لكن ماذا لو فشل المؤتمر القطري.....

لؤي حسين.....السفير

 

قلة من البعثيين يعتقدون أن مؤتمر حزبهم سيسفر عن تغيير مهم، خاصة على صعيد الحزب الذي يهمهم أكثر من صعيدي الدولة والمجتمع. وغالبية المعارضين والمعترضين لا يتوقعون أن يتمخض المؤتمر البعثي عن آمال يرجونها من السلطة البعثية، مستندين بتشاؤمهم إلى انعدام وجود مؤشرات في الواقع يمكن أن تكون بشائر خير، إذا لم يكن العكس (مثل الاعتقالات الأخيرة، وسحب صحف من الأسواق، وإلغاء برامج تلفزيونية وصحافية). غير أن الجميع باستثناء قلة ينتظرون انعقاد المؤتمر لعله يخالف التوقعات الغالبة، ويخالف منطق ومجريات الواقع.
وهناك من يعترض على السلطة بأنها تجعل من مؤتمر حزبها ورشة صياغة الإصلاحات في البلد، مستندين باعتراضهم هذا الى أنه لا يحق لحزب واحد أن يقرر مصير البلد كله، فيكفيه أن يقرر شؤونه الحزبية الداخلية والتنظيمية. لكن هذا غير صحيح في الواقع السوري ضمن تركيبة النظام والدولة منذ عقود مضت. إذ البعث هو قائد للدولة والمجتمع بشكل دستوري (رغم اعتراضات كثيرة مؤخرا على صيغة الدستور). وان مصير البلد يصنعه قلة من قادة هذا الحزب، وربما هم قادة في الحزب لأنهم تمكنوا من أن يكونوا صانعي مصير البلد، وهذا الحال لا نعرف سواه منذ نصف قرن. فهذا الاعتراض لا ينال مصداقيته ما لم ينفر بعض من هؤلاء المعترضين لتولي مسؤولياتهم بالمشاركة بصنع مصير البلد، فإن بقوا أسرى كتاباتهم وجلسات مقاهيهم فلا أعتقد أنهم جادون باعتراضهم الذي لن يكون بذلك أكثر من تعليق على حدث سيحدث، فإن حدث وأوصى المؤتمر للهيئات التشريعية والتنفيذية القيام بالإجراءات اللازمة لتنفيذ إصلاحات ترضي المعارضين (كونه ليس جهة مقررة بل موصية) حينها لا أظننا سنسمع اعتراضاً على حق البعثيين المؤتمرين أن يقرروا مصير البلد.
المؤتمر القطري بحد ذاته لا يحتمل أن يكون ورشة عمل سياسية يجري في أروقتها نقاش وصراع لتتمخض عنهما إرادة المؤتمرين، فهذه لا يمكنها أن تكون موجودة بمواجهة إرادة قلة من القادة. وهذا الحال لا يقتصر على المؤتمر البعثي القادم بل يتعداه إلى أعمال القيادة القطرية ومؤسسات الحزب، بل هو حال غالبية الأحزاب في سوريا. لهذا فإن المؤتمر القطري لن يكون دوره أن يأتي بتوجهات جديدة للسلطة بل سيكون مجرد المنصة الأمثل لتطلق السلطة مشروعها الجديد. وما اختيار المؤتمر القطري ليكون تلك المنصة سوى لتزامن موعد انعقاده مع بدء فوات الوقت على استحقاقات لا يمكن للسلطة تأجيلها بعد انسحابها من لبنان. كما أن المؤتمر يمكنه أن يحقق لإصلاحيي السلطة (إن وجدوا) مخرجاً شرعياً لتوجهاتهم الجديدة لكي لا تفسَّر على أنها استجابة لضغوطات وإملاءات خارجية بل نتاج تفاعلات داخلية. وكي لا يبدو هذا التوجه (إن حصل) وكأنه انقلاب لجماعة في السلطة على أخرى، وخروج عن شرعية جماعية شعبية.
