ديمقراطية كوندوليزا رايس: ثورة الأرز أم منتدي الأتاسي؟

صبحي حديدي القدس العربي

 

 

 

في صحيفة النهار اللبنانية ليوم أمس، تكتب الفنانة التشكيلية ندي صحناوي ما يلي: اليوم، في 28 حزيران (يونيو) 2005، يغمرني الأسي الذي غمرني يوم اغتيال سمير قصير. اليوم أُعيد نبيه برّي إلي رئاسة مجلس النوّاب اللبناني. يغمرني الأسي علي متظاهري 14 آذار (مارس) الذين يُهزأ بهم اليوم. ولا يعزّيني كوني لم أشارك في 14 آذار (مارس). لم أشارك ليس لأنني لا أؤيد التظاهر، أو لأنني لا أريد الحرّية والسيادة والإستقلال. إنما أريدها. أريدها بقوّة. لم أشارك لأنني أعرف حقيقة معظم مَن ترأسوا 14 آذار (مارس) وسرقوا إرادته. هم الذين وفّروا اليوم أكثرية الأصوات التي أعادت نبيه برّي إلي رئاسة مجلس النوّاب .
ورغم أنها تختتم هذا الهتاف الجارح والجريح بالمراهنة علي أنّ التسعين نائباً الذين صوّتوا لبرّي لن ينجحوا في اغتيال الحلم ، وأنّ غداً نهار جديد ، فإنها تتابع تشريح انكسار الحلم علي الأقلّ: يستخفّون بعقولنا بالقول إنّ نبيه برّي رجل جديد، سيطّبق برنامجاً إصلاحياً. يغمرني الأسي لأنّ من لا يصدّقهم لا يستطيع أن يوقفهم. يغمرني الأسي لأنه اليوم دُقّ تسعون مسماراً في النعش الذي جُهّز لحلم دولة القانون، دولة المحاسبة ومكافحة الفساد، دولة الحرّية والسيادة والاستقلال ...
والحال أنّ مشهد إعادة انتخاب نبيه برّي رئيساً لمجلس النوّاب كان تذكرة قصوي، عنيفة وفاضحة واستفزازية، بأنّ القليل فقط يتغيّر في لبنان منذ سلسلة الأحداث المحورية: صدور القرار 1559 الذي طالب بانسحاب القوات الأجنبية من لبنان، واغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، وتشكيل جبهة معارضة تلتفّ حولها حركة شعبية واسعة في الشارع، واستقالة حكومة كرامي المدعومة من دمشق، واندلاع انتفاضة آذار، وانسحاب الجيش السوري عسكرياً، واغتيال سمير قصير، وإجراء انتخابات نيابية هي الأولي التي تجري في غياب الوجود العسكري السوري منذ 03 عاما، واغتيال جورج حاوي. لائحة التفاصيل السالفة، أياً كان المنطق الذي يختاره المرء لترتيبها خارج التسلسل الزمني، تكفي بذاتها لتأكيد مشاعر صفّ عريض من اللبنانيين تنطق ندي صحناوي بضميره، رأي من آفاق الحرّية والتحرّر والنهوض ما يري اليوم نقائضه ومضاداته. هذا إذا أبعد المرء مقداراً كبيراً من التشاؤم ولم يردّد: القادم أعظم كما يلوح!
كانت كلّ الدلائل تشير إلي أنّ ربيع بيروت ، كما كان يحلو للمعارضة أن تصف تلك المتغيّرات، سوف ينتهي إلي انطلاق ثورة الأرز كما كانت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس تفضّل القول. لكنّ حسابات الحقل لم تأت مطابقة لحسابات البيدر، والإفراط في التفاؤل حول ثورة الأرز تلك كان يعني أنّ المتفائل لا يعرف لبنان جيداً، أو أنه يتعامي عن الثوابت التي حكمت السياسة علي الدوام، وفي رأسها التقسيم المذهبي والديني للعبة السياسية والحزبية والإنتخابية. ولهذا كان لا بدّ أن يقول وليد جنبلاط، بوصفه أبرز زعماء الطائفة الدرزية وأحد أبرز زعماء المعارضة في آن معاً، إنّ سورية خرجت من الباب وعادت من النافذة!
وكان جنبلاط يصف الأمر الواقع في الحقيقة، لأنّ الحمقي وحدهم كانوا قد اعتقدوا أنّ انسحاب سورية العسكري من لبنان يعني أيضاً خروجها نهائياً من الحياة السياسية اللبنانية، أو تنازلها طواعية عما كانت تمتلك من تأثير داخل مختلف القوي السياسية والأمنية اللبنانية، أو فقدان دمشق نفوذها الاستخباراتي المباشر علي الأرض، خصوصاً في مناطق الشمال والجنوب. وهذه العودة السورية من النافذة تمثّلت في مظاهر عديدة، أتي في طليعتها توافق المعارضة مع القوي الموالية لسورية علي تكليف نجيب ميقاتي برئاسة الوزارة، رغم أنّ الأخير كان علي الدوام مقرّباً تماماً من دمشق، بل أفادت بعض التقارير أنّ اثنين من أشقائه يقيمون علاقات عمل واسعة مع أقرباء مباشرين للرئيس السوري بشار الأسد.
