حزب الشعب الديموقراطي وتحدي بناء الذات

 ياسين الحاج صالح - السفير

 

عقد الحزب الشيوعي المكتب السياسي مؤتمره السادس بعد 26 عاما من الانقطاع، وقرر فيه تغيير اسمه إلى حزب الشعب الديموقراطي السوري. بين المؤتمر الخامس في نهاية عام 1979 والسادس في أواخر نيسان 2005 تغيرت أشياء كثيرة جدا إلى درجة أنه قد يكون من الأسهل التساؤل عما لم يتغير.
بين التغيرات الأساسية أن معظم أعضاء الحزب قد اعتقلوا خلال عقد الثمانينيات ولم يفرج عن أكثرهم إلا خلال عقد التسعينيات، آخرهم في عام 2000. منها أن نخبة السلطة أمعنت في التنكيل بشعبها ونهب الثروة الوطنية، فأودعت عشرات الألوف في السجون وعشرات المليارات من الدولارات في المصارف الأجنبية (الترابط بين الأمرين أكيد، ويرتفع إلى مرتبة قانون). منها أن الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي قد انهارا وفقد العرب والسوريون حليفا وسياجا حاميا، وفقد الشيوعيون في كل مكان نموذجا سياسيا واجتماعيا يستندون إليه. منها اختلال عميق للوظائف المعرفية والسياسية والتعبوية للماركسية. لقد مس التغير الحزب ذاته وبلده ومجتمعه والنظام الإقليمي والدولي حولهما، فضلا عن مرجعيته الفكرية.
كانت <<الزمرة التحريفية الانتهازية المغامرة>>، وفقا للوصف الذي أطلقه عليها المرحوم خالد بكداش غب انقسام الحزب الشيوعي السوري عام 1972، قد انخرطت في عملية سياسية وفكرية، آلت إلى تحولها بعيدا عن الحساسية الشيوعية برموزها وأذواقها ولغتها ومواقفها. الاستقلالية التي نادت بها <<الزمرة القومية>>، وفق نعت بكداشي آخر، اكتسبت شيئا فشيئا مضامين فكرية وسياسية إيجابية. فقد تحول مركز هوية الحزب من العقيدة الشيوعية إلى السياسة السورية والعربية. كانت ركيزة الاستقلالية الإيجابية، وقتها، الفكرة القومية العربية (نتذكر اننا في مرحلة ما بعد حزيران 1967، وقبل شيوع مناخات الحرب الأهلية بدءا من لبنان وإطباق يد الطغيان الثقيلة على رقبة المجتمع بتصاعد لاهث في النصف الثاني من السبعينيات). وفي موازاة ذلك تعلمنت صورة الحزب ونزع عن نفسه القداسة، وبات التوكيد الشيوعي المألوف باننا الحزب الثوري الوحيد أو الشيوعي الحقيقي الوحيد بعيدا نسبيا عن أذواقه.
عملية التحول من العقيدة إلى السياسة كانت في خلفية مساهمته في تأسيس التجمع الوطني الديموقراطي أواخر السبعينيات. فقد تأسس التقارب السياسي لأحزاب التجمع على تباعدها المشترك عن اصولها العقيدية ومنح السياسة مقاما مستقلا عنها. كان ذلك شيئا مهما وطليعيا وقتها، حتى لو كان أداء التجمع ركيكا وحضوره باهتا اليوم.
صراع مزدوج
لم
تكن بلا ثمن وبلا صراع تلك التحولات، وهي لا تشبه في حال سيرورة اكتساب وعي سلسة. ثمة مسار متعرج ومعقد ودنيوي جدا وصراعي وغير متسق للتحول نحو السياسة والديموقراطية. حين نتحدث عن مسار صراعي نقصد صراعا داخليا على روح الحزب وتوجهه، وصراع مع السلطة التي اعتقلت اول عضوين فيه في يوم الأرض عام 1976 ليفرج عنهما في عام 1980، العام ذاته الذي شهد خريفه حملة كاسحة ضد الحزب دشنت في وقت دال: يوم وقع الرئيس حافظ الأسد معاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفياتي في 5/10/1980.
مقابل التحول من العقيدة إلى السياسة جرت انقسامات متتالية للحزب الذي ظل حتى أواخر السبعينيات ينافس على تسمية الحزب الشيوعي السوري وعلى الشرعية الشيوعية، والذي لم يتقبل علنا كنية <<المكتب السياسي>> إلا في السنوات التي تلت عودته إلى النشاط بعد عام 2000. إلى الانقسامات خبر انفصام شخصية مترق بدءا من النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين. كان شيوعيا وماركسيا، بل ماركسيا لينينيا، حتى في مؤتمره الخامس الذي كرس استقلاليته كحزب ديموقراطي متوفر على تحليل أساسي للوضع السوري ومكافح علنا من أجل التغيير الديموقراطي. تعلمن الحزب لكنه وقع في الفصام. ودفع ثمن ذاك الفصام خللا مستمرا في تماسكه الداخلي وأجواء شقاق مستمرة تستعيد، عند كل منعطف، التجربة المكونة له، وهي تجربة انشقاق.
