الدور الإقليمي لسورية: طموحات الماضي وكوابح الحاضر

مصطفى عبدالعزيز مرسي     الحياة     - 24/06/05//

إتمام سورية سحب قواتها، التي تمركزت في لبنان نحو ثلاثة عقود، في 26 نيسان (أبريل) الماضي يُعد - بالمنظور الإقليمي - حدثاً مهماً، يضع اللبنانيين أمام مسؤولياتهم الوطنية، ويثير عدداً من الملاحظات حول العلاقات السورية - اللبنانية، في مقدمها:

1 - أن الفكرة القومية في سورية كانت أسبق في وجودها على الفكرة الوطنية الضيقة. وظلت سورية منذ استقلالها تنظر إلى جوارها الإقليمي، على أنه جزء من «بلاد الشام» أو مشروع «سورية الكبرى»، تحت التكوين، ما أضفى طابعاً أيديولوجياً وتدخلياً مبكراً على علاقات سورية بلبنان، تعمق في المرحلة التي سادت فيها الأنظمة البعثية في سوريةً.

2 - أدى الوجود الممتد للقوات السورية في لبنان (من عام 1976 إلى عام 2005) إلى تشكيل شبكة من المصالح المتبادلة شاركت فيها فئات عدة من الجانبين، استثمرت واستغلت هذا الوجود وسعت لإطالته. وأدى هذا إلى تزايد التدخل السياسي والأمني السوري المتصاعد في أدق الشؤون الداخلية اللبنانية. وأدُخل لبنان في صراعات عربية - عربية، وعربية - إقليمية بأكثر مما يحتمل، ما أدى إلى زيادة الشعور اللبناني العام بعدم امتلاك حرية القرار السياسي.

3 - لا شك في أن سورية وجيشها أسهما في وضع حد للحرب الأهلية اللبنانية، وتحملا الكثير من التضحيات، إلا أن الشعوب عادة ما تصبح ضعيفة الذاكرة. لا تعيش إلى الأبد أسيرة لشعورها بالجميل.

وآن الأوان أن تتخذ سورية قراراً يتسم بالجرأة السياسية وبعد النظر تستبق به تداعيات الأحداث، بإعطاء العلاقة مع لبنان مضموناً يقوم على الندية وتوازن المصالح. فلبنان القوي المعافى سياسياً واقتصادياً وأمنياً هو خير سند لسورية والعكس صحيح.

4 - نحن في الواقع أمام أزمة إقليمية مركبة تتقاطع وتتصارع فيها عوامل ومصالح محلية وإقليمية ودولية، ولذا ينبغي الحذر وضبط النفس تجاه احتمال قيام بعض الأطراف بعمليات استفزاز للجانب السوري أو اللبناني، وأن يحرص الجانبان على دعم عرى التضامن والتعاون وتطوير العلاقات بينهما في شكل يكسبها المناعة السياسية الذاتية، بإيجاد الحلول المناسبة للملفات التي ما زالت عالقة بين البلدين وإبعادها من أي مخطط للتدويل، لأنه ليس في مصلحة أي منهما.

5 - هناك مخاوف سورية مبررة بشأن سعي الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لاستغلال الوضع الجديد في لبنان لدفعه الى عقد اتفاق سلام منفرد مع إسرائيل على نسق ذلك الذي عقد بينهما وتم إسقاطه. وفي تقديري أن من مصلحة البلدين أن يستمرا في التمسك بتلازم المسارين اللبناني والسوري.

6 - وعلى المستوى اللبناني، تجيء أهمية إعادة تكيف لبنان مع الوضع الجديد واتجاهاته أو ما أصبح يُطلق عليه «الاستقلال الثاني للبنان»، ومدى استثماره، بمنطق لبناني حر، في تطوير الأداء الديموقراطي وتعميقه وتجديد القوى السياسية والتباعد عن خطوط تقسيم العصبيات الطائفية والمذهبية والعشائرية، حفاظاً على وحدة لبنان ودوره العربي، ومنعاً للتدخلات الخارجية. ومن مصلحة سورية المعاونة في تحقيق مزيد من اندماج حزب الله في الجسم السياسي اللبناني، لتهدئة الجبهة الداخلية اللبنانية.

ويبقى التساؤل حول مستقبل الدور الإقليمي السوري في المرحلة التالية. وفي تقديري أن لأي دور إقليمي ثمناً وتبعات، كما أنه يتطلب قيادة حصيفة وبيئة مواتية.