مظهر آخر كان فاشياً دموياً، وتمثّل في اغتيال الصحافي اللبناني اليساري سمير قصير، الذي كان أحد أبرز نشطاء ربيع بيروت ، وأحد أكبر المعارضين للوجود السوري في لبنان حتي قبل الإنسحاب، وأحد ألمع وأندر الداعين إلي التحالف مع قوي المعارضة الديمقراطية السورية وربط تحرّر لبنان بتحرّر سورية. الاغتيال الثاني أجهز علي جورج حاوي، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني، لأسباب أقلّ وضوحاً ربما، لكنها لا تسير خارج السياقات ذاتها. ولم يكن خافياً علي أحد أن بقايا حلفاء دمشق في الأجهزة الأمنية اللبنانية، وربما بتنسيق مباشر مع عناصر استخبارات سورية، هي التي ارتكبت الجريمة.
مظهر ثالث هو أنّ نظام المحاصصة الطائفية بين مختلف الطوائف والمذاهب المسلمة والمسيحية، والذي كان يساعد دمشق كثيراً في إضعاف الجميع وبسط الهيمنة علي الجميع وابتزاز هذه الطائفة أو تلك عن طريق تقريب طائفة أخري أو حتي الشخصيات المتنافسة داخل الطائفة ذاتها، استمرّ علي حاله في الإنتخابات الأخيرة. ففي بيروت فازت القائمة السنّية التي شكّلها سعد الحريري، نجل رئيس الوزراء القتيل، بالتحالف مع فئات أخري انخرطت إجمالاً في حركة المعارضة، بجميع المقاعد الـ 19. وفي الجنوب فازت قوائم المنظمتين الشيعيتين حزب الله وحركة أمل ، بجميع المقاعد الـ 23. ورغم أنّ حركة اليسار الديمقراطي تمكنت من فرض مرشحها الياس عطا الله، وتمكنت من إيصاله إلي المجلس ضمن دينامية عمل شعبي متقدّم، فإنّ المحاصصة الطوائفية استمرّت علي حالها في انتخابات الشمال، بالرغم من فوز المعارضة بمقاعدها كاملة.
المظهر الرابع هو ما أسماه جنبلاط أيضاً بـ تسونامي لبنان أي الجنرال ميشيل عون القائد السابق للجيش اللبناني، والذي عاد بعد 15 سنة قضاها في منفاه الفرنسي إثر اجتياح القوّات السورية لبيروت الشرقية، بتواطؤ من واشنطن وعلي سبيل مكافأة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد لموافقته علي المشاركة العسكرية في عمليات عاصفة الصحراء . والجنرال، الذي كان قد عيّن نفسه رئيساً للبنان وشكّل في منفاه ما أسماه التيار الوطني الحرّ ، لا ينسي أبداً أنه لجأ إلي السفارة الفرنسية وهو في ثياب النوم، وسط صمت مطبق أو شماتة من معظم الشخصيات من مختلف المذاهب، ممّن كانوا آنذاك حلفاء سورية وهم الآن يقودون المعارضة. الشارع المسيحي تذكّر هذه الحقيقة تماماً مثل الجنرال، ولهذا أنزل العقاب الشديد بالمرشحين المسيحيين الذين لم يخونوا الجنرال ذات يوم فحسب، بل خانوا الصفّ المسيحي ذاته أساساً.
ورغم أنه فشل في اختراق القوائم الدرزية التي يدعمها جنبلاط، فإنّ عون حقق فوزاً كاسحاً في معقل المسيحيين في جبل لبنان، وألحق هزيمة قاسية بكبار الشخصيات المسيحية المنخرطة في المعارضة، وبينها أسماء بارزة معتدلة وتحظي باحترام واسع مثل نسيب لحود أحد أبرز المناهضين للوجود السوري. كذلك كان انتصار عون نكسة شديدة للمطران نصر الله صفير، بسبب سقوط معظم ممثّليه، وانقسام الصفّ المسيحي، حيث فضّل الناخبون مكافأة الجنرال علي سنوات المنفي القسري من جهة، ومن جهة ثانية معاقبة الشخصيات المسيحية التي كانت في الأثناء ساكتة عن الوجود السوري أو موالية له ومستفيدة منه. وأمّا ما أغضب جنبلاط في فوز عون فهو أنّ توحيد الصوت المسيحي في الجبل كان في الواقع أحد رهانات المعارضة اللبنانية علي انتخاب برلمان تمتلك فيه المعارضة أغلبية كافية لإقالة رئيس الجمورية إميل لحود.