وعلى كل حال فما يمكن للمؤتمر أن يأتي به من قرارات وتوصيات وربما إجراءات قد يكون له أثر مهم على الحال السورية، ويكون كافياً، على الأقل لفترة مرحلية قصيرة، لإنقاذ البلاد وإبعادها عن خطر الانزلاق إلى الفوضى والخراب الذي يهددها إذا ما استمرت السلطة على عجزها عن القيام بتغييرات جذرية على صعيد بنية وآلية النظام السياسي وعلى صعيد المجتمع وكذلك على بنية حزبها البعثي. وهذا على الرغم مما يقال بأن بعض القادة في السلطة يأخذون بنصائح بعض الدول والجهات العربية ويسترشدون بتجاربها بعد أن أُسقط في يدهم جراء سحب الجيش من لبنان والضغوطات الدولية التي تلته. فهذا أمر طبيعي ويمكن اعتباره ليس كانصياع وتنازل للآخرين مقابل أثمان غير معروفة، بل على أنه قبول بنصائح طيبة للخروج بالبلاد من أزمتها الراهنة.
ومع ذلك فهناك إحساس عام يسري بين المراقبين وبين أوساط المعارضة بأن المؤتمر سيأتي بجديد ما، وإن تفاوتت التقديرات حول مدى أهمية وأثر هذا الجديد. فالإعلام والمعارضون يركزون على بعض القضايا ويعتبرون التغيير فيها مقياسا لمدى جدية السلطة في الإصلاح المنتظر، وأهمها رفع حالة الطوارئ وإصدار قانون للأحزاب والجمعيات وآخر للإعلام والمطبوعات، إضافة إلى إلغاء المادة الثامنة من الدستور. لكن، ومع أهمية التغييرات بهذه القضايا، إلا أنها تبقى معرضة جميعها لأن تعود السلطة عنها في أي لحظة تالية، أو الالتفاف عليها لمدة طويلة، أو إخراجها بشكل تلفيقي مقونن. لكن تبقى بعض القضايا التي لا تنال نصيبها من الاهتمام مثل توقع التغيير في بنية الاقتصاد لتحويله إلى اقتصاد السوق الذي من شأنه أن يخلخل العلاقات الاجتماعية وكذلك كل بنية النظام السياسي. وهناك أيضا إمكانية تنحية مجموعة من القيادات المتبلدة التي تحتل مواقع سلطوية مهمة تقف عثرة أمام أي حراك، ليس لكونها تلعب دوراً مخالفاً بل لعدم قيامها بأي دور مبادر، معطِّلة بذلك دور تلك المواقع المخولة بإدارة حكم البلاد. فاستبدال كهذا يمكن له أن يقدّم أو يؤخر بالأوضاع، بخلاف الفترات السابقة التي ما كان لتغيير طاقم حكومي كامل أن يؤثر قيد شعرة في المسار العام للسلطة، أو حتى في مسار فرعي. ويدخل في هذا الإطار أيضا ما يمكننا اعتباره تغييراً إجرائياً في سيطرة السلطة على الدولة والمجتمع، أكثر من التركيز على صياغة شكلانية تعطي هذا الدور لحزب البعث. فمن المعروف أن الحزب لا يقوم بهذا الدور، فهو، كغيره من الأحزاب الأخرى، ممنوع عن السياسة، ويقتصر دوره على كونه جهازاً تسلطياً يقوم على تنفيذ إرادة عدد من القادة الموجودين في الحلقة الأساسية من الهرم السلطوي. ومن ناحية أخرى فهو حاضنة ولاءات تمكّن قادة في السلطة من فرض إرادتهم على أكثر من مليوني سوري منتسبين للبعث، فتضمن ولاءهم عبر أساليب عديدة من الترغيب والترهيب.
