في سورية وغير سورية: آن لاكذوبة الحزب القائد ان تنتهي.....

 د. بشير موسي نافع ....الشرق الاوسط

 


 يترقب السوريون، وكثير من العرب، بقلق بالغ انعقاد المؤتمر العام للحزب الحاكم، حزب البعث. يقود البعث سورية منذ أكثر من أربعة عقود؛ بمعني ان دولة الحزب قد تفردت إلي حد كبير في صياغة تاريخ سورية السياسي طوال هذه المدة. هذه هي الدولة التي خاضت ثلاثة حروب كبيرة في مواجهة الدولة العبرية، وكانت طرفاً رئيسياً في الحرب الأهلية اللبنانية، في مسارات الحرب وفي نهايتها، وفي المقاومة الإسلامية للاحتلال الإسرائيلي. هذه الدولة هي التي أدارت الاقتصاد السوري بكل جوانبه وميادينه، تجارة وصناعة وزراعة ونفطاً. هذه الدولة هي التي رفعت الشعارات القومية العربية كما لم ترفعها أي دولة عربية أخري، والتزمت بالقضية الفلسطينية كما لم تلتزم بها أي دولة عربية أخري. وهذه الدولة هي التي خاضت معركة أدلجة الحياة السورية، تعليماً وثقافة وإعلاماً، خاضت حرباً أهلية حقيقية ضد خصومها من الإسلاميين، وهمشت كل القوي الحزبية الأخري، بكل الوسائل المعهودة وغير المعهودة. ولم تكن النتائج في مجملها مما يمكن للبعث الدفاع عنه. عندما تنشيء دولة يقودها حزب واحد، لا يمكن للحزب ان يتهرب من تبعات تاريخ حكمه؛ واليوم تبدو تبعات العقود الأربعة الماضية من حكم سورية ثقيلة بلا شك.
ليس من الحكمة ولا الموضوعية إدانة حكم البعث إدانة شاملة وقاطعة. مثل هذه الإدانة مجانية وسهلة، لاسيما وسورية اليوم موضع استهداف، لا يخافها أحد ولا يخشاها أحد. الحقيقة ان حكم البعث لم يكن سوءاً كله، ولا كانت نتائجه سلبية كلها. كانت سورية في الخمسينات مطمعاً للقوي الإقليمية والعالمية، تتقاذفها السياسات والمصالح. وبعد فترة استقرار قصيرة خلال سنوات الوحدة مع مصر، عادت إلي حالة من التوتر وعدم الاستقرار، كان البعث شريكاً فيها أيضاً. ولكن حكم الأسد نجح في تحويل سورية إلي دولة مستقرة نسبياً، دولة ذات اعتبار، إقليمياً ودولياً بالرغم من حجمها وإمكاناتها الصغيرة نسبياً. ولا يخدش هذا الإنجاز ما تعيشه سورية اليوم من مخاطر، فليست دمشق هي المسؤولة عن هذا الخلل الفادح في الوضع العربي، الخلل الذي سمح باستباحة الحياة العربية جميعها وليس سورية فحسب.
وإن قورن الوضع الاقتصادي السوري بدول عربية عديدة أخري، فالصورة ليست سلبية كلها. سورية، مثلاً، تعتبر إحدي النجاحات الزراعية المثيرة في العالم الثالث، الذي خرجت معظم دوله من حقبة التنمية بلا صناعة ولا زراعة؛ كما ان السوق السوري يعج بدينامية المستثمرين السوريين الصغار، الذين يرتكزون إلي ميراث صناعي وتجاري يمتد لمئات السنين. ولكن هذه النجاحات السورية في ظل البعث لم تأت إلا لأن البعث تخلي في النهاية عن الكثير من الدوغما الاقتصادية التقليدية. أما ما يجب ان يذكر للبعث ودولته فهو بلا شك الأداء السوري المميز في دائرة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، سواء علي مستوي المواجهة في لبنان، في دورات التفاوض المتلاحقة، أو حتي علي مستوي التعامل مع الوضع الفلسطيني السياسي ذاته. ولكن هناك كشف حساب آخر لا يستطيع حكم الحزب الواحد ان يتحلل منه بأي وجه من الوجوه.
