شكراً أنصار السيد الرئيس....

فايز سارة....السفير

نشطت في البلدان العربية حركة تطالب بالإصلاح في خلال السنوات الاخيرة، وكان الجوهري في تلك الحركة، انها انطلقت من ضرورات الاصلاح السياسي، وهو مفتاح للدخول في ميادين اخرى من الاصلاح الاقتصادي الى الاجتماعي والثقافي وغيرها من المجالات. وانتقلت حركة المطالبة بالاصلاح من اطر نخبوية محدودة غالبيتها من المثقفين ونشطاء سابقين في جماعات سياسية، لتشمل اطراً اوسع، حيث انضم الى حاملي رايات الاصلاح فعاليات اجتماعية واقتصادية ورجال دين وطلاب، من دون ان يعني ذلك، ان دعاة الاصلاح صاروا جمهوراً واسعاً، لكنهم بالتأكيد صاروا مجموعة يحسب حسابها في المعادلة الداخلية حيناً وفي تأثير نشاطها على الرأي العام في العالم، وقد بات يتابع لاسباب متعددة الاوضاع في العالم العربي.
ويبدو ان يأس بعض دعاة الاصلاح في البلدان العربية، او اقتناعهم بعدم قدرة حكوماتهم على الذهاب في مشوار الاصلاح، دفعهم للمضي نحو رأس النظام السياسي، وهو مقام رئاسة الجمهورية، رافعين شعار <<لا للتمديد، لا للتوريث>>، وهم في هذا كانوا يتطلعون للخروج من سياق ساد في اغلبية البلدان العربية، وهو اجراء استفتاء نتائجه معروفة مسبقا، يجدد وجود الرئيس في منصبه بنسبة تكاد تكون مطلقة، كما انهم بشعارهم، كانوا يأملون عدم الوقوع في تحول الجمهوريات الى وراثيات، حيث يرث الابن منصب ابيه في رئاسة الجمهورية، ويصبح رئيساً، وهذا يؤهله لاحقاً للدخول في مسار التمديد، وربما التوريث اللاحق.
ولأن مطالب الاصلاحيين فيها قدر كبير من الحقوق والضرورات، فلم يكن بمقدور الانظمة وقادة الانظمة العربية، ان يرفضوها مباشرة، فاتجهوا للالتفاف عليها، إما في التوجه نحو مسارب فرعية للاصلاح للبدء من الاصلاح الاداري او الاقتصادي مثلاً، او في اجراء تعديلات دستورية وقانونية ذات ملمح اصلاحي. وفي الحالتين، كان الهدف ترسيخ ما هو قائم في مسار وممارسة تلك الانظمة من جهة، والايحاء من جهة اخرى، ان القادة وانظمتهم يمضون الى الاصلاح، لكن وفقاً لما تسمح به الظروف المحلية بما فيها من تشعبات وتفاصيل لا يمكن حصرها.
وكان من الطبيعي في مواجهة الواقع، ان يستمر دعاة الاصلاح بمطالبهم مضافاً اليها محاولة الكشف عن المعاني الجوهرية للخطوات والاجراءات التي يتخذها القادة وانظمتهم لتنفيس مطالب الاصلاح، ما فرض على القادة والانظمة البحث عن خطوات اخرى هدفها مواجهة مطالب الاصلاح عبر نقلها الى الشارع، وكان بين التجسيدات الاولى لهذا التطور، دفع متحشدين من انصار النظام لمواجهة اعتصامات وتظاهرات المطالبين بالاصلاح ودعاته، وهناك مثالان يمكن الاستدلال بهما، اولهما مثال من سوريا، حدث في آذار الماضي عندما اعتصم امام قصر العدل في وسط دمشق مئات من المطالبين بانهاء حالة الطوارئ المطبقة في البلاد منذ اثنين واربعين عاماً، فدفعت اجهزة الامن السورية مئات من طلبة جامعة دمشق حاملين الاعلام السورية وصور الرئيس للاعتداء على المعتصمين بالضرب ووصفهم ب<<الخونة>> و<<العملاء>> وسط هتافات بحياة الرئيس السوري. والمثال الثاني من مصر، وجسده الاعتصام الاخير امام نقابة الصحافيين المصريين بالقاهرة في سياق حملة معارضة <<التمديد والتوريث>>، وقد قوبل بتظاهرة كبرى نظمها الحزب الحاكم هدفها اظهار قوة الموالاة، وتأكيد خيارها في التجديد للرئيس مبارك لفترة رئاسية جديدة. ولم يكتف متظاهرو الحزب الحاكم من انصار الرئيس بالهتافات والشعارات المضادة لما يطرحه المعتصمون، بل ذهبوا الى حد الاعتداء عليهم، واستباحوا مجموعة من المعتصمات واعتدوا عليهن... وبقية التفاصيل معروفة.
وكما هو واضح، فإن هذا التطور يعني ادخال المجتمع في صراع حاد ومباشر، عبر تقسيمه الى معارضة وموالاة، وتقديم كل الدعم والتغطية السياسية والامنية للموالين، ولكل ما يمكن ان يقوموا به من ارتكابات ضد المعارضين او المطالبين بالاصلاح، وهو امر قد يتطور في اتجاه تصعيدي في التأسيس نحو حرب اهلية، خاصة اذا تم الذهاب الى تشكيل <<حركة شعبية>> يتجاوز هدفها المشاركة في الحراك الاجتماعي والسياسي الى فرض تنفيذ املاءات القوة والارهاب على المجتمع، وهو ما يمكن ملاحظته في ولادة <<حركة الاستمرار>> التي اعلن عن تأسيسها الاسبوع الماضي في القاهرة.
وقال بيانها، ان هدفها <<كشف المغرضين والمضللين والخونة الذين يعملون لحساب القوى الخارجية التي تستهدف أمن الوطن واستقراره>>، في اشارة واضحة لدعاة الاصلاح ومعارضي التمديد والتوريث. ثم اضافت الحركة في بيانها وضع المصريين امام واحد من خيارين: إما انتخاب الرئيس لولاية جديدة، او <<جلب الخراب والدمار والتخلف لشعبنا>>.
لقد بات واضحا الهدف الذي يذهب اليه دعاة التمديد من انصار السيد الرئيس، والشق الاول فيه شن حملة اتهامات مدمرة ضد كل من يعارض، ووصفه بأبشع اوصاف الخيانة الوطنية. والشق الثاني، تأكيد ان البديل لفرض موقفهم دفع البلاد والعباد الى الدمار والخراب، وهم في هذا يؤكدون أكثر من أي وقت مضى على اطروحات النظام، والتناغم معها الى ابعد الحدود. واذا كان ذلك واقع الحال في مصر، فان الواقع في أكثر من بلد عربي لا يختلف عنه بكثير، ولهذا يحق لنا نحن العرب ان نقول لهؤلاء: شكراً ايها السادة!
(
) كاتب سوري