أي مستقبل للعلاقات السورية – الأميركية......

فايز سارة.....الحياة

ليس من امر اكثر تعقيداً في الشرق الاوسط من العلاقات السورية – الاميركية في الوقت الراهن. والسبب في تعقيد تلك العلاقات لا يكمن في واقع سياسة طرفيها فقط، بل في الظروف المحيطة بهذه العلاقات من الناحيتين الاقليمية والدولية، وهذا بعض ما يجعل الالتباس يحيط بهذه العلاقات من كل جانب.

وقبل الدخول في آتون تلك العلاقات، ربما كان من المهم الاشارة الى السياق العام الذي تتحرك فيه الولايات المتحدة في الشرق الاوسط، كما ان من المهم رؤية الاطار العام للسياسة السورية اليوم. وفي الجانب الاول، يمكن القول، ان الولايات المتحدة الاميركية تجاوزت النظر الى الشرق الاوسط باعتباره منطقة لنفوذها الى حقيقة، انها ترسم اليوم ملامح تكوينه الجيوسياسي من خلال مشروعها الذي اطلقته باسم الشرق الاوسط الكبير، وهي دخلت عملياً في تنفيذ هذا المشروع من خلال وجودها العسكري والسياسي المباشر في العراق ومن خلال اسرائيل، التي تلعب دور الوكيل المحلي للولايات المتحدة في المنطقة ومن خلال تحقيقها خروقات سياسية في الكثير من الدول العربية كما هي الحال في لبنان.

ويركز الاطار العام للسياسة السورية اليوم على المجال الداخلي بما فيه من ابعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية بعد سلسلة من التراجعات في المجال الخارجي والذي كان حتى القريب يمد اهتماماته الى كثير من المواقع العربية والاسلامية، لكنه تراجع بصفة عامة وخاصة في فلسطين والعراق ولبنان، التي كان له فيها مواقع شديدة الاثير على السياسة الاقليمية والدولية.

وتشكل هذه الاجــواء خلفية العلاقات السورية – الاميركية، حيث لواشنـطـن مشــروعها الـــذي تـــرى دمشق من خلاله في أمرين اثنين، الامر الاول، ان لا دور لسـوريـــة يمكــن القيام به على الصعـــيد الاقلــــيمي، والـثـانــي، ان النظـــام القائم في دمشق – من جملة انظمة اخرى في المنطــقة – لا يتــوافـــق مع مشروع واشنطن الشرق الاوسط الكبير، بينــما تــرى دمشق انها لا تزال قادرة على لعب دور اقليمي ولو بسويات معينة، وانها قادرة على اجراء تكيفات هيكلية في المستويين الداخلي والخـــارجي، تجــعـل من النظام مقبولاً في واشنطن وسط التعاون معها.

ان واقع الافتراق في خلفية العلاقات السورية – الاميركية، يجعل تلك العلاقات تعيش مأزقاً لا يظهر له حل على رغم الاعلانات السورية المتواصلة «نريد ان نتعاون»، ووسط وضوح الرد الاميركي: نحن لا نريد، وهو رد يجد تعبيرات شديدة الوضوح في الاتهامات المتواصلة ضد سورية بصدد العراق، والتي وصفها السفير السوري في واشنطن عن حق بأنها «اتهامات سياسية».

لقد نقلت ايديولوجية المحافظين الجدد في الولايات المتحدة سياسة واشنطن في الشرق الاوسط وفي العالم في شكل عام الى موقع غير الذي كانت فيه سابقاً بدعم الانظمة الحليفة والمتعاونة، والصبر على الانظمة غير المعادية في جوهرها، والتعاون معها في ملفات وموضوعات معينة على امل تطوير العلاقة معها، وكلها امور حسمت سياسياً من جانب ادارة بوش، ويُجرى حسمها بصورة عملية وان يكن بطريقة غير منظمة وشديدة الوضوح في بعض المواقع، لكنها بالنسبة الى سورية تبدو واضحة خصوصاً مع مجيء الادارة الاميركية الثانية وتغير مواقع المسؤولين فيها ومجيء طاقم جديد. وتغيرت المقاربة السياسية الاميركية تجاه العلاقة مع سورية، فأصبحت واشنطن غير مستعدة للمضي في علاقات نشطة، وتراجع التعاون بين الجانبين، وهذا بعض ما جعل آراء كثيرة تقـــول: «يبدو ان الولايات المتحدة مصرة على تغيير النظام في سورية».

وبمواجهة الانتقال الايديولوجي للمحافظين الجدد، فإن من الواضح وجود عجز في الادراك السياسي والديبلوماسي السوري من زاويتين، الاولى ضعف فهم المتغيرات الاقليمية والدولية المحيطة، وبطء في التعامل معها، بحيث تبدو السياسة السورية سياسة انتظارية وردود فعل وهذا جزء اساسي من موروثها من زمن الحرب الباردة، وقد ألحق ذلك الكثير من الخسائر بالسياسة السورية في السنوات الاخيرة على ما بدت المواقف السورية من السلطة الفلسطينية ومن الوضع في العراق، وفي التعاطي السوري مع الموضوع اللبناني من التمديد للرئيس لحود الى مقتل الحريري الى خروج القوات السورية من لبنان. والمشكلة، ان ضعف السياسة السورية الخارجية وارتباكها توازي ما يماثله في السياسة الداخلية، فظهرت تلك السياسة كأوضح ما يكون بين شعارات وقرارات اصلاحية، لا تجد لها طريقاً الى الواقع، وواقع متصل بالماضي تتراكم الاخطاء والمشكلات فيه.

وواقع الحال، فانه في ظل هجوم القوة الاميركي في المنطقة والذي يأخذ اوسع اشكاله العسكرية والسياسية حائزاً ما يريد من دعم اقليمي ودولي، وفي ظل تزايد الضعف والارتباك السوري والانكفاء نحو الداخل، تبدو معادلة العلاقات السورية – الاميركية مختلفة، وهذا يعني، ان المسار المستقبلي لهذه العلاقات سيستمر في نسقه الحالي: ضغوط واتهامات، وعدم اتخاذ أي مبادرة ايجابية من الجانب الاميركي ازاء المبادرات السورية، وتغيير هذا المسار يحتاج من جانب سورية الى خطوة تبدل بيئة العلاقات.

وطالما ان سورية، كما هو واضح غير قادرة على القيام بخطوة خارجية لها هذا المعنى، فان من الممكن ان تكون الخطوة داخلية، وقد يكون اساس هذه الخطوة الذهاب الى الابعد في الاصلاح وبدايته من السياسة، وهذا لا ينزع الاتهامات عن السلطة، ويقيم توحداً لها مع المجتمع، بل يجعل حضورها في معادلة العلاقات مع الخارج ومع الولايات المتحدة مختلف بوزن جديد، ويخلق مساراً آخر للعلاقات بين دمشق وواشنطن.

كاتب سوري.