الدولة الأمنية إلى متى ؟

 محمد نجاتي طيارة..... النهار

الدولة الأمنية مصطلح شاع استعماله منذ سنوات في الأدب السياسي العربي وخصوصاً السوري منه للدلالة على بنية شاملة مستترة خلف بنية الدولة الرسمية المعلنة، وهو مصطلح يخرج من الحقل القانوني لتعريفات الدولة سواء منها الصورة الشاملة للمواطنين والأرض والسيادة، أو عن  تعريف التداول الذي يشير إليه المعجم اللغوي العربي على قاعدة الأيام دول،  ويحيل إلى حقل دلالي خاص بعمل الأجهزة الأمنية وتسلطها  الشامل على البلاد والعباد، وفرض سيادتها التي تنزع كل سيادة أخرى، بما فيها وأساساً سيادة السلطة الرسمية.

هي إذن دولة أخرى، غير رسمية وخفية، لكنها تشمل جميع نواحي حياة المواطنين، وتفرض سيطرتها عليهم لا على أرض الوطن فحسب بل خارج هذه الأرض أيضا، حيث يحذر المواطن المغترب من استطالات أجهزة الأمن وعملها في الخارج، وهي الكفيلة بنزع جنسيته وعدم تجديد جواز سفره، وتهديد أمن أهله في الداخل،  وكل ما يمثل حقوقه كإنسان، الأمر الذي وصل  في بعض الحالات إلى نزع حقه في الحياة أيضاً.

وتتضح هذه الدلالة عيانيا في المثال السوري، في ما ترافق من إشارات ظهرت اخيراً بالارتباط مع قرب انعقاد المؤتمر القطري لحزب البعث الحاكم، والمزمع في أوائل حزيران المقبل. حيث شاعت مجموعة من التوقعات مختلفة السقوف انطلاقاً من خطاب الرئيس الأسد في مجلس الشعب يوم 5/3/2005، وتمنياته "أن يكون هو القفزة الكبيرة  في هذ البلد".

وكان بين تلك الإشارات ما ذكرته الصحافة الرسمية وشبه الرسمية، عن تخفيف تدخل الأجهزة الأمنية في حياة المواطنين.

فعندما نطلع،  في ما يلي، على الحالات التي ألغيت فيها الحاجة إلى الموافقة الأمنية، لا ينكشف لنا حجم التدخل الأمني المذكورفحسب، بل هول ذلك التدخل، الذي يرسم لنا صورة شديدة التجسد عن الدولة الأمنية التي تقدم الحديث عنها، وهي صورة أرضية لم يصل إليها مخيال دولة اللوياثان أو الغول الهوبزي الشهير.

فقد نشرت جريدة "الثورة" السورية، وهي إحدى ثلاث صحف رسمية تصدر في العاصمة، يوم الثلاثاء 10/5/2005، وعلى صدر صفحتها الأولى، خبراً عنوانه: إلغاء 67 حالة من الموافقة الأمنية المسبقة، وجاء فيه: "علمت الثورة أنه تم إلغاء الموافقة الامنية المسبقة بشأن 67 حالة"، ثم أوردت الصحيفة قائمة طويلة نقتطف منها مايأتي:

