الدستور العراقي ومأزق الديمقراطية المفتعلة: الطائفــة والمجمـوعات الإثنية

د. عماد فوزي شعيبي –القدس العربي

 

 


كشفت التجربة الانتخابية الأخيرة في العراق، والتي من المفترض أنها ستؤدي إلي استحداث دستور عراقي جديد يصون اللعبة الديمقراطية ويرسمها في بلد متعدد الأعراق والطوائف كالعراق، عن إشكالية الالتباس الشديد بين (الطائفة) و(الحزب السياسي) وهو التباس معروف في الدول التي لم تنجز الدولة ـ الأمة ـ المصلحة كما هو حال الدول الغربية التي جاءت الديمقراطية إليهما في إطار تطور طبيعي صارم للدولة الصناعية، والأهم للدولة ـ المصلحة التي طوت عبر الحروب الأهلية مبدأ الانتماء السياسي ـ الديني لتقيم قاعدة (التسامح) الديني، وطوت عبر الحروب القومية 1848ـ 1945 أي انتماء غير وطني (قومي) لصالح الأخير، والأهــــــم أنها أقامت عبر التطور الصناعي مفهوم العلاقات المصلحية التي تُقام علي أساسها الدول المعاصرة بخلاف الانتـــــماءات الأخري، بمعني أن (المصلحة) هي التي تجمع شظايا المجتمع الإيديـولوجية وتلحمها في إطار قومي ـ وطني.
هذه المعادلة التاريخية ليست متحققة في أي نموذج في دول العالم الثالث لم ينجز الدولة ـ الأمة بعد، وعليه فإن تشظي الساحة السياسية العراقية وتعدد الأحزاب ـ الطوائف ـ الاثنية (العرقية) فيه هو جزء لا يتجزأ من المعادلة السائدة التي سترخي ظلالها علي الدستور العراقي القادم، والذي يبدو من الآن في ملامحه العامة كنوع من المحاصصة الطائفية أو الاثنية المشابهة لنموذج العمل السياسي ـ الحكومي في لبنان منذ عام 1943 وحتي اتفاقية الطائف لعام 1989، الأمر الذي سيعني أن معادلة المحاصصة بين الرئيس ورئيس الوزراء ورئيس المجلس النيابي وعدد ونسبة كل طائفة وقبيلة وعشيرة ومجموعة اثنية (أكراد ـ تركمان. . . ) في البرلمان والحكومة، الأمر الذي سيعين نوعاً من ديمقراطية تكرس عبر دستور دائم المعادلة الأقوامية (ما قبل الدولة) وهي سترتكس بالفعل الديمقراطي إلي إقامة دولة لا تعني بالكفاءات بل بالمجموعات الاثنية والطوائفية أكثر مما تُعني بلحمة وطن بأكمله، وهو أمر صعب ما لم يتم إنجاز دولة لاقتصاد السوق يمـــــكن أن تؤسس للدولة ـ المصلحة (
interest).
فأغلب أسماء الأحزاب الحالية والشخصيات الاعتبارية التي تقــوم اليوم علي تأسيس هذا الدستور المأمول هي واجهات لطوائف وكيانات عرقية. فالائتلاف العراقي الموحد علي سبيل المثال لا يجمع بشخصياته العلمانية والدينية بانتماءاتها وولاءاتها المختلفة من نسيج إلا نسيج الطائفي باعتبارهم جميعاًُ من طائفة واحدة حيث لا يتم إدخال أي طرف آخر من غير تلك الطائفة. ونفس الأمر ينطلق علي اللائحة الكردية واللوائح الصغيرة للتركمان والأشورية حيث يتم فك الأسماء السياسية وتصريفها علي أنها مرادفات للانقسامات المجتمعية السائدة هناك.
