بحثاً عن مخرج عقلاني من وضع مُقلق...

ياسين الحاج صالح....... الحياة

أقل رصيد من الممكنات وأدنى الدواعي للتفاؤل. في مناخ نفسي موسوم بالشح والانقباض انعقد مؤتمر حزب البعث العاشر في سورية. كان الرئيس بشار الأسد قد تحدث في 5 آذار (مارس) الماضي عن أن المؤتمر سيكون نقلة نوعية في الأوضاع الداخلية. والنقلة النوعية هي الشيء الوحيد الذي كان يمكن أن يعيد لسورية توازنا اختل بحدة بعد إخراجها من لبنان. لكن أقوال المتكلمين وافعال المقررين السوريين خلال الشهور المنصرمة الثلاثة اجتهدت على خفض سقف التوقعات الإيجابية، فكأنما على اتفاق بينهم، لم يفوت ناطق بعثي أو حكومي واحد فرصة دعوة مواطنيه إلى توفير مشاعرهم وخفض سقف مراهناتهم. من أجل تحرير مواطنيهم من الخيبات لم يجدوا ما هو أفضل من تحريرهم من الآمال. كان لافتا، من جهة أخرى، أن الشهر الذي سبق المؤتمر هو أسوأ شهر مر على سورية من وجهة نظر الحريات وحقوق الإنسان في السنوات الخمس الأخيرة، أسوأ حتى من ايلول (سبتمبر) 2001 الذي شهد اعتقالات «ربيع دمشق». وأهم من عدد المعتقلين خلال ما سماه نشطاء حقوقيون «ايار الأسود» هو نوعيتهم. فعلي العبد الله ومحمد رعدون ورياض درار وغيرهم هم صنف النشطاء الذي برز في عهد الرئيس بشار الأسد؛ لم يلدهم النظام، ولدوا معه، هم وهو تربان وشريكان في سياسة سورية مطلع القرن الحادي والعشرين. واعتقالهم يعني أن النظام ينقلب على تلك الشراكة القلقة، ويريد بتر الشيء الوحيد الذي يميز هذا العهد عن العقدين الأخيرين من حكم سالفه.

هذا غريب. النخب السياسية مثل لا عبي كرة القدم ينبغي أن تكون في ذروة لياقتها وصفاء ذهنها وقت المواجهات الأصعب. بدلا من أن تقول نخبتنا للبعثيين (مليونين) وللسوريين (18 مليونا) إن لا سقف للمطامح غير سقف همّتكم وحاجات بلدكم، يقولون لهم لا تأملوا كثيرا من الخير. لماذا؟ هل يريدون سلطة إضافية كي يعدوا السوريين بشيء ملموس؟ لكنهم سلفا يحوزون سلطة مطلقة لا تحد منها معارضة قوية ولا صحافة حرة ولا برلمان منتخب... كما قال رياض سيف قبل أكثر من ثلاث سنوات.

سورية في حاجة إلى حركة قوية كي تستعيد زمام المبادرة على المستويين الداخلي والإقليمي. اعتقال نشطاء ليس حركة من هذا النوع بقدر ما هو هروب إلى الأمام. وهو ليس دليل قوة أيضا. لن يجدد النظام قواه بضرب ضعفاء داخليين من شاكلة منتدى الأتاسي. ضرب الأقوياء هو الذي يجدد القوة و... الشرعية كذلك. كان من شأن الإفراج عن المعتقلين الآخرين، وإلغاء المادة 8 من الدستور (حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع...) ورفع حالة الطوارئ ان يكون حركة مناسبة، تبشّر بنقلة نوعية بالفعل. كان من شأن قمع بعض كبار الفاسدين ان يكون حركة مناسبة أيضا.

النظام يريد لنفسه الدوام دون تجديد أسسه، ودون التنازل عن اي قدر من السلطة، أو التضحية ببعض المصالح الفاجرة التي تكونت في ظله وتستفيد من حمايته. هذا مستحيل. التغيير بات ضرورة للاستمرار ذاته، وبالتأكيد للاستقرار أيضا.