حكم البعث سورية بالحديد والنار، معلياً من سلطات الأجهزة الأمنية والعسكرية. وتبدو سورية وكأنها دولة بلا دستور ولا قانون إلا قانون سلطة الأجهزة وتصورها الخاص لما هو أمن سورية وأمن نظامها. وقد أطاح النظام بكل مخالفيه، المعارض منهم وغير المعارض: الأحزاب التقليدية للحقبة الليبرالية، اليسار الرافض للانضواء تحت نفوذ البعث، الإسلاميون الذين رفعوا السلاح ضد النظام وأولئك الذين لم يرفعوا السلاح، والقوي المدنية النشطة بكل اتجاهاتها. وكان من الطبيعي بالتالي ان تشهد سورية موجات من الهجرات والنفي، ترافقت كل منها مع حملات القمع التي استهدفت القوي السياسية المختلفة. وفي وطن يقطنه أقل من عشرين مليون من السكان، فإن عدد الكفاءات السورية المهاجرة والمنفية يبدو هائلاً حقاً. أما أولئك الذين اعتقلوا بلا محاكمة، أولئك الذين سقطوا في حملات الدولة الأمنية، وأولئك الذين قضوا تحت التعذيب، فحدث ولا حرج.
وقد تحولت الدولة السورية تحت حكم البعث إلي غول حقيقي، لا يسيطر علي التعليم والاقتصاد والتجارة والصحافة والإعلام فحسب، بل يتدخل أيضاً في أصغر نشاطات المجتمع. في سورية وحدها، ربما، ما يزال من الضروري الحصول علي موافقة أمنية لبدء أي نشاط تجاري أو استثماري، بما في ذلك ورشة حدادة او نجارة، مثلاً. ولابد ان يقدر العرب أشقاءهم السوريين أكبر تقدير لقدرتهم علي العمل والإبداع في ظل هكذا نظام خانق وسيطرة شمولية للدولة. ولأن الحزب الواحد لا يؤمن إلا بالمخلصين له، فقد سيطر علي مؤسسات الحكم والدولة السورية جيش من الموظفين الذين يفتقد الكثير منهم الكفاءة، وانتشر في أرجاء الدولة السورية الفساد كما لم ينتشر في أي دولة عربية أخري. كما تحولت البني الاجتماعية التقليدية للعشيرة والعائلة والناحية من بني للحماية والتكافل وموازنة الدولة إلي وسائل وقنوات وشبكات لشللية الحكم ومراكز للقوي وتقويض لجهاز الدولة وتحلل من القانون.
أما مشكلة سورية السياسية الكبري، والتي تكاد ان تمس بأمن سورية الوطني، فهي سرية الدولة والحكم. كان الرئيس الأسد الأب هو المرجع النهائي للقرار السوري؛ وهناك من يتحدث اليوم عن اقتصار دائرة القرار علي الرئيس الأسد الأبن وحفنة صغيرة من رجال الدولة والمؤسسات الأمنية والعسكرية. ولكن أحداً لا يعرف علي وجه اليقين كيف يتم التوصل إلي قرار ما، من هم أولئك الذين يتم استشارتهم، كيف يجري التداول حول السياسات الرئيسية، من هو صاحب النفوذ الأكبر فيما يتعلق بدائرة معينة وكيف أسس لهذا النفوذ، لاسيما وان مجلس الشعب السوري هو بالفعل مجلس هزيل لا يمكن مقارنته ببرلمانات الدول الديمقراطية، ولا حتي ببرلمانات الحقبة الليبرالية السورية مهما كانت الانتقادات الموجهة لتلك الحقبة. قبل أيام قليلة اغتيل الصحافي اللبناني سمير قصير، وقد جاء اغتياله بعد محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة واغتيال الرئيس الحريري. وكما في الحالات السابقة، وجهت أصابع الاتهام إلي سورية وحلفائها في الدولة اللبنانية. منطقاً، إن كان من غير المستغرب ان تتهم سورية باغتيال الحريري، فلابد ان يثير اغتيال قصير شكــــاً كبـيراً حول اتهام سورية. ولكن المشكلة في اتهام سورية وتبرئتها هو السرية الثقيلة التي تلف بنظام الحكم في دمشق، حتي بات ممكناً ان يتحدث البعض عن أجهزة فالتة العقال ومراكز قرار متعددة. عندما تغيب الشفافية يمكن ان يكون أي احتمال صحيح.
