حقوق الإنسان في العالم العربي: مجموعة من الرؤى والأبعاد

تركي علي الربيعو     الحياة     - 03/07/05//

انطلاقاً من أن الوصول إلى حقوق الإنسان مسألة جهد ونضال يومي يقومان على الرؤى والتفكير، يأتي كتاب حقوق الإنسان: الرؤى العالمية والإسلامية والعربية (مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت 2005) ليخلق تراكماً نوعياً في مجال رؤية حقوق الإنسان، وذلك مع الاتساع الأفقي والرأسي الذي شهدته الساحة العربية في العقود المنصرمة بالمطالبة بالديموقراطية وحقوق الإنسان، فالاهتمام الحقيقي لا المزيف هو دالة نهوض واستنهاض. وشاهد على حالة من الوعي خصوصاً في واقع عربي ما زال يبخس مواطنيه بعض الحقوق إن لم نقل جلها.

الكتاب محكوم بهاجس دفع مسألة حقوق الإنسان إلى الواجهة، فثمة خوف يحرك العاملين عليه من طغيان مسائل الإصلاح الديموقراطي على حساب مسائل حقوق الإنسان والتي قد ترتد الى مرتبة ثانوية، من هنا نفسر السؤال الذي يتصدر الكتاب: هل حلّت مسائل الإصلاح الديموقراطي محل مسائل حقوق الإنسان؟ وفي رأيي أن السؤال السابق سؤال مصطنع مسكون بهاجس التضاد، فالغاية من الديموقراطية المنشودة هي تحقيق حقوق الإنسان السياسية والمواطنية وليس طمسها. وهذا ما تكفلت به الرؤى الثلاث التي تجيب بمعظمها بقول لا، فلا يمكن لمسائل الإصلاح الديموقراطي أن تغيّب مسألة حقوق الإنسان.

أهمية الكتاب الذي يضم مجموعة دراسات لأربعة عشر باحثاً عربياً، أنها تمثل بحق مداخل ورؤى عدة لمسألة حقوق الإنسان، وهذا ما دفع إلى تقسيم الكتاب إلى ثلاثة أقسام. وهذا ما يفرض على مراجع الكتاب أن تكون مراجعته انتقائية بمعنى أنه ينتقي من كل قسم دراسة أو أكثر تمثل الجهد الأوفر في مجال حقوق الإنسان دون أن تطمس حقوق البقية.

في القسم الأول الذي يضم مساهمات كل من مصطفى الفيلالي ومحمد فهيم يوسف ومحمد فائق. أقف عند رؤية الفيلالي الموسومة بـ نظرة تحليلية في حقوق الإنسان من خلال المواثيق وإعلان المنظمات. يؤكد الفيلالي على أن معظم الوثائق الدولية والوطنية المقررة لحقوق الإنسان، نشأت وأبرمت بعد الحرب الكونية الثانية. انطلاقاً من وثيقة الأطلس بين روزفلت وتشرشل، وصولاً إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، مروراً بعشرات الاتفاقات التي شكلت مكتبة ضخمة وصلبة أصبحت المرجعية لمعظم حركات التحرر المطالبة بالحريات والحقوق والمقرونة بمنازعة السلطات الاستبدادية في كل مكان. وفي هذا السياق يعرج الفيلالي على مشروع الدستور الإسلامي 1978 ومشروع رابطة العالم الإسلامي وعلى البيان الإسلامي العالمي الأول لحقوق الإنسان 1980، وبيان عن حقوق الإنسان في الإسلام 1980الصادر عن جامعة الكويت، وصولاً إلى الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي تولته جامعة الدول العربية 1993.

يؤكد الفيلالي أن الكثير من هــــذه المواثيق معطلة مرة بحجـــة الخصوصـــية ومرات بحجج عدة، من هنا قوله أن لا عبرة بحقوق لا يتمتع بها أهلها، ولا بحريات معطلة عن الممارسة في الحياة اليومية ومع استفاضته بالمعوقات التي تقف دون الوصول إلى الحقوق الكاملة، فإنه يرصد إلى جانب الأمية، ضعف الطبقة الوسطى الذي هو من أهم المعوقات الهيكلية لممارسة الحقوق والحريات. من هنا تأكيده في خاتمة البحث على أن الطريقة إلى حقوق الإنسان هو أن نعوّل على أنفسنا لا على المؤسسات الدولية ولا على الإيديولوجيات المستوردة.