ولدينا هنا شواهد من الماضي القريب والحاضر منها:

1 - عُرف الرئيس الراحل حافظ الأسد بمهاراته السياسية غير العادية إلى حد الجمع بين المتناقضات. من ذلك مثلاً ما تم في إطار علاقة سورية (العلمانية) بإيران (الثيوقراطية)، والتي جمعت من أسباب التنافر والتوافق في آن، إلا أنه نجح في إقامة ما يشبه الزواج الكاثوليكي بينهما، ليمنح البلدين قدراً أعلى من التعامل مع القوى الإقليمية والدولية. فمثلت سورية بوابة إيران على العالم العربي، ووقوفهما معاً في الحرب الطويلة ضد نظام صدام حسين، كما مثلت إيران ورقة ضغط في يد سورية على المواقف الإسرائيلية (حزب الله وجنوب لبنان)، واستطاعت القيادة السورية بذلك القبض على أوراق فلسطينية وعربية وإقليمية أخرى. الأمر الذي مكّن الرئيس السوري الراحل من إعطاء سورية مكانة ودوراً إقليميين ودوليين، فاقت قدراتها الذاتية، وكبرت معها الأحلام المستحيلة. إلا أنه أدرك بحسه السياسي، وفي الوقت المناسب، حجم المتغيرات الدولية وفي مقدمها دلالات انهيار الاتحاد السوفياتي، وشعر بأن المنطقة بدأت تنتقل من عصر الأحلام إلى مرحلة الكوابيس. وللأقدار أحياناً أحكام تتعدى توقعات البشر والساسة وآمالهم. فانضم الرئيس حافظ الأسد إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في حرب تحرير الكويت (1991)، وكان ذلك - في تقدير البعض - بمثابة انقلاب سياسي، دل على مدى ما تتمتع به مواقف القيادة السياسية السورية - عند الضرورة - من براغماتية ومرونة غير عادية.

2 - وسيصبح من الصعب على سورية بعد الرئيس الراحل حافظ الأسد - بعد أن مالت علاقات القوى وموازينها في غير مصلحتها - أن تحقق ما لم تتمكن من تحقيقه في عصره وفي ظروف إقليمية ودولية أفضل بكثير. فسورية بشار الأسد ورثت تركة داخلية ثقيلة وأوضاعاً إقليمية ودولية بالغة التعقيد وغير مسبوقة. وحاول الأسد الابن جاداً في البداية تأسيس شرعية جديدة لعهده، ودخل في سباق مع الزمن. فسعى لتطبيق سياسة داخلية أكثر انفتاحاً وحداثة، بقيادات جديدة (تكنوقراط الإصلاح والمعلوماتية) ذات رؤية عصرية وإعداد علمي رفيع المستوى، من دون اشتراط انتمائهم الحزبي. وبدأ في عملية تدوير النخبة وركائز السلطة بتغيير بعض أفراد الحرس القديم الذين أرهقتهم الرحلة السياسية الطويلة وترهلوا في السلطة. غير أن الرئيس بشار الأسد وبعض أركان النظام ربما شعروا بمخاوف الإسراع في عملية الإصلاح السياسي، على رغم طول انتظارها داخلياً.

3 - ولا شك في أن أمام الرئيس بشار الأسد مهمة صعبة وتاريخية لاستكمال جهود إعادة بناء الداخل واستنهاض قوى سورية الشعبية الحية بعيداً من ثقل الشعارات الأيديولوجية الجامدة التي كبلتها لفترات طويلة بسبب الالتزامات والطموحات الإقليمية، بالسير في اتجاه إحداث مزيد من التوجهات الإصلاحية الانفتاحية، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، والعمل على إفساح المجال لتعددية سياسية نشطة، تبتعد عن صيغة التعددية النظرية وفرض الواحدية المتمثلة في «الجبهة الوطنية التقدمية والحزب القائد»، لتتيح ممارسة الحرية السياسية المسؤولة، وزيادة المشاركة الشعبية الحقيقية في صنع القرارات.