عندما سيطر البعث علي السلطة، وتحول بالحكم إلي نظام حكم الحزب الواحد، كانت الليبرالية السورية قد أفلست إلي حد كبير. ولم يقتصر إفلاس الليبرالية العربية علي سورية، بل شمل مصر والسودان والعراق وغيرها من الدول العربية. وليست سورية هي الوحيدة التي يسيطر علي دولتها منذ عقود حزب واحد، فكذلك كان هو الحال في العراق (الذي بات محكوماً الآن من واشنطن)، وما زال هو الحال في مصر والسودان والجزائر والسعودية؛ وحتي في الدول التي تدعي التعددية الحزبية، كتونس والأردن، فنظام الحكم هو في الحقيقة نظام حزب واحد، بغض النظر عما إن كان الحزب الواحد واضح الاسم والكيان، أو كان الحكم محصوراً بطبقة تتوالد من داخلها مرتبطة بالقصر او أجهزة السلطة. نجم هذا الوضع عن أسباب محددة وفي سياق تاريخي محدد. إفلاس النظام الليبرالي، أو ولادة النظام من رحم حكم شخصاني تقليدي، أو الدوافع الأيديولوجية، هي بعض من هذه الأسباب. ولكن أحداً لا يمكنه تجاهل المثال الشيوعي في تأثيره علي الكثير من أنظمة الحكم العربية والعالمثالثية، لاسيما تلك التي سوغت سلطتها بخطاب نصف قومي، نصف يساري. كما لا يمكن تجاهل المسؤولية الأمريكية عن مثل هذا الوضع، لاسيما مسؤولية موظفي الخارجية والاستخبارات الأمريكية الذين تصوروا في الخمسينات والستينات ومطلع السبعينات ان بالامكان انجاز تنمية دول العالم الثالث ومنع التوسع الشيوعي فيها عن طريق أنظمة حكم عسكرية أو شمولية تحقق الاستقرار وتطلق حركة التحديث وتقود مجتمعاتها إلي الرفاه.
كل هذا انتهي الآن إلي الفشل وعدم الجدوي والكوارث السياسية والاقتصادية. كان الحزب القائد إكذوبة كبري، إكذوبة لم يصدقها حتي من انتجوها وروجوا لها. في معظم الحالات لم يمثل الحزب إلا نفسه، بل حتي الفئة الصغيرة المستفيدة من سلطته وليس كل من انضووا تحت لوائه. وفي معظم الحالات، كان الحزب بمرور الزمن يتضاءل حجماً ويضيق دائرة. ولا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل التحول الهائل الذي عاشه الاتحاد السوفييتي وانهيار الكتلة الشيوعية. فإن كان نظام الحزب الواحد قد انتهي إلي مثل هذا الفشل في أعظم حاضناته قوة، الحاضنة التي قدمت أكبر مسوغ أيديولوجي ممكن للتفرد لحزبي، فكيف يمكن تبرير استمرار حكم الحزب الواحد في دول مثل سورية وتونس وغيرها من الدول العربية؟ والسؤال المطروح هنا لا يتعلق بالنظام الديمقراطي، فهذا مستوي آخر من الحديث، ولكنه يتعلق علي الأقل بما أطلق عليه ابن خلدون دولة العقل . في مثل هذه الدولة، في غير دولة الحزب الواحد، الحزب القائد، لابد ان يسود حكم القانون، بحيث يصبح هو المرجعية التي يقف أمامها المواطنون جميعاً سواسية، أعضاء في الحزب الحاكم كانوا أوغير أعضاء. وتتحرر الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية والمدنية البيروقراطية من سيطرة الحزب، بحيث لا تحكم هذه المؤسسات إلا الخبرة والكفاءة والقيم المهنية. وتنتهي فيها سرية الحكم، بالقدر الممكن والمعقول لدولة تعيش ظروف سورية وأوضاعها الأقليمية، بحيث يصبح من الممكن ان يتعرف الناس علي قادتهم وحكامهم، ومن الممكن ان يحاسب أصحاب القرار، ولو نسبياً، علي عواقب قراراتهم.
في ظرف آخر ما كان للسوريين والعرب ان ينتظروا الكثير من المؤتمر العام للحزب الحاكم، أي حزب حاكم. الأحزاب والطبقات والقوي الاجتماعية والأقليات الطائفية والأثنية الحاكمة لا تتخلي عن امتيازاتها بالمنطق والإقناع. ولكن الظروف المحيطة بالمنطقة العربية لا تحتاج الكثير من المنطق والإقناع. ثمة مخاطر هائلة تحيط بالعرب، دولاً وشعوباً، لا يمكن ان يزيدها الاستبداد والفساد وعدم المساءلة إلا خطراً. وأمام سورية اليوم فرصة لإعادة بناء ذاتها، لاحتواء بعض الخطر، وللمبادرة. بخلاف ذلك ليس سوي الوهم.
كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث