اللعب بالنار: الولايات المتحدة والعراق وإيران

 ايمانويل والرشتاين - السفير

 

من الصعب ألا تلعب بالنار عندما تكون بلداً قوياً. لكن نظام بوش كان متهوراً بشكل خاص. خذ على سبيل المثال مثلث إيران العراق الولايات المتحدة. التاريخ معروف جداً. حصل أول تدخل شهير لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية <<سي آي ايه>> في أي مكان من العالم في إيران في العام 1953. في ذلك الوقت، كان لإيران رئيس وزراء يدعى محمد مصدق، وهو سياسي علماني من الطبقة الوسطى كانت له الجرأة لتأميم النفط الإيراني. ذهب الشاه إلى المنفى. كانت بريطانيا العظمى والولايات المتحدة غير مسرورتين بشأن ذلك ودعمتا (في الواقع ألهمتا) انقلاباً عسكرياً لاعتقال مصدق وإعادة الشاه إلى عرشه. أصبح شاه إيران، منذ ذلك الوقت، حليفاً مقرباً من الولايات المتحدة. كان نظام الشاه محمد رضا بهلوي استبدادياً وقمعياً جداً، لكن ذلك لم يزعج الولايات المتحدة لأنه كان دعامة للقوى المؤيدة لواشنطن في الشرق الأوسط.
أخيراً، أسقطت انتفاضة شعبية في العام 1979 نظام الشاه الذي ذهب إلى المنفى مجدداً. تبين هذه المرة أن القوى المهيمنة ليست القوميين العلمانيين وانما المناضلون الإسلاميون بقيادة آية الله روح الله الخميني. أعلنت الجمهورية الإسلامية. واستولى المناضلون الإسلاميون، خلال عام، على السفارة الأميركية وأبقوا الذين وجدوهم هناك سجناء لمدة 444 يوماً. ليست هناك حاجة إلى القول إن الولايات المتحدة كانت غير مسرورة مرة أخرى. أعلنت إيران الولايات المتحدة الشيطان الأكبر، واعتبرت واشنطن بدورها إيران عدواً تاماً. تحولت محاولة الرئيس كارتر لتحرير سجناء السفارة الأميركية بالقوة إلى إخفاق تام. وتمكن الرئيس ريغان من إخراجهم فقط عبر إبرام اتفاق سري أعاد بموجبه الأصول الإيرانية المجمدة في مقابل إطلاق سراحهم.
قررت الولايات المتحدة أن أفضل طريقة للتعامل مع الإيرانيين كانت في تشجيع الرئيس العراقي، صدام حسين، على غزو إيران، وهو ما فعله في العام 1980. إن إيران بالطبع بلد مسلم ذو غالبية شيعية. ولدى العراق أعداد كبيرة من الشيعة الذين منعوا من المشاركة في السلطة على أيدي العرب السنة منذ قيام العراق كدولة حديثة سيدة. في العام 1983، أرسل الرئيس ريغان دونالد رامسفيلد كمبعوث خاص للقاء صدام حسين من أجل تشجيعه في جهوده الحربية ومن أجل عرض أشكال مباشرة وغير مباشرة من الدعم عليه (بينها بعض عناصر الحرب البيولوجية)، ومن أجل رفع العراق من اللائحة الأميركية للدول التي تساعد المجموعات الإرهابية، أي لتدليل صدام بشكل عام. استمرت الحرب العراقية الإيرانية ثمانية أعوام كانت مكلفة جداً لكلا الجانبين في الأموال والضحايا، وانتهت أخيراً بحالة من الإنهاك، مع عودة القوات إلى نقطة البداية. عقدت هدنة عسكرية، لكن العداوة السياسية استمرت.
وجد صدام حسين، كما نعرف، من الصعب دفع الديون، التي أبرم عقوداً حولها من أجل إدارة هذه الحرب، خاصة ديون العراق الكبيرة إلى الكويت والسعودية. قرر إلغاءها وتلبية ادعاء قومي قديم بغزو الكويت في العام 1990. انقلبت الولايات المتحدة الآن، أخيراً، ضد صدام حسين وقادت تحالفاً قوننته الأمم المتحدة لإخراج العراق من الكويت، بدعم ضمني من إيران. انتهت الحرب بأنواع مختلفة من الخيانات. أرسل صدام الكثير من قواته الجوية إلى إيران لإبقائها آمنة من القصف الأميركي. رفضت إيران، بعد انتهاء الحرب، إعادة الطائرات. انتفض الشيعة في العراق في ثورة ضد صدام خلال حرب الخليج، لكن الولايات المتحدة رفضت مساعدتهم بعدما عقدت هدنة مع صدام، برغم أنها فرضت في آخر الأمر منطقة حظر جوي فوق المناطق الشيعية لكنها جاءت متأخرة جداً لمنع صدام من الانتقام من الثوار الشيعة.