المقدمات التي سبقت المؤتمر تنذر بان يكون حصاده أخفض حتى من المؤتمرات الحزبية السابقة. خفض التوقعات يعكس في الأساس افتقار سورية إلى قوة إصلاحية حقيقية واثقة من نفسها ومن قدرتها على الانخراط في بيئة سياسية جديدة. أكثر غيابا كذلك كانت لغة الحوار وصوت العقل وشجاعة الإرادة. هذا بينما أضحت الشجاعة اليوم ضرورة حيوية أكثر مما هي فضيلة اخلاقية، وأضحى العقل برنامج إنقاذ والحوار حبل اعتصام. غيابها جميعا مقلق للوطنيين السوريين الذين يبحثون لبلدهم، ولنظام حكمهم ذاته، عن مخرج عقلاني يصون السلم الأهلي ويحفظ استقلال البلاد وسيادتها. النظام لا يفكر بمخرج كهذا لأنه لا يعتقد اصلا بالحاجة إليه. والمعارضة الداخلية ضعيفة ومستباحة. والفاعلون الخارجيون أنانيون وقساة ولا يراهن عاقل عليهم.

تبدو نخبة السلطة منفصلة عن الواقع، وغير قادرة على قطع مسار التدهور الناجم عن تغير البيئة الإقليمية والدولية وعن جمود النظام السياسي. لكن هذا نذير صدمات مستقبلية. فالبلاد بحاجة إلى قرارات صعبة تقطع مع منطق الاستمرارية الحاكم. والنظام اليوم في بيئة داخلية وخارجية غريبة عن مألوف عادته. مشكلات هذه البيئة مختلفة عن مشكلات بيئة الحرب الباردة التي خبرها بين 1970 و1989، وعن مشكلات نظام القطب الواحد خلال 1989-2001. مرحلة ما بعد الانسحاب السوري من لبنان مرحلة جديدة تقتضي توسيع الداخل للتعويض عن خسارة «الورقة اللبنانية». النظام خسر شيئا وأغلق على نفسه ابواب التفكير بشيء بديل. هذا، أكثر من الضغوط الخارجية، سبب شعوره المتزايد بالحصار وتلف الأعصاب.

على الصعيد الداخلي، سورية مختلفة اليوم. الأكراد يطالبون بحقوق عادلة، ويأنسون قوة من تعزز موقع إخوانهم في العراق.

حيالهم وحيال الإسلاميين النظام لم يساعد نفسه. لكل من المشكلتين وجهان. وجه أهلي وإنساني وحقوقي ووجه سياسي. بخصوص الإسلاميين وأزمة بداية الثمانينات، هناك ضحايا وسجناء ومفقودون وأملاك ومنفيون... يمكن معالجة هذا الوجه كسبيل لتخفيف اعباء التصدي للوجه السياسي في وقت لاحق. اكتمال المعالجة يقتضي من كل بد تناول جذرها السياسي وحوارا سياسيا مباشرا بين السلطة والإسلاميين. العنصر الأهلي الكامن في ميراث أزمة الثمانينات يزيد الضرورة المباشرة بعلاج وجهها الإنساني والحقوقي ولا يقلله. مثل ذلك بخصوص الشأن الكردي. هناك حقوق مواطنة وهناك حقوق ثقافية لا يمكن القفز فوقها لأنها «تقدمية»، أي لأنها عادلة ومحمولة على موجات التاريخ الصاعدة في آن معا.

هذان ممران إجباريان. سيكون المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي قد أدى قسطه للعلى إن توجه للمجتمع والدولة السوريين اللذين يقودهما ببلاغ واضح يعلن عزمه على حل المشكلتين وفق جدول زمني محدد. معنى القيادة المبادرة إلى حل المشكلات. أليس كذلك؟

إذا كان حزب البعث يود أن يبرهن على أنه بالفعل ذو حيازة أهلية قيادية فإن إلغاء المادة الثامنة من الدستور هو البرهان المفحم.