تغيرات الســياق العالمـــي
السيد يسين  - الاتحاد
 
إن الدول المعاصرة وخصوصاً تلك التي يتسم قادتها بالقدرة على التخطيط الطويل المدى، تمرست على إعادة صياغة رؤيتها للحياة، وتجديد سياساتها بما يتفق مع الأوضاع العالمية المتغيرة، وهي لجأت إلى صياغة رؤى استشرافية من خلال صياغة سيناريوهات متعددة، تحدد فيها وضعها الخاص إزاء أوضاع الدول الأخرى، وخصوصاً تلك الصاعدة في النظام الدولي مثل الصين والهند. ومن الطبيعي أن تكون الولايات المتحدة الأميركية على رأس هذه الدول التي تعنى برسم صورة المستقبل، وكذلك الصين وغيرها من الدول الكبرى.
غير أن الذي يلفت النظر حقاً أن إسرائيل لم تتأخر كعادتها في مجاراة الدول الكبرى وتتبع توجهاتها الفكرية في دخول مجال الاستشراف الاستراتيجى، فأعدت مشروعاً مستقبلياً بعنوان "إسرائيل 2020". وهذا المشروع شارك في إعداده أكثر من 600 أكاديمي إسرائيلي واستمر ست سنوات، ونشرت نتائجه في 18 مجلداً باللغة العبرية، وقد تولى مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت ترجمة أهم ستة مجلدات إلى اللغة العربية، ليكون التصور الإسرائيلي تحت بصر النخب السياسية والفكرية العربية.
وهذا التقرير هو الأشمل عن تصورات العدو لمستقبله، إذ يتناول كافة جوانب الحياة في الدول العبرية مركزاً على الأرض والاستيطان والمصادر البشرية والطبيعية، وهو كذلك الأبعد مدى إذ يغطي الفضاء الزمني حتى عام 2020. وهو الأكثر إيغالا في ربط التخطيط لمستقبل إسرائيل بالمحيط العربي القريب منها على الأقل، وهو أخيراً الأكثر اعتماداً على سيناريو يفترض سلاماً عربياً– إسرائيلياً آتياً.
ويبقى السؤال: هل هناك مشروع استشرافي عربي مماثل؟ والإجابة للأسف الشديد: لا. وذلك بالرغم من أنه كانت هناك مشروعات استشرافية عربية سابقة، لعل أهمها جميعاً المشروع الاستشرافي الذي قام به مركز دراسات الوحدة العربية، وصدرت عنه مؤلفات متميزة عن الدولة والمجتمع في المشرق والمغرب والخليج، بالإضافة إلى التقرير النهائي للمشروع. غير أن هذا الاستشراف العربي تجاوزه الزمن، بحكم التغيرات الكبرى التي لحقت بالنظام العالمي.
ولعل كل هذه الاعتبارات هي التي دعت مركز دعم القرار بمجلس الوزراء المصري ومركز الدراسات المستقبلية التابع له والذي نشأ حديثاً، بالدعوة لعقد مؤتمر مهم في 26- 27 يونيو الماضي بعنوان "نحو رؤية استراتيجية لمصر". وقد دعي لهذا المؤتمر بعض الباحثين الأجانب المتخصصين في الدراسات المستقبلية لعرض خبراتهم في الموضوع. عرض في المؤتمر, مشروع استشرافي رائد هو "مشروع مصر 2020" الذي يقوم به منتدى العالم الثالث الذي يرأسه الاقتصادي المرموق الدكتور إسماعيل صبري عبدالله وزير التخطيط المصري الأسبق. وهذا المشروع يقوم بدور الباحث الرئيسي فيه أستاذ الاقتصاد المعروف الدكتور إبراهيم العيسوي المستشار بمعهد التخطيط القومي، وهو من رواد الدراسات المستقبلية في مصر.
إن أي دولة معاصرة لا تستطيع أن تقوم باستشراف مستقبلي، سواء بأجهزتها الرسمية أو من خلال مراكزها البحثية المتعددة، بغير أن تبدأ بالتوصيف الدقيق للتغيرات الكبرى التي لحقت ببنية المجتمع العالمي. وذلك لأن الفهم العميق لهذه التغيرات هو الذي سيسمح لفرق الاستشراف الاستراتيجية بتحديد آثارها على صورة المستقبل. وقد حددنا خمسة تغيرات كبرى لحقت ببنية المجتمع العالمي الراهن.
التغير الأول, يتمثل في انتقال الإنسانية كلها من نموذج المجتمع الصناعي إلى نموذج حضاري جديد هو نموذج مجتمع المعلومات العالمي Global Information Society. وهذا المجتمع الجديد الذي ينهض على أساس ما أحدثته ثورة الاتصالات الكبرى والتي تتمثل أساساً في البث الفضائي التليفزيوني وشبكة الإنترنت وغيرها من مستحدثات، يعتبر الخطوة الأولى لإنشاء مجتمع المعرفة والذي سيظهر مصاحباً لقيام اقتصاد المعرفة. ومجتمع المعلومات العالمي, ليس مجرد مجموعة مترابطة من تكنولوجيا المعلومات، بل إنه لا يمكن أن ينشأ إلا على أساس توافر الديمقراطية والشفافية، وحق كل مواطن في الحصول على أي معلومة مجاناً وبسرعة.
وقد أفضنا في شرح معالم مجتمع المعلومات العالمي والثورة التي سيحدثها في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاتصالية، وذلك في كتابنا "الوعي التاريخي والثورة الكونية" الصادر عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة عام 1995.

