القيادة السورية أمام مسؤولياتها

حسين العودات - السفير

 

كان بعض السوريين من أهل السلطة وخارجها قبل المؤتمر القطري العاشر يبحثون عن مبررات تعثر حل قضايا المجتمع الأساسية أو تأخر البدء في حلها، فيلقون اللوم تارة على مستشاري الرئاسة وطوراً على الحرس القديم، مرة على المتطرفين في أجهزة الأمن والأجهزة النافذة الأخرى، ومرة ثانية على ترهل الحزب وانشغاله بالتدخل في شؤون إدارة الدولة والسعي الحثيث لتحقيق مصالح منتسبيه، حتى أصبح الانتساب للحزب سبيلاً لسد الحاجات والمصالح ثم وصولاً إلى الامتيازات والغنى والجاه، كان البعض يرى العقبات في تغول الفساد والمفسدين الذين ابتلعوا الثروة الوطنية بينما يراها البعض الآخر في الآلية التي وضعت السلطةُ الدولةَ بها وسكتت عن تداخل السلطات وهيمنة السلطة التنفيذية على بقية السلطات، ثم أخيراً هيمنة السلطة الأمنية على الجميع. حتى ان السوريين لم يعودوا يعرفون أين تقع مفاتيح الإصلاح أو التطوير والتحديث ومن هم حاملو هذه المفاتيح، وما هي الوسائل والأدوات لتحقيق هذا الهدف، وكاد المرء في بعض المراحل لا يلمس وجود سلطة مركزية ملمة بكل شيء قادرة على مواجهة ما تحتاجه البلاد. خاصة أن مفاهيم الإصلاح التي كانوا يتحدثون عنها كانت تتجنب ذكر الإصلاح السياسي أو اعتباره الأولوية الأولى وجوهر الإصلاح وخطوته الرئيس، فيشيرون مرة إلى الإصلاح الاقتصادي وأخرى إلى الإصلاح الإداري وثالثة إلى مواجهة الفساد ورابعة إلى فصل الحزب عن الدولة، ولم يشهد السوريون على نطاق الواقع المحسوس لا إصلاحاً اقتصادياً ولا إدارياً ولا مواجهة فساد ولا فصلاً للحزب عن الانشغال بيوميات إدارة الدولة، ولم يصل التطوير والتحديث في النهاية إلى جوهر المصاعب والعقبات، وبقي المجتمع يراوح في المكان الذي كان فيه، والظروف تتغير والشروط الداخلية والإقليمية والدولية تتبدل والنظام وأهله ثابتون على ما هم عليه فرحون بأن مواقفهم ثابتة، دون أن يصدقوا أن المواقف الثابتة لا تصلح لاستيعاب ظروف متحولة؟
لعل الأمر تغير بعد المؤتمر القطري العاشر، فقد قيل لنا من خلال التصريحات الرسمية ولمسنا ذلك من خلال تقرير المؤتمر النهائي الذي نشر، ان المؤتمر ناقش (جميع القضايا) السياسية (من خلال لجنته السياسية) بما في ذلك السياسة الداخلية وشؤونها وشجونها وتشعباتها ونجاحاتها وإخفاقاتها، وكذلك السياسة الخارجية الإقليمية والدولية، والضغوط الأجنبية والأوضاع في فلسطين والعراق ولبنان وغيرها، و(جميع القضايا) الاقتصادية (من خلال لجنته الاقتصادية) بما فيها انخفاض الناتج المحلي الإجمالي (الدخل القومي) وتدني مستوى حياة الناس ومشاكل القطاع العام والبطالة والهدر والخصخصة وغيرها، وقبل ذلك مواجهة الفساد بجدية ومنهجية وهو آفة الآفات والمعيق لتطور الاقتصاد الوطني، ونوقشت القضايا التنظيمية (من خلال لجنة المؤتمر التنظيمية) التي من المفروض أن تكون قد ناقشت بنية الحزب وشكله التنظيمي وشروط العضوية وعلاقته بالدولة وتفعيل دوره السياسي والاجتماعي، وسبل وضعه في طريق المنافسة الحرة المقنعة التي لا علاقة لها بسلطة الدولة ولا بامتيازاتها. كما قيل لنا من خلال نتائج المؤتمر أنه نحّى الحرس القديم وأتى بقيادة شابة منسجمة واتخذ توصيات تخفف غلواء أجهزة الأمن، وأكد مفاهيم التعددية وتكافؤ الفرص واحترام الحريات وتقييد تطبيق قانون الطوارئ والالتزام بالكفاءة والمساواة بين الجميع ورفض المحسوبية وغيرها، قيل لنا كل ذلك وأكثر من ذلك سواء بالتصريحات الرسمية أو بالتوصيات المعلنة، مما يؤكد أن مؤتمر الحزب اطلع على أوجاع المجتمع وصعوباته من جهة، وانه فوض القيادة الجديدة بمواجهتها بملء المسؤولية من جهة أخرى. وهكذا لم يعد يحق لأحد أن يقول لنا إن بطء التغيير والتطوير والإصلاح يعود لعدم الدراية أو لخداع البطانة أو بسبب وجود الحرس القديم أو للتداخل بين صلاحيات الحزب والدولة أو لأسباب أخرى خافية، ذلك أن المصاعب والعقبات كلها أصبحت معروفة ليس لأعضاء المؤتمر فحسب بل للناس جميعاً وعلى مختلف مستوياتهم الثقافية وبيئاتهم الاجتماعية وتياراتهم السياسية.
قيل لنا إن المؤتمر شخّص القضايا ووصف الصعوبات وسلط الضوء على المشاكل وأقر توصيات مفصلة لحلها، وفي ضوء هذا لم يعد بالإمكان إذاً البحث مستقبلاً عن حجج ومبررات للتقصير والتردي واستمرار المنهج السابق وأدواته وأساليبه، فقد وُضعت القيادة السياسية الآن أمام مسؤولياتها، وينتظر الناس منها مواجهة هذه المسؤوليات، وأظن أن ما من أحد يقتنع بعد الآن بأي مبرر شكلي أو لفظي للتقصير، أو مسوغ غير واقعي للهروب من المسؤولية وإلقائها إلى المجهول.
وسواء كانت قرارات المؤتمر وتوصياته كافية أو غير كافية فهي فضفاضة للدرجة التي تسمح للقيادة بأن تجتهد إلى أبعد حدود الاجتهاد، وتقرر وتمارس مسؤولياتها بشجاعة ومسؤولية معتمدة على مرجعية هذه القرارات والتوصيات. إن السوريين ينتظرون الآن فعالية القيادة السياسية الجديدة في المرحلة المقبلة، أم تراهم لا بد أن ينتظروا أعواماً أخرى ليسمعوا مبررات ومسوغات جديدة للتقصير؟
الشيء الأكيد أن الناس لم يعودوا يقبلون أرباع الحلول، أو العمليات التجميلية لقضاياهم الصعبة، أو القرارات الدعائية التي تعجز عن رفع مستوى عيشهم وكفالة حرياتهم وكرامتهم، ويبدو أن الجميع في الانتظار وأن مسؤولية القيادة السياسية الجديدة هي من أكبر المسؤوليات التي مرت على أية قيادة أخرى منذ زمن طويل.
(
) كاتب وناشر سوري