لذلك لا يرى المتشائمون مآلاً للقطر في هذه الحال من الاحتقان، إلا واحداً من ثلاثة:

- استمرار ما كان على ما كان، بتراكم المآسي، لدرجة الخروج من التاريخ والجغرافية والاجتماع والسياسة، والتحول إلى مجتمع بدائي صرف، تعدّ ألبانيا (الرفيق خوجة) جنة حضارية بالنسبة إليه.

- أو انفجار الأوضاع نتيجة الضغوط والاحتقانات المتراكمة، وانفلات السيطرة على الشارع، ونتيجة (الإقرار بفشل الحلول السياسية، وتالياً إعادة البلاد إلى المناخات نفسها التي ولّدت أحداث حماة المأساوية. ولعل جناحاً قوياً في النظام لا يحلم بشيء أكثر من تكرار ما حدث في الثمانينات، في سبيل تصفية الساحة السياسية الوليدة في سورية من التراكمات الإيجابية التي عرفتها في السنوات القليلة الماضية، والتي تنزع جميعاً إلى تجريد السلطة السياسية من أي وسيلة لإضفاء المشروعية على استراتيجيا الحرب الأهلية التي تتبعها منذ عقود، في سبيل إلغاء أي حياة سياسية ومدنية معاً، وإجبار الشعب برمّته على الإذعان والاستسلام الكامل والشامل لقرارات السلطة البيروقراطية وإرادة الحزب أو من يمثله ويتكلم باسمه). (انظر ملحق النهار الثقافي – مقالة: نظام الحزب الواحد فقد مبرره – غليون – 25/8/2002). 

- أو إعطاء الذريعة للقوى الخارجية المترصّدة، للتدخّل لتغيير الأوضاع لمصلحتها، مستغلةً حالة الضعف والتخلّف، لبسط نفوذها وسيطرتها، وتحقيق الأهداف التوسّعية للعدو الصهيوني.

فهل من مدّكر؟.

 

---------------------------------

·        المراقب العام لجماعة الإخوان في سورية