والتغير الثاني في بنية المجتمع العالمي هو الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة.

إن تيار ما بعد الحداثة نشأ أساساً في مجال العمارة على يد اثنين من فلاسفة العمارة المعاصرة هما جنكز وقينتورى. ثم انتقل من بعد إلى ميادين الفن والفلسفة والعلم الاجتماعي بكل فروعه، حتى أصبح هو التيار الفكري السائد في عالم اليوم. وما بعد الحداثة كتيار فكري جاء لكي ينقد مسلمات الحداثة الغربية. والحداثة الغربية هو المشروع الحضاري الأوروبي الذي على أساسه أسست المجتمعات الرأسمالية الصناعية في النقلة التاريخية التي حدثت من المجتمعات الزراعية التقليدية إلى المجتمعات الصناعية الحديثة.

وقد قامت الحداثة الغربية – كمشروع حضاري متكامل – على هدى عدد من المنطلقات والمبادئ. أولها الفردية والتي كانت تهدف أساساً إلى استخلاص الفرد من بنية المجتمع الإقطاعي الذي أضاع كيانه ولم يتح له أن يكوّن ذاتية مستقلة. وثاني هذه المنطلقات هو الاعتماد على العقلانية. ونحن نعرف أن العقلانية لصيقة بالرأسمالية، وقد نظّر لها عالم الاجتماع الألماني الشهير ماكس فيبر. وثالث هذه المبادئ هو الاعتماد في حل المشكلات على العلم والتكنولوجيا. وثالث هذه المنطلقات هو تطبيق المنهج الوضعي في العلوم الاجتماعية بمعنى عدم بحث أي ظاهرة لا يمكن قياسها. والمنطلق الأخير هو تبني نظرة خطية Linear عن التقدم الإنساني، بمعنى أن التاريخ يتقدم صعوداً من مرحلة إلى أخرى.

جاء تيار ما بعد الحداثة لينقض عدداً من هذه المبادئ، ويبشر بمبادئ جديدة لعل أهمها جميعاً سقوط الأنساق الفكرية المغلقة metanarritives التي عادة ما تأخذ شكل "الإيديولوجيات الكلية" التي تزعم أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وذلك كالماركسية الجامدة أو الرأسمالية المتطرفة، أو حتى الإيديولوجيات الإسلاموية المتشددة.

ومن ثم فأي محاولة استشرافية لا تضع في اعتبارها سقوط هذا النمط من التفكير الذي ساد نظرياً وعملياً طوال القرن العشرين، ونعني صياغة هذه الأيديولوجيات الكلية والاعتماد عليها في توجيه سياسات المجتمعات، فإنها قد تكون حكمت على نفسها بالفشل المسبق. وذلك لأننا نعيش في عصر الأنساق الفكرية المفتوحة، تماماً كما نحيا في عصر السماوات المفتوحة بحكم ثورة الاتصالات. ونعني بذلك أن صانع القرار والمفكر والباحث عليه في النسق الفكري المفتوح أولاً ألا يبدأ من منطلقات إيديولوجية جامدة باعتبارها مسلمات، ولكن يحاول التأليف الخلاق بين متغيرات ما كان يظن من قبل أنه يمكن التأليف بينها، لأنها كانت في مناخ القرن العشرين تعد متناقضة.

ولو ولينا وجهنا الآن إلى التغير الثالث الحاسم في بنية المجتمع العالمي لقلنا إن المجتمع الإنساني ينتقل من حقبة تاريخية كانت تتسم بالأمن النسبي إلى حقبة راهنة يتسم فيها المجتمع الإنساني بأنه يعيش في خطر. وقد أطلق عالم الاجتماع الألماني "إيرليشن بك" على المجتمع المعاصر أنه مجتمع الخطر ومصادر الخطر متعددة ليس هناك مجال للإفاضة فيها. والتغير الرابع هو سقوط نظرية الأمن القومي التقليدية، وظهور نظرية جديدة بعد سقوط الحدود التقليدية، والتي تعبر عنها الأحداث الإرهابية ضد الولايات المتحدة الأميركية في سبتمبر 2001.

وآخر هذه التغيرات هو ظهور العولمة بتجلياتها وتحدياتها السياسية والاقتصادية والثقافية. هذا هو السياق العالمي الذي يحتاج إلى تحليل نقدي قبل أي محاولة لاستشراف المستقبل.