في القسم الثاني الذي يضم الأبعاد الإسلامية، ويضم دراسات محمد عبد الملك المتوكل وعلي عيسى عثمان و الإسلاميون وحقوق الإنسان لرضوان زيادة وحقوق الإنسان المتنازع عليها بين الغرب والإسلام لسامي أبو ساحلية، يرى عبد الملك المتوكل في دراسته عن الإسلام وحقوق الإنسان أن الإسلام بمبادئه السمحة قد شكل الدعوة الأولى واللبنة الأساسية لحقوق الإنسان. لأن الإسلام لا يميز بين البشر إلا على أساس التقوى، لكن الخوف كل الخوف، أن منهج المحافظة على الدين من قبل الغيّرين عليه، يمكن أن يكون القاع لأشد أنواع الطغيان والاستبداد، وهذا ما يفسر المقولة الشائعة من أن الإسلاميين يستخدمون الديموقراطية كجسر للوصول إلى أهدافهم ثم ينقلبون عليها. وهذا ما يسعى لأن يقطع معه المتوكل، فالإسلام كما يرى الكثير من المفكرين الإسلاميين لم يهزم في ظل الحرية، وإنما انهزم في ظل الاستبداد، وهو لا يحمى بسوط السلطان، وإنما بالقوة والرهان . من هنا أهمية الجهود النضالية والفكرية التي من شأنها كما يقول علي عثمان أن تنقل حقوق الإنسان من حقل اللامفكر إلى حقل المفكر فيه والذي من شأنه أن يدفعنا جدياً إلى رؤية متكاملة حقيقية للإنسان وحقوقه.

في القسم الثالث والذي يضم الأبعاد العربية ويشمل مشاركات كل من محن عوض وبرهان غليون وثامر محمد والصادق شعبان ومحمد عصفور وحسين جميل سوف أقف عند رؤية برهان غليون والتي تقدم الجواب على السؤال الذي طرحه الكتاب في المقدمة: هل إن مسائل الإصلاح الديموقراطي يمكن لها أن تنشأ على حساب حقوق الإنسان؟

من وجهة نظر غليون المعنونة بـ الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي: مشكلات الانتقال وصعوبات الديموقراطية أن الديموقراطية وحقوق الإنسان هما في الواقع حركة واحدة وذلك انطلاقاً من أن أصل الحديث عن الديموقراطية ووجودها في المجتمعات العربية مثلما هو الحال في المجتمعات كلها، هو تأسيس الشرعية والتي تعني انبثاق السلطة عن إرادة الجماعة الوطنية عامة. وما يلحظ غليون هو ضعف الإرادة الجماعية الوطنية عامة بمسألة الديموقراطية وحقوق الإنسان، وهو يعزي ذلك إلى سمتين، الأولى نخبوية القوى السياسية والثقافوية الرافعة للديموقراطية وحقوق الإنسان. والثانية السطحية والهشاشة النظرية والسياسية التي تطبع معظم المحاولات والمقالات التي تصدرها هذه النخبة. من هنا فهو يرى أن تطوير العمل من أجل الديموقراطية وحقوق الإنسان يقتضي من المعارضة تطوير نفسها وسلوكها تجاه المجتمع وتعميق حوارها معه. وبالتالي الانفتاح على الرأي العام الذي تقوم هي ببنائه.

تعود أطروحة غليون إلى مطلع عقد التسعينات من القرن المنصرم، ويهمنا هنا أن نستشهد بأطروحة محسن عوض مساعد الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان الذي يقدم لنا خلاصة سريعة كخبرة عملية لحال حقوق الإنسان والذي يرى أن حقوق الإنسان في الممارسة تسير من سيئ إلى أسوأ، وبخاصة في ظل ما يسميها توحش سلطات الدولة العربية، وكذلك فإن ما يجمعه بغليون وبمعظم المهتمين بالشأن العربي هو البحث عن لغة مشتركة لحقوق الإنسان، والأهم تعميق الوعي بهذه الحقوق المهمة وذلك من خلال برنامج بحوث ومن خلال نضال يومي لما يزل بعيداً!

كاتب سوري.