التثبيت او النقل او الندب او التعاقد لدى جميع جهات القطاع العام، الاعادة للعمل بعد انتهاء اجازة الاستيداع واعتبار الشخص بحكم المستقيل والغياب، مالم يكن الشخص موقوفا او مكفوف اليد قبل الاعادة الى العمل، قبول الطلاب بالجامعات والمعاهد المتوسطة ومدارس التمريض، التكليف بتدريس ساعات من خارج الملاك في محافظتي دمشق وريف دمشق، وضع الطلاب تحت الاشراف للدراسة خارج القطر، الايفاد الداخلي والخارجي والاستفادة من المقاعد الدراسية في بعض البلدان العربية والاجنبية، الموافقة على اقامة الندوات الطبية والدعائية للتعريف بمنتجات الشركات، تأسيس الجمعيات السكنية،  تثبيت اعضاء مجالس ادارة الجمعيات، اقامة معارض فنية او اسواق تجارية واعراس جماعية سنوية للجمعيات، تعيين مخاتير،  تجميع جزارين وعمال وسائقين للحج والعمرة، طباعة النايلون للمنشآت الصناعية والبروشورات واللواصق التجارية للشركات، الترخيص لمكتب قطع تذاكر سفر، الترخيص لمكتب عقاري، الترخيص لمكتب بيع وشراء وتأجير سيارات، الترخيص لمكتب تعقيب معاملات،  الترخيص لمكتب شحن بضائع، الترخيص لمدرسة تعليم وقيادة واصلاح المركبات والآليات، الترخيص لمعهد تدريب على الحرف والمهن، الترخيص لجليسات الاطفال،  الترخيص لمحل بيع اجهزة الخليوي وصيانتها،  الترخيص لصالة بلياردو، الترخيص لصالة بينغ بونغ،  الترخيص لصالة افراح، الموافقة على منح الترخيص لفندق،  الترخيص لألعاب كمبيوتر،  الترخيص لمقهى، الترخيص لسيرك، الترخيص لاستديو تصوير،  الترخيص لمصور جوال، الترخيص لمنشأة صناعية للطباعة على الورق والكرتون،  الترخيص لكشك، الترخيص لصالون حلاقة،  الترخيص لفيديو سي دي، الترخيص لمطعم، الترخيص لمحل نوفوتيه،  الترخيص لمحل عصرونية، الترخيص لمحل بقالة،  الترخيص لفرن خبز،  الترخيص لفرن صفيحة ومعجنات،  الترخيص لاستيراد قطع السيارات الحديثة والمستعملة،  الترخيص لمسبح،  الترخيص لبيع وشراء وتأجير الدراجات النارية، الترخيص لمحطة محروقات.

كما أن جريدة "النور" التابعة للحزب الشيوعي الفيصلي، العضو في جبهة النظام، ذكرت بدورها  في عددها الصادر يوم 11/5/2005 وعلى صدر صفحتها الأولى، وتحت عنوان: خطوة في الاتجاه الصحيح/ الحد من تدخل أجهزة الأمن في حياة المواطنين: أنها "علمت أن تعميماً صدر الأسبوع الماضي إلى جميع فروع الأمن والاستخبارات السورية يقضي بعدم التدخل في الحياة الاجتماعية والثقافية للسوريين، وأكد التعميم عدم الحاجة إلى طلب الموافقة الأمنية المسبقة للنشاطات الإنسانية والثقافية والاجتماعية محدداً نحو 70 حالة لاتستدعي بعد الآن الحصول على موافقة الأمن، ومن بين هذه الحالات: الأعراس والحفلات العامة والعزاء، والأمسيات الثقافية على أنواعها، والتوظيف في وظائف الدولة، والانتساب إلى النقابات المهنية، وغيرها من النشاطات الإنسانية العادية التي كانت توجب الحصول على موافقة أمنية مسبقة، وكانت السلطات الأمنية وفروع الأمن تتدخل في الحياة اليومية للمواطنين وفي هذه القضايا والنشاطات وتمنع الكثير منها على مدى عشرات السنين، بما يتنافى مع الحد الأدنى من حقوق المواطنة التي نص عليها الدستور".

وبغض النظر عن صحة الخبرين المذكورين أو مدى نفاذ تطبيقهما، الأمر الذي يمكن أن تنفيه وقائع قريبة مشهودة، تؤكد استمرار التدخل الأمني في الحالات المذكورة، أو في بعضها على الأقل، فإن أسلوب النشر بحد ذاته، وكذلك مضمونه يشكلان معاً وثيقة عن الظاهرة المشار إليها، وهي ظاهرة الدولة الأمنية.

فقد ذكرت جريدة "الثورة" أنها علمت بإلغاء الموافقة، ولم تعلن مصدرخبرها ولا مصدرذلك الإلغاء، كما لم توثق مدونته، التي ينبغي أن تصبح مستنداً قانونياً للدولة الرسمية ومواطنيها. وكأن جريدة "الثورة" تعترف بدورها عبر ذلك النشر الغامض، بوجود غامض بدوره لمن يشرّع تلك الموافقات أولاً ولمن يصدرها ثانياً.