وأتصور أنه في عصر تراجعت الأيديولوجيات وتزايدت معدلات تقصيد السياسة أن لسورية من المقومات والموارد الذاتية، إضافة إلى حيوية شعبها السياسية والاقتصادية، ما يُمكنها - إذا أزيلت المعوقات الداخلية - من أن تمارس دوراً إقليمياً جديداً له مقومات اقتصادية فاعلة تفوق المقومات السياسية المتراجعة. وبالنسبة لتقويم دور سورية الإقليمي في المرحلة المقبلة، فإن هناك عدداً من المتغيرات والعوامل لعل في مقدمها:

1 - أن القضية الفلسطينية كقضية عربية أساسية، هيمنت على جدول أعمال النظام العربي كقضية محورية تركيبية (Articulatory Cause)، تقترب من أن تتحول إلى قضية فلسطينية - إسرائيلية بعد عقد اتفاقات السلام المنفرد، مع مصر والأردن، فضلاً عن استمرار مخطط الفصل التدريجي بين قاعدة «الانتماء» إلى النظام العربي و»التزام الدعم» وعاطفة «الولاء» لقضاياه النابعة من الالتزام القومي العربي السابق تجاهها. وأخذت الحقبة الإسرائيلية تتعمق وتفرض خياراتها في المنطقة. وهي حقائق سياسية مؤلمة ومؤسفة لا مفر من أخذها في الاعتبار.

2 - إن النظام العربي فقد جانباً كبيراً من فاعليته وصدقيته، بفعل أعضائه الذين مارسوا لفترة طويلة وبوعي وبغير وعي عمليات نحر الذات وثأر القبائل وكيد العشائر المتصارعة، سواء بإرادتهم أو بتحريض من أطراف خارجية. وسهل من عملية اختراقها للنظام العربي، حال الفراغ السياسي الراهن داخل الأنظمة العربية الناجم عن إدراكها خطورة تحجيمها للعمل المجتمعي والمشاركة السياسية في صنع القرار لفترة طويلة، زادت من هشاشة هذه الأنظمة وتمزق مظلة العلاقات العربية - العربية. ومن أسوأ مؤشرات هذه الهشاشة تآكل مقومات ما يسمى «بالأمن القومي العربي».

3 - وعى جورج بوش الابن سلبيات سياسة الانفراد الأميركي بالمواقف في العراق والمنطقة، فسعى لتدويل خطة تعاملها المستقبلي معها ومع سورية، باستقطاب دول أوروبية عدة إليها. وكانت بدايته التلاقي الأميركي - الفرنسي الذي أسفر عن استصدار قرار مجلس الأمن رقم 1559.

4 - إن إسرائيل بعد أن تخلصت من كابوس جنوب لبنان، وبعد انسحاب القوات السورية من لبنان، ستحاول العبث بأمن لبنان لجعل مشاكله أكبر منه. كما ستضاعف إسرائيل من ضغوطها واستفزازاتها لسورية، وبالتنسيق مع واشنطن، ابتداء من القصف الجوي لموقع عين الصاحب «تشرين الثاني (أكتوبر) 2004»، وانتهاء برفض عرض سورية المتكرر لاستئناف مفاوضات السلام معها من دون شروط مسبقة. وعلى رغم ما صاحب ذلك من إشارات رمزية كقرار إعادة إعمار القنيطرة والموافقة على صفقة التفاح لدروز الجولان وغيرها من مؤشرات إيجابية، فإن إسرائيل تريد استغلال وضع سورية الراهن لأبعد مدى، وتعمل على تعقيد علاقاتها الإقليمية والدولية.

5 - كما أن مضمون الدور الإقليمي المستقبلي لسورية سيتأثر بلا شك بما سيؤول إليه الوضع في العراق، وبدرجة كبيرة، بما ستؤول إليه العلاقات السورية - الأميركية. فالعداء المستحكم بين النظامين البعثيين الحاكمين في دمشق وبغداد استمر عقوداً عدة، وتضامنت سورية مع إيران طوال حربها مع العراق، ولجأ الى سورية عشرات المعارضين العراقيين من كل الانتماءات السياسية والمذهبية والعرقية، عاد معظمهم إلى العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين، وتطلعت دمشق لاستثمار روابطها معهم سياسياً في العراق الجديد، إلا أن للسياسات الإقليمية تناقضاتها ومفاجآتها. فإسقاط نظام صدام على أيدي القوات الأميركية، جعلها مجاورة للحدود السورية. وتزايدت مخاوف دمشق بإعلان الإدارة الأميركية بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، وبحكم تركيبتها وأيديولوجيتها المتأثرة بالنظرة الإسرائيلية، عن عزمها إجراء تغيير بعض أنظمة منطقة الشرق الأوسط ووضعت النظام السوري في مقدمها.