وفي هذا الصدد، كان يمكن لأحزاب ولجهات المعارضة أن تهتم أكثر بهذا الإجراء وتعتبره كسباً سياسياً وتعمل الكثير له وفيه. فكان عليها الاحتجاج على إبقاء منصب المحافظ خارج الأطر الانتخابية، وأن تطالب بتقديم موعد الانتخابات خلال مدة معقولة، لا أن تكون بعد عامين، كما تطالب بدور أكبر للمجالس البلدية بحيث تتمكن من إدارة كل الشؤون الخدمية في الأحياء والمدن والقرى بدون الخضوع لأوامر السلطة التنفيذية. بل كان على المعارضة أن تبدأ العمل على طرح مرشحين لها واشتراط آليات تحقق انتخابات نزيهة، إضافة لشروط الترشيح والحملات الانتخابية وتوزيع متساو للمرشحين للاستفادة من المنابر المتاحة وغير ذلك العديد من التفاصيل التي لا نعرف عنها الكثير لافتقادنا خبرات هذه التجارب على امتداد ذاكرتنا الحاضرة.
وكان مطلوباً أيضا من أحزاب المعارضة عند مطالبتها بقانون للأحزاب أن تقدم تصورها التفصيلي له واشتراطاتها على الجهة المشرّعة كي تقدم قانوناً يمكنه إعادة الحياة السياسية للمجتمع السوري، لا أن تنتظر السلطة حتى تأتينا بقانون قاصر عن هذه الغاية لتنتقدها وتأخذ موقفاً منها. فبرغم أن ما يشاع بين الأوساط المعنية من أن هذا القانون المرتقب يمكن أن يشترط على الحزب المتقدم للترخيص عدداً كبيراً من تواقيع مؤيده ومناصريه أو أعضائه، لكننا لم نسمع أي جهة تعتبر أن هذا الشرط مجحف بحق السوريين الذين يحتاجون لفترة طويلة ليعتادوا العمل السياسي بعد كل هذا الانقطاع وبعد تشوه فهم معنى السياسة والعاملين في حقلها، لهذا لا يجوز أن يأتي القانون بأي شرط عددي أو تعدادي على من يرغب بترخيص حزب. وإن كان شرط العدد يمكن أن يأتي لتنظيم معونات الدولة للأحزاب. وكذلك هو حال قانون المطبوعات، فلم نسمع من تلك الجهات المعترضة غير التقييم للقانون الساري دون أن يقدموا بديلاً تفصيلياً يشترطونه على السلطة، كأن يشترطوا أن يخلو القانون من شرط موافقة وزير أو رئيس الوزراء على متقدمي التراخيص للمطبوعات، بل الاكتفاء بشروط محددة إن توافرت عند أي كان يمكنه أن ينال الترخيص الذي يرده. وألا يكون غير القضاء له الصلاحية على إلغاء أي ترخيص أو معاقبة العاملين في الميدان الإعلامي. ويمكن أن نضيف في هذا الصدد إهمال المعارضة القصدي في ما يتعلق بنيّة السلطة بالتحول إلى ما تسميه اقتصاد السوق. فإن تم هذا التحول بالشكل الإرادوي، أي ليس تحولاً في البنى والعلاقات الاقتصادية وإنما أخذه من مواقع القرارات، فلن يكون أكثر من إلغاء للجهة الموجهة والمحتكرة للاقتصاد، أي الدولة، وإعطاء حق توجيهه واحتكاره لطغمة مالية مستفيدة من قرابة أركانها لمسؤولين في السلطة، وقادرة من موقعها المالي المتنامي أن تدير القرار السياسي أنى تشاء لعدم مقدرة الاقتصاد السوري الاستغناء لاحقاً عن استثماراتها التي إن سحبتها أو جمدتها في لحظة حرد أو ضغط أن تؤدي لانهيارات حادة في الاقتصاد وكذلك في المعيشة.
المعارضة تقوى باختيارها الأدوار التي تقوم بها، لا بقانون للأحزاب ولا بسماح أمني، وكذلك لا تقوى بخلقها معارك دونكيشوتية مع غزو أميركي تتبارى بمنازلته وكأنه يقف على الحدود. فإن تقم بدورها المعارض المنافس للسلطة فقد يمكنها أن تجعل من إجراءات السلطة توجهات فعلية للداخل السوري، بدل أن تكون قناعاً إعلامياً تضعه السلطة لمواجهة الغرب.
(
) كاتب سوري