كان الجميع غير مسرور قليلاً من هدنة الأمر الواقع بين العامين 1991 و2001. شعر المحافظون الجدد في الولايات المتحدة بأن واشنطن أهينت بحقيقة أن صدام حسين بقي في السلطة. كان صدام حسين غير مسرور بسبب المقاطعة الاقتصادية التي قادتها الولايات المتحدة والقيود التي فرضتها الأمم المتحدة على سيادة العراق في ما يتعلق ببيع النفط. كان العراقيون الشيعة (والأكراد) غير مسرورين لأن صدام حسين ظل في السلطة، ولأن الولايات المتحدة خذلتهم. وكانت إيران غير مسرورة لأن صدام كان لا يزال في السلطة ولأن شيعة العراق كانوا لا يزالون يعانون ولأن الولايات المتحدة كانت لا تزال قوة كبيرة في المنطقة.
عندما حصل 11 أيلول، انتهز المحافظون الجدد الفرصة لدفع بوش إلى التركيز على الحرب على العراق. سيحصل الغزو أخيراً، كما نعرف، في العام 2003 وسيؤدي إلى إسقاط صدام. في ذلك الوقت، أدان بوش <<محور الشر>>، ثلاثي العراق وإيران وكوريا الشمالية. لقد قررت الولايات المتحدة الآن أن تكون ضد كل من النظامين العراقي والإيراني معاً، وإنما أن تسيطر على العراق عسكرياً أولاً. من الواضح تمام أن نظام بوش اعتبر في العام 2003 أنها مسألة وقت فقط قبل أن تسيطر الولايات المتحدة على إيران.
بدا أن الرئيس بوش كان يتوقع في العام 2003 أن الولايات المتحدة ستكون قادرة على إقامة نظام صديق في العراق سريعاً ومن ثم التقدم نحو مكاشفة مع إيران. ما لم يتوقعوه كان حركة مقاومة ضخمة حقاً في العراق، حركة يبدو الآن أنهم غير قادرين على احتوائها جدياً. ما لم يتوقعوه كان ضغوطاً سياسية فعالة من الشيعة لإجراء انتخابات مبكرة ستعطي الشيعة غالبية في الحكومة. ما لم يتوقعوه كان أن الجيش الأميركي سيكون منتشراً بشكل مبالغ فيه إلى حد بات الآن من المستحيل على الولايات المتحدة أن تبحث جدياً القيام بأي نوع من الأعمال العسكرية لتغيير النظام في إيران.
وما لم يتوقعوه خاصة هو أن إيران ستكون في موقع الفائز الدبلوماسي الكبير من الغزو الأميركي. خذ ما حصل في 15 أيار 2005. قامت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليسا رايس بزيارة لم يعلن عنها إلى بغداد أمضت نصف وقتها خلالها في توبيخ الحكومة العراقية الجديدة والنصف الآخر في الدفاع عنها، وكل ذلك علناً. قالت إن على العراقيين أن يحاولوا أن يكونوا أكثر <<شمولا>>، وهي كلمة شفرة لإعطاء مساحة أكبر للعرب السنة في الحكومة. حذرت من استئصال <<صارم>> للبعث، ما يعني إشراك البعض على الأقل ممن دعموا صدام حسين بالسلطة. يمكن افتراض أن رايس تعتقد أن ذلك قد يقوض مقاومة الاحتلال الأميركي وجعل تقليص التزام القوات الأميركية في العراق أمراً ممكناً (من الأفضل استخدامها ضد إيران؟). تحول غريب. وزيرة الخارجية الأميركية ترافع نيابة عن بعض البعثيين السابقين على الأقل، وبأذن نصف صماء. تبدو تحليلات الحكومة العراقية الحالية، أو بالأحرى أولوياتها، مختلفة.
بعد يومين، وصل وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي في زيارة أكثر نجاحاً بكثير استمرت أربعة أيام. استقبله في المطار وزير الخارجية العراقية هوشيار زيباري، وهو سني وكردي يتحدث الفارسية بطلاقة. بعد ثلاثة أيام، وقّع العراق وإيران اتفاقاً لإنهاء العداوة بينهما، وافقت فيه الحكومة العراقية الجديدة مع إيران على أن صدام حسين هو من أثار الحرب العراقية الإيرانية. جدد البلدان الانتقادات لإسرائيل. إذا كان بوش يعتقد أن الحكومة العراقية الجديدة ستنضم إلى الولايات المتحدة في حرب صليبية ضد إيران، هذا العضو الآخر في <<محور الشر>>، فمن الواضح أن تفكيره سيتغير.
أصبحت العلاقات بين العراق وإيران طبيعية الآن، وفي طريقها لتصبح ودية. ليس هذا ما تصوره المحافظون الجدد عندما أطلقوا الهجوم العسكري العنيف من أجل <<دمقرطة>> أميركية القيادة في الشرق الأوسط. عندما ستغادر القوات الأميركية العراق (وعلى الأرجح عاجلاً لا آجلاً)، ستبقى إيران في المحيط، وأقوى من ذي قبل (بفضل الولايات المتحدة).
ترجمة إيلي شلهوب
(
) أستاذ الدراسات المتقدمة في جامعة يال تنشر <<السفير>> النص بالاتفاق مع الكاتب