الإدارة الأميركية تشعر بوطأة مأزقها الراهن في العراق، والمتمثل في انتصار عسكري وانتكاسة سياسية. وترى أن أحد مداخل الخروج منه يتمثل في تطويع مواقف الأطراف الإقليمية وفي مقدمها سورية بكل السبل لإحكام القبضة الأميركية على الأوضاع في العراق. ومن هذا المنطلق تعمل واشنطن على دفع دمشق لقراءة الحدث العراقي على نسق قراءة باكستان للحدث الأفغاني، أي فرض التعاون الكامل مع مخططات واشنطن، وهو افتراض وتشبيه متعسفين.

6 - كما أن استمرار إدارة العلاقات السورية - التركية ضمن أنماط مغايرة للماضي سيساعد دمشق على استيعاب جانباً من تداعيات الوضع الإقليمي الراهن. فالزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس بشار الأسد للمرة الأولى لتركيا أعطت مثالاً على مدى تحليه بالمرونة السياسية، وأثمرت زيارة تركية رئاسية مماثلة إلى دمشق، على رغم ضغوط واشنطن. وأدى ذلك إلى فتح آفاق جديدة للعلاقات بين البلدين الجارين، والسعي المشترك إلى علاج أسباب التدهور بينهما، والتي وصلت في السابق إلى ما يمكن تسميته بـ «أجواء الحرب الباردة بين الطرفين»، وكادت تتطور إلى مواجهة ساخنة، لولا جهود مصرية حالت دونها في حينه. وسمحت هذه الزيارة بفتح كل الملفات والقضايا الشائكة والعالقة بين البلدين (قضايا الإرهاب - قضايا المياه - قضايا العراق والأكراد - العلاقات الثنائية - إزالة الألغام من مناطق الحدود المشتركة... الخ)، وإزالة احتقان سياسي طويل بين البلدين. وبدأت أوائل ثمار هذه العلاقة الجديدة بالتعاون الاقتصادي والأمني في مناطق الحدود المشتركة الطويلة وإزالة الألغام منها.

7 - لجأت سورية في المرحلة السابقة إلى إقامة روابط وعلاقات خاصة مع إيران، تحسباً لموازنة متغيرات الوضع الإقليمي الحرج الذي قد تواجهه سورية. ومنحت هذه العلاقة الدولتين قدرة أفضل للتعامل مع القضايا الإقليمية واستحقاقاتها. وستبقى بمثابة رابطة تأمينية يصعب على سورية، وإيران ربما بدرجة أقل، التفريط فيها، والقفز في الفضاء السياسي المجهول، من دون توافر ضمانات بديلة تتعلق بالتوصل إلى تسوية متوازنة للمسار السوري - اللبناني - الإسرائيلي. ويلاحظ في هذا المجال أن هناك جهوداً تبذل للفصل بين الحركة السورية والحركة الإيرانية إقليمياً، بالعمل من ناحية على فك الارتباط بين إيران وحزب الله في جنوب لبنان (عبر السعي لنزع سلاحه ضمن تسوية سياسية)، ومن ناحية أخرى تشجيع إيران للعب دور التهدئة في عراق ما بعد صدام (بمباركة أميركية).

إن الأوضاع الإقليمية والدولية الراهنة أصبحت تفرض أعباءً وضغوطاً قاسية على الحاضر. والإخفاق في تبني رؤى جديدة للتعامل معها سيفرض أعباءً ثقيلة للغاية على سورية وعلى المستقبل العربي. فالمأزق الراهن سوري بقدر ما هو عربي. وعلى الأنظمة العربية إدراك خطورة ذلك، فالأجندة السياسية الأميركية تجاه المنطقة ما زالت مفتوحة على مصراعيها وتستهدف الجميع بلا استثناء.

وختاماً فإن محاولة استشراف آفاق الدور الإقليمي لسورية في المرحلة المقبلة يعتبر - في ظل حالة السيولة الدولية والإقليمية الراهنة - مسألة صعبة، لأنها تتعلق بعدد من البدائل والخيارات. وفي ظل موسم الهجرة من العروبة وصعوبة بروز بديل عربي - في المدى القريب - لديه القدرة على تغيير معادلة الوضع العربي والإقليمي الراهن، فإن السؤال هو إلى أي مدى سيؤدي تآكل الثوابت القومية وتزايد المتغيرات السلبية، إلى حض سورية على إعادة صياغة دورها الإقليمي بصورة أكثر واقعية؟ وهل سيؤدي ذلك إلى بروز شعار أو خيار «مصلحة سورية الوطنية أولاً».

ديبلوماسي مصري سابق.