هل ُرفعت المظلة السعودية عن النظام السوري....

احمد موفق زيدان....الشرق الاوسط

 


بعيداً عن تفسير طلب نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام علي أنه استباق للضغوط الأمريكية وهروب من وضع صورته علي ورق اللعب الشدة أو الكوتشينه ، أسوة بقادة البعث العراقي، إلا أن هذا الطلب المفاجئ ينبغي أن يقرأ في سياق أبعد من ذلك، وبكل تأكيد أبعد من سياق الصراع بين أجنحة الحزب وخلافه مع وزير الخارجية السوري فاروق الشرع، فخدام الذي خدم النظام السوري لعقود مديدة، وكان ظل حافظ الأسد مؤسس نظام آل أسد في سورية، لا يمكن له أن يتخذ هذا القرار كرد فعل علي الشرع أو غير الشرع لكون القضية أعمق من ذلك بكثير.
إن هذه الاستقالة من خدام رسالة إلي كل قادة البعث المسؤولين بشكل مباشر عما حل في سورية بأن ينفدوا بريشهم رافعين شعار أنج سعد فقد هلك سعيد .
السياق الذي ينبغي أن يقرأ فيه ذلك هو علاقة خدام القوية مع المملكة العربية السعودية، وعلاقته مع رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، إذ كان خدام المسؤول السوري الوحيد الذي شارك في جنازته، ربما لعلاقة الطرفين المميزة، بسبب علاقتهما المشتركة مع المملكة، وبالتالي طلبه إعفاءه من هذه المسؤوليات يشير إلي مفاجآت، وأكرر علي كلمة مفاجآت قد يشهدها المشهد السوري، سيما وأن ذلك تزامن مع معلومات عن طلب واشنطن من سفراء عرب لديها بالضغط علي النظام السوري، وتغيب عن اجتماع السفراء العرب مع المسؤول الأميركي الذي حصل في بيت السفير اليمني سفير النظام السوري.
وكان توقف ولي العهد السعودي الأمير عبد الله في دمشق بعد زيارته إلي واشنطن، مؤشراً مهمّا علي تدهور العلاقات والرسائل التي حملها عبد الله إلي دمشق، مبلغاً إياها بالمطالب الأمريكية، تبع هذا إعلان نائب الرئيس السوري رفعت الأسد وابن شقيق بشار عزمه العودة إلي سورية، ومعروف علاقة رفعت القديمة بالأمير عبد الله، إذ أنه لا يستبعد أن يكون ضمن ممارسة الضغوط التي بدأت تطفو علي السطح ضد النظام السوري.
فالمملكة العربية السعودية كانت تنظر إلي الحريري علي أنه من أهم ركائز سياستها في منطقة بلاد الشام، وبالتالي قتله واستهدافه استهداف للسياسة السعودية في المنطقة، خصوصاً وأن المملكة لم تبرأ النظام السوري من عملية القتل، كون النظام السوري بالنهاية هو المسؤول عن الأمن في لبنان، بسبب وجود قواته وأجهزة مخابراته هناك.
لا شك أن الرياض منزعجة من دمشق منذ اغتيال الحريري، وعلي الرغم من عدم صدور أية تصريحات سعودية إزاء الأمر بسبب السياسة السعودية المعروفة بتحفظها، إلا أن ذلك يٌلحظ بوضوح من خلال أمرين اثنين، الأول: الإعلام المحسوب علي المملكة من المقروء والمرئي، والذي يُعرّض بشكل يومي بالنظام السوري وسياساته، وأما الثاني: الفتور الواضح في العلاقة بين البلدين اللذين شكلا مع مصر محوراً عربياً خلال الفترة الماضية، وهو ما يدخل في إطار الإخفاقات والمطبات التي وقع فيها النظام السوري وما أكثرها، حين اعتمد في علاقاته وسياساته علي المحور المصري ـ السعودي متجاهلاً القوي العربية الأخري.
وكالة الصحافة الفرنسية التي نقلت عن ديبلوماسي غربي في دمشق قوله بأن العلاقات السورية ـ السعودية سيئة، يشير إلي وجود قرائن وأدلة وشواهد كثيرة لدي هذا الديبلوماسي الغربي عن سوء وتدهور هذه العلاقة.
أعود إلي موضوع استقالة خدام فأقول: الغريب أن يطلب شخص مثل خدام الاستقالة والإعفاء من مناصبه، فيما يتمسك قادة أحزاب ما يعرف بالجبهة الوطنية التقدمية في مناصبهم، والاحتفاظ بدكاكينهم التي لا تتمتع بأي وجود شعبي علي الأرض السورية، بل وأقول أكثر من هذا، وهو أنني أتحدي أن يكرر أي سوري عادي، حتي ربما مثقف أسماء هذه الأحزاب المنضوية تحت تلك الجبهة، فهذه الأحزاب كما هو معروف غير مسموح لها أن تمارس العمل التنظيمي الشعبي، وما يزال حزب البعث قائد الدولة والمجتمع، ويمارس عملية الصدقة والزكاة عليها بمنحها بعض المقاعد وبعض هامش التحرك السياسي مقابل أن تكون شاهد زور علي القرارات التي لا يريد النظام أن يتحمل مسؤوليتها التاريخية، فيحملها لهذه الأحزاب الديكورية .
إن علي هذه الأحزاب أن تخجل من نفسها، فبعد أن شهدت زوراً وبهتاناً علي مرحلة هامة وطويلة من تاريخ سورية، عليها أن تخجل من نفسها و تتقاعد، وتتخلي عن هذا النظام الذي يصر علي القفز في الهواء متجاهلاً حقائق التاريخ والجغرافيا والسياسة، ومتمسكاً بسياسية السباحة ضد التيار، فبعد أن كان مؤتمر البعث العاشر يعلق عليه البعض آمالاً، كنا نقول بأن هذا البعث هو الذي جر الويلات علي الأمة العربية والإسلامية، فهذا هو المؤتمر ينهي أعماله في ظل الإبقاء علي مواد لا تصلح لعصور الظلام مثل حزب البعث قائد الدولة والمجتمع، والحكم علي كل منتسب للإخوان المسلمين بالإعدام، ويتناسي أرباب هذا النظام أن حركة الإخوان المسلمين ظلت حركة سياسية طوال تاريخ سورية، وتحالفت مع أحزاب علمانية ووطنية من أجل خير سورية وصالحها، قبل أن يولد البعث، فهل هم حريصون علي حاضر ومستقبل سورية أكثر من أصحاب تلك المرحلة الذين أسسوا لعصر ديمقراطي سوري ما يزال يستشهد به عربيا علي أنه عصر الازدهار الديمقراطي العربي الذي أعقب الاستقلال، فجاء البعثيون ليقتلوه ويدفنوه؟!!
إن كلمة الرئيس السوري بشار الأسد خلال خطابه في المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث، تحدد البوصلة التي يسير هذا النظام علي هداها حين قال: سيحكم حزب البعث سورية خلال المستقبل المنظور لكونه يعبر عن القوي الأكثر تقدمية ، وبالطبع علينا أن نشكر خريج الجامعات الغربية حين اكتفي بالمستقبل المنظور ولم يشمل غير المنظور.