الموقف الدولي، أو بالأحري موقف الدولتين المنشغلتين مباشرة بالشأن اللبناني فرنسا وأمريكا، تمثّل إجمالاً في الإكتفاء بمراقبة ما يجري، أو ممارسة الضغط اللفظي كما فعل الرئيس الامريكي جورج بوش حين اتهم سورية بمواصلة نشاطاتها الإستخبارية في لبنان وإعداد قائمة اغتيالات، أو عقد مؤتمر في باريس لسفراء وقناصل فرنسا وأمريكا وبريطانيا. ولقد تردد أن عون تلقي نصيحة دولية بالعودة إلي لبنان واختبار شعبيته الحقيقية من خلال خوض الانتخابات النيابية، لأنّ التكتيك المعتمد في واشنطن وباريس كان أن تنخرط جميع القوي السياسية اللبنانية من دون استثناء في العملية الإنتخابية. وهذا الخيار يمكن أن يشكّل ضمانة حقيقية لعدم انفجار الصراعات السياسية والإنقسامات الطائفية في الشارع، وبأشكال غير سلمية قد تفرض علي المجتمع الدولي تحديات صعبة في طليعتها التدخل العسكري في لبنان، كما حصل في مطلع الثمانينيات، وانتهي الي كارثة أمريكية وفرنسية.
وهذه المآلات، مثل الحال التي تصفها الفنانة التشكيلية اللبنانية ندي صحناوي، لا بدّ أن تردّ المرء إلي بعض ثمار الحملة الأمريكية من أجل الديمقراطية في الشرق الأوسط، والموازية تماماً للحملة الأخري الأسبق والأمّ: الحملة الأمريكية ضدّ الإرهاب . وفي محاضرتها قبل أيّام أمام المصريين الذين احتشدوا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مزجت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس بين الفكر والفلسفة والسياسة والتبشير، وبين نقد الماضي والرجم بالغيب عن المستقبل، وبين الترهيب والتغريب سواء في ما يخصّ الحاكم العربي (والحلفاء في القاهرة والرياض تحديداً) أو ما يخصّ شعوب المنطقة إجمالاً.
وكانت بعض فقرات تلك المحاضرة قد انطوت علي كلمات وعبارات من النوع الوردي الزاهي الباسم المشرق... كأن تقول رايس مثلاً: إنّ الخوف من الخيارات الحرّة لا يمكن أن يكون بعد الآن مبرراً لرفض الحرية ، أو: هناك مَن يقولون إنّ الديمقراطية تقود إلي الفوضي والصراع والإرهاب، والحقيقة أنّ العكس هو الصحيح: إنّ الحرية والديمقراطية تشكلان الفكر الوحيد الذي يملك قوّة التغلّب علي الكراهية والإنقسام والعنف ...
ولقد أوضحت رايس مجموعة معايير محددة للحكم الديمقراطي كما تفهمه الولايات المتحدة، وكما تريد أن تراه في الشرق الأوسط. وإذا كانت قد بدأت بالانتخابات الحرّة النزيهة، فإنها حدّدت شكل الحكومات الديمقراطية المطلوبة: إنها تلك التي تحمي سلسلة حقوق أساسية لجميع المواطنين، بينها الحقّ في حرّية الكلام، والإجتمــاع، والعبادة كما يشاء المرء، وتعليم الأبناء، ذكوراً وإناثاً، والتحرّر من زوّار منتصف الليل التابعين للبوليس السرّي !
سبحان الذي يغيّر ولا يتغيّر! كاتب هذه السطور تستهويه، مع ذلك، هذه الفقرة التي تستحقّ النقش في حجر: طيلة 60 سنة بحثت بلادي، الولايات المتحدة، عن الإستقرار علي حساب الديمقراطية في هذه المنطقة، هنا في الشرق الأوسط، ولم ننجز أيّاً منهما. الآن نحن نتخذ مساراً مختلفاً. نحن ندعم الطموحات الديمقراطية لكلّ الشعوب. وثمة اليوم أنظمة غير ديمقراطية تهدّد الحرّية. البعض يظنّ أنّ هذه واحدة من حقائق التاريخ الثابتة. ولكن هناك مَن يعرفون الأفضل. ويمكن العثور علي هؤلاء الوطنيين المتعطشين للحرّية في بغداد وبيروت، في الرياض ورام الله، في عمّان وطهران، وهنا في القاهرة تحديداً ...
وما يستهويني في هذه الفقرة ليس أنها تعترف ــ وإنْ بعد زمن طويل من خراب البصرة! ــ بدور الولايات المتحدة في صناعة ودعم أنظمة الإستبداد هنا وهناك في العالم العربي فحسب، بل حقيقة أنّ رايس تغفل تماماً ذكر عاصمة بلد عربي لا يقلّ أبناؤه تعطشاً للحرّية عن مواطني العراق ولبنان والسعودية وفلسطين والأردن وإيران ومصر، وأقصد العاصمة السورية دمشق. لماذا تعمدت رايس إغفال دمشق؟ وهل من المبالغة التفكير بأنّ اللواء محمد أحمد منصورة، رئيس جهاز الأمن السياسي، اتخذ قرار إغلاق منتدي الأتاسي بعد أن قرأ محاضرة رايس، وتأكد أنّها لا تدرج السوريين في عداد المتعطشين إلي الحرّية.
لماذا، إذاً، يتوجب أن يكون منصورة، دون سواه، أكثر تباكياً علي الديمقراطية من كوندي... ما غيرها!