ومهما يكن من أمر البحث الموضوعي أن يقر بصعوبة أن يكون هنالك تطور نوعي باتجاه الدولة المعاصرة عبر دستور من النوع (الأوروبي)، كنموذجه الفرنسي الذي لا يسمح للنورمانديين أو الاليزاسيين... وغيرهما بنسب خاصة في الحكومة والبرلمان، علي اعتبار أن الوطن الواحد هو وطن للجميع بدون تمايزات عرقية أو طائفية، وذلك لأن فرنسا ليست العراق علي المستوي التاريخي المتمايز بالتفاصيل وبالأهم بالاقتصاد وبتجربة الدولة ـ الأمة ـ المصلحة، فإن الكثير من المظالم الطائفية والاثنية تراكمت عبر زمن طويل مما جعلها كامنة بصورة لا تسمح (بترف!) الطلب إليها أن تتجاوز ذاتها نحو علاقات أكثر حداثية تتجه نحو مفهوم (المواطنية) التي تعني بكلمة المصلحة المشتركة للجميع في وطن واحد بغض النظر عن الصورة الملتبسة لانتماءات أخري مخالفة أو هي حزء من التاريخ (الكينوني) للبشر الذي تعنيه حالة الولادة في طائفة أو قبيلة أو عشيرة أو عرق، وهذا ما يفسر أن انتقال البشر من دولة لأخري يفسح لهم في المجال أمام الحصول علي المواطنية إذا توافرت المصالح المشتركة لهم في عيش مشترك مع مواطني الدولة الأخري، وهذا ما يفسر لماذا تمنح بعض الدول الجنسية لمن يستثمر اقتصادياً فيها لفترة زمنية.
إذا تُشكّل الديمقراطية كاشفاً من الطراز الرفيع لواقع المجتمعات فهي تُسرّع في عملية الكشف الاجتماعي بإبراز التناقضات (أعني تناقضات ما قبل الدولة المعاصرة) إلي السطح؛ فالديمقراطية عندما تُنقل إلي مجتمعات لم تنضج فيها آلية الحراك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي: بحلّها لمشاكل الأقليات وصياغة مفهوم واسع للمواطنية وللمشاركة وترسّخ الشروط الاجتماعية والاقتصادية المتمثلة بالتقاليد البرجوازية والنمو الاقتصادي، والتعرّض للتنوير والنمو في معدلات التعليم، والمحافظة علي الطبقة الوسطي وإرثها السياسي. . الخ، نقول: إذا نقلت بغير تلك الشروط فإنها ستؤدي إلي تعميق ومأسسة التقسيمات العرقية والإقليمية القائمة ، وستفضح بلا رحمة صحة المجتمعات التي تعمل فيها، بدلاً من أن تجعلها ـ حسبما يتوهّم البعض ـ وبشكل آلي حضارية.
إن حداثة التجربة الديمقراطية تجعل تلك الدول تعيش إشكالية في مفهومها للغالبية حيث يتم الخلط بين الغالبية المجتمعية والأغلبية السياسية البرلمانية، إذ أن الأولي مضادة للديمقراطية وتؤدي إلي طغيان الديكتاتورية علي خلاف ما هو مرتجي من حيث سيادة الغالبية السياسية المبنية علي أساس البرنامج والفكر السياسي. ولا بد هنا من التحذير من أن تصور الديمقراطية بدون حاملها السياسي؛ أعني الدولة (النظام، الأمر، التراتيب) وعبر تعبيراتها السياسية علي المستوي الأفقي: الأحزاب، النقابات، المجتمع المدني، وبدون إرث عميق ومتجذر لهذا المستوي الأفقي الذي ينبري ولاءً غير ثابت يأخذ نسغه من الإيديولوجيات والمطالب الآنية والسياسية المباشرة واليومية ومن المثل الفكرية والاجتماعية الطارئة والمحدثة والمصالح الاقتصادية، بدون هذا الإرث تتحول الديمقراطية إلي عمل يعكس المستوي العمودي الأكثر تجذراً وهو المستوي الطائفي والعشائري والقبائلي والديني والمناطقي والحاراتي، وهو مستوي أكثر من ثابت، بل إنه متجذر في العمق وينبعث في زمن الجــــزر الســـــياسي عندما يغــيب مد الأحلام الكبيرة وتأثيرات المستوي الأفقي وتجذره الضعيف. وعندئذٍ تنقلب الديمقراطية إلي ارتكاس!!
