مؤتمرات صحافية لإخفاء المعلومة لا لإعلانها: السحب الكبير ليانصيب مؤتمر البعث.....

 حكم البابا......الشرق الاوسط

 


 لا يجتمع هذا العدد الكبير من كاميرات المحطات التلفزيونية الموجودة الآن في دمشق لتغطية مؤتمر حزب البعث، إلاّ في حالتين: فرح غامر أو مصيبة كارثية، فالإعلام (للأسف) مثل الذباب لايتجمع بهذه الكثافة إلاّ فوق طبق حلوي مكشوف، أو علي جثة ميت، وعلي المؤتمر أن يقرر بنفسه اختيار واحد من هذين الوضعين (!!) وبانتظار أن يصل المؤتمر إلي تحديد خياره، يعيش الإعلاميون المتابعون للمؤتمر حيرة الصانع الذي أضاع ليرة أعطاها له معلمه ليجلب له طعاماُ، حين يستمعون إلي إجابات الناطقة باسم المؤتمر د.بثينة شعبان علي أسئلتهم، التي تأتي غالباً علي طريقة برنامج المسابقات (من غير كلام): قرّبت وبعدت، وتعتمد في إدارتها للمؤتمرات الصحافية أسلوب بناء شبكات الكلمات المتقاطعة، وتزداد حيرة هؤلاء الإعلاميين حين يلجؤون بحثاً عن معلومة أو تحليل إلي محللي سورية السياسيين فيكتشفون أنهم يقرؤون الحدث السياسي بأسلوب قراءة الفنجان: أمامك طريقان، وهناك رزقة ستأتيك بعد ثلاث إشارات، وبحسب تجارب هؤلاء الاعلاميين السابقة مع تلفزيون سورية، يجدون أنه من المفيد لعملهم سماع إذاعة الكونغو المحلية علي مشاهدة التلفزيون السوري لمعرفة خبر عن سورية أقل أهمية من أخبار المؤتمر.
ففي بلاد تعتبر المعلومة خطّاً أحمر، وتعقد المؤتمرات الصحافية لاخفائها لا لإعلانها، وتعتبر الإعلام فضيحة ينبغي سترها، ربما كان علي الصحافيين الذين تحولوا إلي متسولين يقفون علي باب مركز المؤتمر الصحافي للمؤتمر البعثي، مادين أيديهم للداخل والخارج، وهم ينادون: كلمة لله، حسنة للصحفي المسكين، ربما كان علي هؤلاء الصحافيين أن يلجؤوا لمصدر معلومات مواز، لاتهتم به الكاميرات ولاتسجل صوته الميكرفونات، ويبث علي الهواء مباشرة، علي مدار الأربع والعشرين ساعة، ويملك كل الأسرار ويسرّب كل المعلومات، ولديه فيض من التوقعات، هو الإعلام الشفوي الشعبي، الذي يقرأ المكتوب من عنوانه كما يقال، ويعرف عن المؤتمر مالايعرفه حاضروه، ويعيش مع المؤتمر كما تعيش الحامل مع الطفل في بطنها.
فلو كان ابن بطوطة حياً وقام بزيارة سورية في هذه الأيام التي يعيش مواطنوها مرحلة انعقاد المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث لكان سطر كتاباً عن وقائع رحلته سمّاه رحلة إلي بلاد المؤتمر ، لأنه سيظن أن المؤتمر هو الاسم الحقيقي لسورية، لكثرة ما سيسمع كلمة المؤتمر من أفواه مواطنيها في هذه الأيام ، فالسوري يبادر زوجته بالسؤال عندما يفتح عينيه في الصباح، حتي قبل أن يقول لها صباح الخير: كم يوماً تبقي علي نهاية المؤتمر؟ وعندما يلتقي صديقان لم يتقابلا منذ عقد أو عقدين أول مايسألان بعضهما عنه، ليس أحوال الصحة أو العمل أو الأسرة، انما ماهي آخر أخبار المؤتمر؟ ولو طلب طفل من أبيه دفتراً أو قلماً، أو احتاج مساعدته في حلّ معادلة رياضية، سينهره الأب قائلاً: بعد المؤتمر.