أما جريدة "النور" شبه الرسمية هي الأخرى، بحكم كونها تصدرعن أحد أحزاب جبهة النظام، فقد كانت أكثر وضوحاً حيث ذكرت الأجهزة المسؤولة عن إصدار تلك الموافقات وحددتها بعبارة "جميع فروع الأمن والاستخبارات السورية" لكنها حافظت بدورها على حصتها في شيء من الغموض بالنسبة إلى مصدر تشريع الأمر، و صاحب سلطة القرار الذي أصدر التعميم المذكور، على الرغم من الإشارات النقدية للجريدة المذكورة، والتي جاءت في إطار نياتها الطيبة، ومتابعتها الحثيثة لسياسة الخطوة خطوة على طريق الألف ميل !

في الحقيقة، كان الإعلام الإلكتروني أكثر شفافية وأرقى مهنية، وذلك راجع لطبيعته الحداثية المتمايزة عن تقادم وبيروقراطية صحافة التجهيل السورية من جهة أولى.  تلك الحداثية المرتبطة بالفضاء العلمي والتقني المتقدم، الذي افتتحته مجموعة من الناشطين الرفيعي الأداء على مواقع الانترنت المستقلة والنشرات الإعلامية الإلكترونية، من أشهرها نشرة "كلنا شركاء" التي يشرف على إصدارها المهندس أيمن عبد النور البعثي المتنور. كما أنها مرتبطة من جهة ثانية بعدم خضوع مجال إعلامها الالكتروني لقانون العقوبات/المطبوعات السيئ الصيت، والصادرفي عام 2001، وللمفارقة مع بدء مسيرة التحديث والتطوير!

كانت بعض وسائل ذلك الإعلام الإلكتروني قد انفردت قبل أيام بذكر مصدر ذلك الأمر أو التعميم المذكور، وحددته بالقيادة القطرية، لكنها لم توثق بدورها مدونته الكتابية، ولم توضح تحليلاً أو تفسيراً لعلاقة مشترعه  وإصداره بالأجهزة الأمنية، وتركت ذلك أمراً مسكوتاً عنه كغالبية ما تنشره صحافتنا السورية، وفي أحسن الأحوال نصاً مفتوحاً لخيال المتلقي وقراءته المتعددة الوجه، على حد قول مطالعات النقد الأدبي السارية المفعول!

من هذه الناحية، إذا كان مفهوماً كون القيادة القطرية مركزا للقرار ومرجعاً أعلى للحزب القائد، الذي شرع الدستور السوري له تلك القيادة في المادة الثامنة الشهيرة منه، فليس مفهوماً طبيعة علاقتها بالأجهزة الأمنية التي يصدر إليها مثل ذلك الأمر أو التعميم. ذلك  أنه من المفترض أن تكون الأخيرة جزءا من الدولة، وسلطتها التنفيذية  الرسمية فتكون تابعة لوزارة الداخلية، أو لوزارة الدفاع.  ويكون على الحزب تالياً أن يسعى لتشريع قيادته لها عبر مجلس الشعب المزعوم، ولدعم تنفيذ التشريعات الصادرة عنه عبر مناضليه المليونيين المنتشرين على مساحة الدولة والوطن، كما يفترض التعميم الصادر قبل حوالى عامين عن القيادة القطرية، والقاضي بوجوب الفصل بين الحزب والدولة، والتركيز على تحويل الحزب  موجهاً لا متدخلا في تفاصيل النشاط اليومي للدولة.

لكن واقع الحال يشير إلى آخر المآل، ولانعيد اكتشاف أميركا إذا قلنا إن حزب البعث، الذي كان حزباً جماهيرياً جسد تطلعات الشعب السوري، وقاد حياة سوريا السياسية بنوابه الـ 17 في مرحلة مقاومة حلف بغداد، وشارك في صنع دولة الوحدة، هذا الحزب صار قناعاً ايديولوجياً لسلطة فرضت حالة مديدة من الطوارئ تجاوزت الأربعين عاماً، وتحول حزباً مندمجاً في دولة أمنية متغولة، من طبيعة وحشها الأسطوري أن لا يكشف رأسه، بل أن يلوح برؤوس  خفية متعددة وجاهزة لإحصاء كل شاردة وواردة . ولنا أن نتخيل حجم الفساد المستشري والمرافق لتلك الموافقات والترخيصات الشاملة لمختلف جوانب حياة المواطنين والجماعة السورية ونشاطاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي تتعلق بموافقة تلك الرؤوس واستطالاتها .