فإذا كانت مهمة الديمقراطية أن تكمل ما أنجزته الدولة من تعيين الوعي المرتبط بالوطن، وبما يتحول إلي(قيمة) عصرية تضع كل المواطنين في حالة تساو أمام الدولة وإزاء الوطن، فإن ديمقراطية المستوي العمودي سترتكس بالوطن إلي تذرير يعكس ما قبل الدولة، وسترتكس بالمواطن إلي جذره الكينوني.
فإذا كنا نميّز بين عدة مستويات للانتماء كالانتماء بالكينونة وهو الانتماء المفروض مع الولادة والانتماء بالموقع وهو انتماء يفرضه العمل أو المكان والانتماء بالممارسة وهو الانتماء الذي يفرضه المرء علي سلوكه بالوعي، فإن ديمقراطية المستوي العمودي هي ديمقراطية الكينونة. ديمقراطية المفعول بهم؛ الذين لا حول ولا قوة لهم؛ ديمقراطية من لا يملكون الموقع ولا السلوك ولا الوعي. إنها فضلاً عن كونها ديمقراطية لا حضارية ولا تـمدنية ولا عصرية، فإنها تعود للانثناء علي نفسها لتلغي ذاتها.
هذا الواقع يطرح علينا سؤالاً في غاية الأهمية وهو: هل الديمقراطية حكم للأكثرية أم أنها حكم للأقلية النيابية التمثيلية تحت وهم الأكثرية؟ ثم كيف يمكن أن تتحدد هذه الأكثرية في بعض المجتمعات العربية التي تضم موزاييكاً طائفياً وإثنياً وعشائرياً ودينياً؟ أي هل ستتحدد هذه الأكثرية علي أرضية الأكثرية المجتمعية؟ أم علي أرضية الأكثرية الوطنية؟ ومن الذي يضمن ألا تتحول الأكثرية المجتمعية بصنوفها الموزاييكية إلي أكثرية سياسية، بل متي يمكن أن يتحول المرء من انتمائه ما قبل الوطني إلي انتماء وطني حقيقي؟ إن كل تلك الأســـــئلة تقف عاجزة عن أن تحدد وبدقة، التمايز المطلوب بين ما هـــــو وطني واجتماعي من مراحل ما قبل الدولة بالمنظار الحديث.
وكل ما سبق يجعلنا نضع تساؤلاً عما إذا كانت الديمقراطية حكماً فعلياً للأكثرية أم أنها ضمان للأقلية. ذلك أن الأكثرية
MAJORITY)) هي الراشد والأقلية (MINORITY) هي القاصر، والقاصر هو الأولي بالرعاية. فالديمقراطية هي النظام الذي تعترف فيه الأكثرية بحقوق الأقليات، علي اعتبار أن ما هو أقلوي اليوم، قد يتحول إلي أكثريٍ غداً؛ علي أن ندرك إدراكاً دقيقاً بأن المقصود هنا بالأقلي والأكثري ما هو بالمعني السياسي الوطني للكلمة. ومن هنا فإن الوعي الديمقراطي يجب ألا يقوم إلا علي الارتباط المتبادل، بين الوحدة التي يجسدها النظام التمثيلي البرلماني، وبين التنوع السياسي. وهنا بالضبط يجب التأكيد علي أن الديمقراطية هي ذلك الاعتراف، ليس فقط بالحقوق السياسية، إنما هي اعتراف بحق الإنسان كفرد، بالانتماء الكينوني والثقافي، وهذا ما لا يمكن ضمانه في المجتمعات العربية ما لم تُضمن سلفاً آفاق المواطنية التي تميز بين الانتماء إلي الوطن كانتماء أولي وبين بقية الانتماءات الأخري، وبحيث لا يتم تغليب الأخيرة علي الأولي. الأمر الذي يضمن حق الإنسان في التعبيرات المختلفة عن انتماءاته الكينونية دون أن يتعارض ذلك مع الانتماء الوطني والسياسي ودون أن يحدث ذلك الاختلاط، الذي كثيراً ما يحدث في فترات الجزر السياسي. وهنا يكون احترام الأقليات يتضمن إلي حد كبير إلغاء فكرة الأكثرية ذاتها، وهذا كله يتطلب شقين هما الثقافة الديمقراطية، والتركيبة المؤسساتية، في الوقت الذي تتحدد فيه الثقافة الديمقراطية بذلك الجهد المبذول للجمع سابق الذكر بين الوحدة والتنوع. ولا ضامن لحقوق الأقليات إلا في إطار القانون، إذ أن فكرة الديمقراطية لا تنفصل أبداً عن منطق الحقوق، مما يحيلنا بدوره إلي الثالوث المقدس! للوصول إلي الديمقراطية من دولة الإكراه إلي دولة القانون إلي دولة المؤسسات. فالديمقراطية ليست صفة تمثيلية للحكام فقط، إنما هي ذلك التكامل بين أبعادها الثلاثة: احترام الحقوق الأساسية، المواطنية، الصفة التمثيلية . فالارتباط المتبادل بينها هو الذي يكوّن الديمقراطية .