فقد أصبحت كلمة (بعد المؤتمر) هي اللازمة السارية علي ألسنة الشعب السوري بكامله، فلو طلبت من أحد أن يسدد المبلغ الذي استدانه منك، سيؤجلك لبعد المؤتمر، ولو سألت بائعاً عن بضاعة مفقودة ومتي ستتوفر؟ سيجيبك: بعد المؤتمر، وغدت الزوجة تؤجل غسل الملابس وجلي الصحون، فهي تعرف مسبقاً ردّ زوجها لو طلبت منه أن يحضر لها مسحوقاً للغسيل أو سائلاً للجلي، لأنه سيؤجلها حتماً إلي مابعد المؤتمر، وأصبح بإمكان كلمة (المؤتمر) أن تحل محل قرص الـ(بندول)، وتفعل مفعول حبة (فياغرا)، وتأخذ مكان القرص المنقذ من الجلطة القلبية تحت اللسان، فضلا عن مهمتها الأساسية كمهدئ فعّال لأمراض مزمنة مثل سرطان الدخل الشهري، وروماتيزم حرية الصحافة، وايدز الاعتقال السياسي، وديسك الرأي الآخر!
وبسبب هذا الترقب الشامل لنتائج المؤتمر استبدل كثير من السوريين ساعات أيديهم بأخري تحتوي علي روزنامات لأيام الشهر، وصار من الطبيعي أن تجد العديد منهم يعلقون في صدورهم مؤقتات تحسب الوقت بأجزاء الثانية مثل تلك التي يستخدمها مدربو الألعاب الرياضية، ولأن كثيرين من خطباء المساجد غير متبحرين في علوم الفقه الحزبي اللازم للاشادة بالمؤتمر في خطبهم، فقد استعاروا أوصاف الجنة في القرآن الكريم والسنة النبوية لبناء صورته في عقول مريديهم، وصار المؤتمر يتنزّل للبعض كرؤيا أو كإلهام في المنام، فيطمئن هؤلاء لارتفاع حظوتهم إلي منزلة من شاهد ليلة القدر، فتتقاطر الوفود للحصول علي بركاته، وسماع تفصيل التفصيل في رؤيا المؤتمر التي خُصّ بها، وظهر كثير من المحللين الجيوسياسيين الذين بدؤوا يقسمون تاريخ سورية إلي مرحلتين: ماقبل المؤتمر ومابعده، واستبدل الموسم بالنسبة للفلاح، والراتب بالنسبة للموظف، والتحويل بالنسبة للتاجر، بكلمة واحدة هي: المؤتمر!
وحتي لايظن بعض الذين يتابعون الاهتمام غير العادي للمواطن السوري بالمؤتمر، بأن هذه اللهفة للمؤتمر، تعود إلي كون السوريين شخصيات بدائية الأداء تنتمي إلي عصر السينما الصامتة، أو مجموعة من الأبطال الايجابيين الذين خرجوا لتوهم من صفحات رواية تنتمي لأدب الواقعية الاشتراكية، يفطرون (وحدة) بالزيت الحار، ويتغدون (حرية) بالكاري، ويتعشون (اشتراكية) قليلة الدسم، ويتزوجون بمهر مقدمه (أمة عربية واحدة)، ومؤخره (ذات رسالة خالدة)، وهدفهم الوحيد من الزواج تمتين الوحدة الوطنية، ويمضون شهور عسلهم في التمتع بالبرامج السياحية لأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، ويطربون لسماع تصريحات وزير الخارجية السوري فاروق الشرع أكثر من طربهم لآهات السيدة أم كلثوم، ويقرأ عشاقهم لحبيباتهم في خلوات غرامهم افتتاحيات إلياس مراد رئيس تحرير جريدة البعث بدلاً من أشعار نزار قباني، وتضع أمهاتهم تحت مخدات أطفالهن رواية علي عقلة عرسان (صخرة الجولان) بدلاً من كراس (الحصن الحصين) ليدرأوا عن لياليهم شر الكوابيس، ويحلمون أحلاماً سعيدة..