كان التحول من العقيدة للسياسة يقتضي تفتحا مضطردا في الفكر وحياة سياسية نشطة وآمنة. في غيابهما، بل في حضور نقيضيهما في سوريا الربع الاخير من القرن العشرين، تحقق التحول على حساب تماسك الحزب ووحدته. وستتفجر هذه الأعراض في أسوأ الظروف: السجن، حيث ستنقسم الشخصية المنفصمة اصلا على نفسها: عقيديين وسياسيين. كان دالا أن العقيديين هم الذين كانوا أكثر اعتدالا حيال السلطة، وهم محرفون للخط التحريفي للمؤتمر الخامس 1979، وتاليا عائدون للارثوذكسية.
على أن من منافع عملية العلمنة المذكورة تجنب الإصابة ب<<البارانويا>>، ذلك المزيج من جنون الاضطهاد والعظمة، الاستبعاد والتفوق، المؤامرة والرسالة. وهو المرض النوعي للحزب العقيدي، في سوريا وغيرها. الفصام مرض علماني بالمقابل. ولعل الوقوع في الفصام هو ثمن الشفاء من البارانويا.
تحوله إلى حزب الشعب الديموقراطي يعالج من حيث المبدأ انفصام شخصيته، لكن كل تحديات بناء الشخصية لا تزال أمامه. هو اليوم بريء من انفصام الشخصية، لكن لأنه بلا شخصية واضحة المعالم بعد.
ولعله من باب الخشية من المرور بمرحلة انعدام وزن وامحاء شخصية، وصف المؤتمر الذي عقد مؤخرا بأنه المؤتمر السادس لحزب الشعب الديموقراطي. هذا الوصف الذي نجده في وثائق المؤتمر مربك ويشير إلى مشكلة في الوعي الذاتي للمؤتمر والحزب المتمخض عنه. فحزب الشعب الديموقراطي عمره أقل من شهرين. والمؤتمر السادس للحزب الشيوعي المكتب السياسي هو ذاته المؤتمر الأول أو التأسيسي، وليس السادس، لحزب الشعب الديموقراطي. ولا ريب أن <<تسديس>> المؤتمر يعكس تغليب عنصر الاستمرارية على عنصر الانقطاع. وتسويغ التسمية التي اقترحت أثناء انعقاد المؤتمر مقابل اسم الحزب الديموقراطي الاجتماعي التي اقترحت في الصياغات التجريبية لبعض وثائقه قبل عام ونصف، ولا تزال موجودة خطأ في موقع واحد من إحدى الوثائق الأربع (البرنامج السياسي) التي صدرت عنه، أقول تسويغها بأن حزب الشعب هو أول اسم اتخذه الحزب الشيوعي السوري في عشرينيات القرن الماضي يحيل على التغليب ذاته.
على أن للاستمرارية فوائد لا تنكر. فتاريخ الحزب الشيوعي المكتب السياسي يتيح لحزب الشعب الديموقراطي ان يحتل موقعا استراتيجيا في الحياة السياسية والحزبية والإيديولوجية السورية. فقد كان حزبا شيوعيا، منح اهتماما كبيرا للفكرة القومية العربية في مواجهة نزعة أممية مجردة كانت غطاء للتبعية للمركز السوفياتي، وتحرر مبكرا نسبيا من التمركز حول الذات الحزبية وكف عن تمجيد ذاته، وحمل النظام وليس الإخوان المسلمين المسؤولية الأولى عن انفجار أزمة الثمانينيات. وهو لا يبدي اليوم أية حماسة لنفي تهمة التعاون مع الإخوان التي ألصقها به النظام، رغم أنها بالفعل غير صحيحة.
يمنحه ذلك من حيث المبدأ موقعا توسطيا يمكنه من التواصل مع التيارات الإيديولوجية والسياسية السورية على اختلافها وتنوعها. بل إن من شأن سياسة ديناميكة وشيء من التوفيق أن يمكنانه من المساهمة في إعمار موقع الاعتدال الشاغر في سوريا، وأن يسهما في منح البلد الذي لا مركز توازن واعتدال فيه (بالنظر إلى أن الجهة الأكثر تطرفا وعنفا وحزبية وسرية هي... <<الدولة>>)، مقرا للتوازن والعمومية حطمه الحكم البعثي المديد. هذا تحدّ قدر ما هو فرصة. العوائق دونه تعادل ميزاته.