ولا يتضح ذلك الشمول، أو التغوّل بدقة أكثر، إلا إذا غصنا أكثر في مضمون خبري جريدة "الثورة" و"النور"، وفي تفصيلهما لجوانب عديدة بل طريفة من حياة المواطنين. هذا إذا لم نقل أنها مضحكة مبكية، وكثيراً ما شكلت جانباً من جوانب الثقافة الشفوية السورية الشديدة الغنى، التي جاء في إحدى نكاتها (أن الميت لايمكنه الموت إلا بعد حصوله على الموافقة الأمنية) وفي ذلك شيء من الحقيقة الرمزية، حيث ترفض بعض المطابع طباعة إعلان الوفاة إلا بعد حصولها على تلك الموافقة، الأمر الذي تسبب أحيانا في تأخيرالعمل بالقاعدة النبوية "إكرام الميت في دفنه".

فضلاً عن ذلك،  يمكن القول أنه بواسطة الخبرين المشار إليهما، والمنشورين أصلاً بأسلوب تجهيلي لا ينتمي إلى إعلام الحقيقة والوضوح، تم الكشف علنياً وللمرة الأولى عن بعض الجوانب من حياة الأفراد والمجتمع السوري، والتي كانت مرتبطة بالموافقة الأمنية، و ما زالت كذلك في الغالب! وهي جوانب كان على  بعض ترخيصاتها أوموافقاتها أن ترجع إلى وزارة الصحة ( ترخيص جزارين) أو إلى وزارة التربية أو الشؤون الاجتماعية ( تعيين جليسات أطفال) أو وزارة التموين (الترخيص لمحل بقالة والترخيص لفرن خبز) وغيرها من مؤسسات الدولة المعلنة.  بعبارة أخرى، كان عليها أن ترجع إلى الدولة الرسمية، المفترض أنها دولة المواطنين جميعاً بما يعكسه الدستور أوالقانون، المتعاقد عليه في أبسط مفهوم تشريعي للدولة  الديموقراطية الحديثة .

أما مضمون الخبرين، أو تفاصيلهما بالأحرى، ففيها يكمن الشيطان حقاً الذي يتطابق هنا مع غول دولتنا الأمنية، حيث توضح تلك التفاصيل الواردة أعلاه، أن إلغاء  الموافقة شمل67 حالة في الأول و70 في الثاني، وذلك يعني احتمال بقاء الموافقة الأمنية مطلوبة من جوانب أخرى، لم يكن بإمكان إعلاميي المصدرين الإشارة إليها، وقد تستدركا ما بقي من إحصاء أنفاس الـ 100% من حياة المواطنين السوريين!

 أخيراً، فإنني لا أجد في نشر الأخبار المذكورة عن إلغاء الموافقة الأمنية بتلك الطريقة الغامضة، إلا تشبيها بما كان يلجأ إليه بعض الأهل في سن الطفولة حينما يخوفون أطفالهم بالغول لتسكيتهم وإرعابهم.  وأتساءل هل يريد أولو الأمر تسكيت الشعب وإرعابه بعرض خاص لبعض أطراف الغول، ولماذا لاتنشر حقيقة الموافقات الأمنية كلها، وتصدر عن  السلطة التشريعية معلنة وواضحة، كي يعرف بواسطتها المواطن ما له من حقوق وواجبات وما عليه، فتشكل دليلاً لمواطنته في سياق قانون مدون، لايخضع له المواطن وحده بل الدولة نفسها أيضاً؟

بذلك، يمكن أن تبدأ مسيرة إنهاء أسطورة الدولة الأمنية وغولها، كما يمكن  للمواطن السوري أن يرفع رأسه ذات يوم مقبل، ممتلئاً بشعور المواطنة الحرة الكريمة، تحت سقف دولة الحق والقانون الكاملة السيادة. فيشعر بالزهو بمواطنته، كونه يشبه ذلك المواطن الذي قال عنه ياسين الحافظ ذات مرة "إنه ديك لا دجاجة"  مع الاعتذار من التشبيه الذي لم يكن القصد منه الإشارة  إلى مواطناتنا العزيزات.