فالسوريون علي عكس تلك الصورة الحزبية الجهمة العبوسة، التي تقدمهم كما لو كانوا يعيشون في حالة حداد دائم داخل سرادق عزاء، فهم بشر سكوب بالألوان الطبيعية وبالصوت الدولبي المجسم، فسائق التكسي السوري لايهمه من الوحدة العربية إلاّ محفظة السائح العربي الذي يقتنصه من أحد شوارع المدن السورية، والمواطن السوري يعرف بأن الحرية أشمل من نموذجها المحلي المتاح، الذي يعرفها بأنها النوم علي يد زوجته بدلاً من النوم علي أيدي المخابرات، ويفضّل السوري أن يُبح صوت ابنه في المناداة علي بسطة أمشاط شعر في سوق الحميدية، علي أن يبح صوته في ترديد الشعارات في معسكر طلائع البعث، ولم تستطع كل حملات الاعلام السوري حول الصحافة الملتزمة والحرية المسؤولة والإعلام الهادف والخطاب الموجّه، أن تغيّر في المرأة السورية، فهي ما زالت تصر علي زوجها ليحضر لها مجلة الشبكة اللبنانية وجريدة الثورة السورية، وعندما يحضرهما، تفتح الأولي لقراءتها، وتفتح الثانية لتمسح زجاج نوافذ بيتها بها.
لهذا فاهتمام السوريين بالمؤتمر يشبه كثيراً من يقرأ القرآن أو يرتل الانجيل، لابقصد تأمل معانيهما، ولابهدف استخلاص العبر، ولارغبةً في تطبيق تعاليمهما، ولابإيمان التقرب إلي الله، وإنما لهدف واحد ووحيد هو دخول الجنة، فالبعثيون الذين ذهبوا إلي المؤتمر يرون فيه مصباح علاء الدين والذي بمجرد لمسه سيخرج منه مارد شبيك لبيك، الذي سيجعل من دعوات أمهاتهم لهم، بأن يتحول التراب الذي يمسكونه بأيديهم إلي ذهب أمراً واقعياً وبأكثر الطرق مشروعيةً، واهتمام أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية بالمؤتمر هدفه البرهنة بالدليل القاطع بأن المثل الشعبي القائل (القرعة تتباهي بشعر جارتها) هو مثل واقعي، والمعارضة تري في المؤتمر مناسبة واقعية لتطبيق القاعدة العلمية التي تقول بأن العضو يضمر إذا لم يستعمل، ولذلك تجد المؤتمر فرصة لإعادة استخدام المخيلة في انتاج الأحلام والآمال، والمواطنون ينظرون للمؤتمر من منطق أنه (إذا كان جارك بخير فأنت بخير) وهذا المنطق يصبح أكثر واقعيةً حين يكون البعث مساكناً لا جاراً !
ولذلك فالسوريون ينتظرون اليوم نتائج المؤتمر باللهفة التي ينتظرون بها عادة نتائج حفلة السحب السنوي الكبير علي جوائز يانصيب معرض دمشق الدولي (باعتبارها البرنامج الوحيد المشاهد في التلفزيون السوري)، مع فارق وحيد يكمن في أنهم يعرفون مسبقاً نتائج السحب التي سيسفر عنها المؤتمر، فهم يعلمون أن البعثيين سيفوزون بالجوائز الكبري، بينما ستفوز أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية بجوائز الترضية، وستفوز المعارضة بحلم الفوز بجائزة، وتفوز باقي فئات الشعب بمشاهدة الحفل الفني المرافق لسحب المؤتمر، وبهذا يكون كل السوريين قد خرجوا من المؤتمر فائزين.
كاتب من سورية