من أجل ذلك يحتاج الشعبيون الديموقراطيون والحركة الديموقراطية السورية إلى نقلة في سياسة التحالفات تعادل المساهمة في تأسيس <<التجمع الوطني الديموقراطي>> من شيوعيين وناصريين وبعثيين وقوميين ماركسيين في اواخر السبعينيات. في أجواء اليوم، وبالخصوص بعد مؤتمر حزب البعث، تبرز الحاجة إلى تجديد الحياة السياسية السورية لمواجهة تحديات أوضاع خطرة، يعتقد كثيرون، ونحن منهم، أن سلامة البلاد وتماسكها بالذات معرضان فيها. تجديد الحياة السياسية يمر ضرورة ببناء كتلة تغييرية واسعة تشمل إسلاميين وبعثيين إصلاحيين وأكرادا وعلمانيين، تعمل على إخراج سوريا من أزمة تفوق الأزمة التي كانت تطرق أبوابها حين عقد سلف حزب الشعب الديموقراطي مؤتمره الخامس.
لنتذكر: في أواخر 1979 وفي وقت متقارب عقد كل من حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي المكتب السياسي مؤتمرا مهما في تاريخ كل منهما. انتصر في مؤتمر الحزب الأول التيار الاستئصالي، رغم أن المؤتمر توفر على تشخيصات سليمة لجذور الأزمة المتفجرة وقتها (تشخيصات أمست من المكبوت السياسي البعثي). في مؤتمر الحزب المعارض جرى انقسام جديد، ونأى المنقسمون الجدد بأنفسهم عن نهج سياسي مواجه للسلطة، والتحقوا بالحزب الأب الذي كان فاز برضا السلطتين الدمشقية والموسكوفية. بعد أقل من العام كانت السلطة التي تحكم باسم الأول تعتقل معظم أعضاء الحزب الثاني. كان الإخوان المسلمون حاضرين غائبين في المؤتمرين.
الوضع مشابه اليوم. عقد الحزبان، الحزب الذي يقارب أعضاؤه المليونين والحزب الذي يطمح إلى أن يبلغ أعضاؤه الألف، مؤتمرين على أعتاب ما قد نراه بعد سنوات أو ربما أشهر أزمة مصيرية في تاريخ سوريا. الإخوان المسلمون حاضرون غائبون في المؤتمرين. أزمة اليوم متناسلة مباشرة من سالفتها: نظام سياسي ضعيف الصفة التمثيلية وغير قادر على توفير العدالة والوحدة الحية للسوريين ولسوريا، إن لم نقل إنه منتج لكثير من الضيم وقليل من العدل، لكثير من التفرق وقليل من التقارب. في الظاهر صراع بين السلطة والإخوان المسلمين، لكن في الأساس نظام سياسي ضيق ومتصلب المفاصل، يقمع المعارضة السلمية ويسحق المعارضة العنيفة ولا يقبل غير الولاء المطلق له. المقاربات الحقوقية التي تتكلم اليوم عن قانون أحزاب دون أحزاب اثنية أو دينية تغفل مشكلة التمثيل، وتبدو منشغلة بتدفيع المجتمع السوري ثمن السياسات والامتيازية غير المسؤولة للنظام الذي أنجب الأحزاب الأهلية ولم ينجب غيرها.
سجل جديد
أسهم حزب الشعب الديموقراطي عبر مؤتمره ووثائقه الأربع (تقرير سياسي مطول، موضوعات فكرية، برنامج سياسي، نظام داخلي) وعبر إطلاقه مبادرة تدعو إلى <<مصالحة تاريخية بين التيارات الأساسية لشعبنا تقطع مع الاستبداد>>، وعبر تغيير قيادته في تنشيط الدينامية الحزبية السورية. وفتح لنفسه سجلا جديدا للصح والخطأ. هذا أهم من أي شيء آخر. يتعرض أحيانا للنقد من شيوعيين مقيمين على السياسة الشيوعية الصحيحة. هم على حق. لكنه حق صغير، خامل، عقيم، لا يفتح بابا لجديد ولا يغلق بابا لقديم.
السياسات الصحيحة هي تلك التي تحرر الدينامية السياسية او التي تفتح أبوابا جديدة وغير مألوفة للعمل العام و... لارتكاب الأخطاء. وأسوأ السياسات هي السياسات التي تنطلق من مفهوم معياري للسياسة الصحيحة، مفهوم لا يمكنه إلا أن يكون إيديولوجيا ومحافظا. وفي الغالب يكون الخوف من الفشل هو عينه الخوف من النجاح والخوف من الخطأ هو الخوف من المبادرة والديناميكية.
خروج رياض الترك من منصب الأمين الأول بداية صعبة ولا مفر منها لحزب الشعب الديموقراطي، وتتويج مشرف لمسيرة الرجل. وهو كذلك بعض ثمن العلاقة الحرة التي يمكن للحزب الوليد أن يقيمها مع التاريخ البطولي، المفعم بالتمزقات والصراعات والتحولات والتضحيات، للحزب الشيوعي المكتب السياسي.
يواجه الحزب الجديد تحديا ضخما: تحدي بناء الذات. النجاح فيه ليس مضمونا لكن لا بديل عن الإقدام عليه. والفشل المحتمل فيه ليس برهانا على سلامة الإحجام.
(
) كاتب سوري