هنالك في سياق عملية تشكيل الدستور ما يستدعي التوقف عند التشكيل الأقوامي والطوائفي في منطوق الدستور القادم بمعني أنه لم يتم تحديد إحصاء دقيق يقطع بنسب الطوائف أو الأقوام في البنية العراقية الحالية.
إذ بينما يتحدث البعض عن غالبية شيعية يتحدث الآخرون عن ان قرابة 55% من العراقيين هم من السنة!
كما أن هنالك لبساً في تصنيف الأكراد والتركمان الذين غالبيتهم الساحقة من السنة لكن وسائل الإعلام اعتادت علي إحصائهم بين الشيعة، إضافة إلي أنهم يعتبرون أنفسهم أعراقاً أكثر مما يعتبرون أنفسهم طوائف في إطار الهرم الانتمائي السياسي، فضلا عن أن التركمان يميلون إلي اعتبارهم عرباً في اللحظة التي يستهدفون فيها من وزن الأكراد المحاذي لهم في مناطق تواجدهم خصــوصاً في غناها النفطي (كركوك).
ومن الصعب إقناع الأكراد بالتخلي عن الوضع المتميز الذي نالوه باعتبارهم علي مرمي حجر من إعلان الدولة المستقلة إن أرادوا ذلك بخلاف خطر الالتحام في مواجهة مع تركيا وسورية وإيران وهو أمر غير ممكن في ظل التوازن القائم حالياً علي المستوي الإقليمي ـ الدولي، ولهذا فإن لهم شروطاً ستكون إشكالية في دستور العراق المقبل ومنها:
ـ طلب الحصول علي منصب رئيس الجمهورية بالدوام أو التناوب.
ـ إلحاق كركوك بإقليم كردستان.
ـ تقاسم المداخيل الوطنية مع مركز الدولة.
ـ الإبقاء علي البشمركة كجيش مستقل أو ملحق بطريقة لا تفسح في المجال أمام الاندماج الذي لا يحمي إقليم كردستان من عوامل القوة.
ـ إقرار الفيدرالية التي ستعني دولة مقسمة ـ كوحدة!
ـ عدم قيام نظام إسلامي أو بشبهة طوائفية بمعني إقرار المصالحة الكردية علي حساب المصالحة الأقوامية ـ الطائفية الأخري وهو ما سيعني اصطداماً مع وقائع متناقضة.
ـ المحاولة لتكريس وقائع حكومية بالحصول علي وزارتين سياديتين دائماً.
علي هذا الأساس نستطيع أن نقول بكلمة إن مستقبل العراق ملتبس بسبب طبيعته الخاصة الأمر الذي سيخلق دستوراً لن يكون دائماً تماماً بل هو دستور لمرحلة تسدد حسابات مرحلة سابقة.
رئيس مركز المعطيات والدراسات الإستراتيجية بدمشق