التغييرات الامنية في سورية  

 القدس العربي

 

يبدو ان عجلة التغيير في سورية بدأت بسرعة لم تكن متوقعة، فبعد اطاحة معظم رموز الحرس القديم من القيادة القطرية لحزب البعث، فاجأنا الرئيس بشار الاسد بابعاد اهم القيادات الامنية في عهده، اي اللواء بهجت سليمان رئيس فرع الامن الداخلي وتثبيت اللواء آصف شوكت رئيسا لشعبة الامن العسكري.
هذا التغيير الذي طال اهم مفاصل العصب الامني الحساس في الدولة قضي علي ازدواجية كانت قائمة منذ تولي الرئيس بشار زمام الامور في البلاد خلفا لوالده. فالأمن السوري كان دائما متعدد الرؤوس ومراكز القوي، ولكنه كان ايضا محور تجاذبات وتنافسات بين اهم رأسين هما اللواءان سليمان وشوكت، ادت الي خلق العديد من المشاكل والاحراجات للنظام، وسقوط الكثير من الضحايا من المواطنين الابرياء.
الصراع لم يكن علنيا، ولكنه كان معروفا للكثيرين داخل المؤسسة الحاكمة وبعض اطرافها، وتثبيت اللواء شوكت وابعاد خصمه سليمان يعنيان، وبكل بساطة، ان اللواء شوكت بات رجل المرحلة القوي امنيا، ان لم يكن سياسيا ايضا، فقد كان لافتا التركيز في كل القصص الاخبارية التي تناولت عملية التغيير هذه علي مسألة حصوله علي درجة الدكتوراه في التاريخ من احدي الجامعات الشرقية.
وكان لافتا ابعاد اللواء هشام اختيار من دائرة المخابرات العامة وتعيين اللواء علي المملوك مكانه، ولكن ما يثير المخاوف في هذه التعيينات بالذات، هو التمسك ببعض القيادات الامنية التي ارتبطت بحالات التعذيب وانتهاك حقوق الانسان بالنسبة الي المواطنين السوريين، والمعتقلين منهم خاصة.
صحيح ان اللواء اختيار كان من القيادات الامنية التي ارتكبت في عهدها ابشع جرائم التعذيب في السجون والمعتقلات، وابعاده عن منصبه اثار موجة من الارتياح في صفوف دعاة حقوق الانسان، ولكن ما يمكن ان يبدد هذا الارتياح وبسرعة، هو تعيين اللواء حسن خلوف نائبا للرئيس الجديد للمخابرات العامة، فاللواء خلوف كان رئيسا لفرع فلسطين في الامن العسكري، وهو فرع كان متخصصا في استجواب المعتقلين بطريقة تقشعر لها الابدان، فكل مواطن عربي سوري او غير سوري جري احتجازه او استجوابه من قبل المحققين في هذا الفرع خرج حطاما من شدة التعذيب النفسي او الجسدي.
ان الاقدام علي خطوات كبيرة كهذه، بهدف اعادة ترتيب البيت الامني الداخلي يعكس رغبة قوية لدي الرئيس بشار الاسد لتكريس دولته، وتثبيت دعائم نظام حكمه، فهؤلاء هم رجاله الذين اختارهم بنفسه، وكونه بدأ بالامن، وليس بالاقتصاد، او السياسة، فهذا يعني انه يريد ان يبدأ في اعادة ترتيب المؤسسة الامنية مصدر العلل في النظام، مثلما هي مصدر كل شكاوي المواطنين السوريين. ويظل السؤال هو عما اذا كان الرئيس بشار يريد تفكيك دولة المخابرات من خلال اعادة بنائها علي اسس حديثة، ام انه يريد تعزيز قبضتها من خلال وضع رجاله أهل الثقة فيها؟ الاجابة علي هذا السؤال تحتاج الي مزيد من الوقت والمراقبة، ولكن من الواضح ان هناك توجها بالغاء التعددية في الاجهزة الامنية ودمجها في ثلاثة اجهزة قوية، هي المخابرات العامة، والامن العسكري والامن القومي.
الامر المؤكد ان الرئيس السوري الشاب يواجه تحديات كبيرة، ويقف امام اختيارات صعبة للغاية، فالضغوط عليه باتت متعددة الاتجاهات فهناك ضغوط داخلية تطالب بالاصلاح السياسي والاقتصادي والغاء دولة المخابرات المرعبة التي جثمت علي صدر الشعب السوري لاكثر من ثلاثين عاما، وهناك الضغوط الامريكية التي تريد ان تجعل من سورية مخلب قط لها في العراق، تتصدي للمقاومة العراقية، وتتعاون استخباريا مع القيادة الامريكية التي تريد اجتثاثها.
الرئيس بشار الاسد قال في خطابه المغلق في المؤتمر القطري لحزب البعث ان الحزب لا يملك الدولة بل جاء لخدمة مواطنيها، وحان الوقت لوقف كل محاولات الاستيلاء علي مقدرات الدولة ونهبها، والعمل من اجل تخفيف الاعباء علي المواطنين.
الطرح الجيد والاعتراف بالخطأ ايضا فضيلة، والمهم الآن هو كيفية ترجمة هذا الطرح عمليا علي ارض الواقع، والانطلاق من الاعتراف بالأخطاء نحو عملية تصحيحها بجدية وفي اسرع وقت ممكن.