سمير قصير والالتزام بالحرية......

د. رضوان السيد.....الاتحاد

لفت سمير قصير انتباهنا نحن قراء الصفحات غير السياسية في الصحف اللبنانية منذ البداية بأُسلوبه الحادّ والمباشر. فهو من خلفيةٍ يساريةٍ، خارج اليسار التقليدي للحزب الشيوعي. بل يبدو أنه بسبب أصوله الفلسطينية، ما كان معنياً أولاً بالقضايا اللبنانية بالطريقة التقليدية. وربما كان ذلك بين أسباب غرامي بكتاباته منذ أكثر من عشر سنوات. فهو لا يكتب مثل الصحفيين المحترفين الذين يبحثون عن الخبر ويدقّقون فيه، ويحلّلون تفاصيله، ويعلّقون عليه. ثم إنّ الساحة اللبنانية ما كانت تجتذبه بحدّ ذاتها حتى أوساط التسعينيات. فسمير قصير مثقَّفٌ قوميٌّ يساريٌّ، دخل وبالتدريج على الصحافة الثقافية ثم السياسية. وقد جاءت معه حمولته الثقافية، والتزاماته القومية واليسارية، بعد تخرجه في التاريخ الحديث من إحدى الجامعات الفرنسية. وبأطروحةٍ عن بيروت.

لكنه سرعان ما تغيَّر في عدة أمور: الإتقان في إيصال الرأي للقارئ، ليس بالمباشرة وبالحدَّة فقط؛ بل وبالإيجاز والخلطة الثقافية والسوسيولوجية، التي تُعطي نصَّه نزوعاً عميقاً دونما تكلفٍ أو إملال. والأمر الثاني: الرؤية الشاملة التي تعتمد النقد الجذري وسيلةً للتغيير. فلا ديمقراطية بدون حرية، ولا حرية إلاّ بالخروج السوري من لبنان، ولا خروجَ سوريا من لبنان إلا بالنضال السلمي لكنْ المستمر. والأمر الثالث أنه آن أوانُ التغيير في الوطن العربي، وليس في لبنان فقط. فالأنظمةُ العربيةُ التي مضى على سوادِها زُهاء العقود الأربعة، أعاقت حركة التقدم والنهوض، وفرضت أَولوياتٍ ومشروعياتٍ كلّها غلطٌ في غلط. فالإستبداد رأسُ الداء، والتغيير الجذريُّ هو الدواء، وليس في لبنان وسوريا ومصر فقط؛ بل وفي فلسطين وفي وجود عرفات وسلطته للحكم الذاتي، وبعد ذلك.

والأمر الرابع أنّ المثقف الحقيقيَّ ثوريٌّ بطبيعته؛ لكنْ ليس على طريقة اليسار القديمة التي تعتمد الرفض أساساً، وتنتهي إلى التشاجُر مع الناس، قبل التشاجُر مع النظام؛ بل تنقل الوعْيَ من الجمهور الغامض أو "الكوربوراتي"، إلى القوى المدنية في المجتمع الحديث من إنتلجنسيا ومثقفين وأساتذة جامعيين ورجال أعمال وجمعيات المرأة والحكم الصالح والبيئة وحقوق الإنسان.

وبسبب مفارقته للدوغمائيات، أبى سمير قصير، لكنْ بعد تردد لم يطُلْ، الخوضَ في مسألة التغيير من داخل أو التغيير من خارج. فقد انشدَّ بوعيه اليساري في البداية إلى رفض العولمة، ورفض التدخل الأميركي في شؤون منطقتنا. وكان وعيُهُ الحاد بالقضية الفلسطينية كابحاً له عن النظر إلى الدور الأميركي بعيونٍ باردة. ثم تنبه إلى أنّ التغيير الذي يريدُهُ الأميركيون في عصر المحافظين الجدد، يمكن أن يكونَ مفيداً- رغم خلفياته- في هدم الأنظمة العربية؛ فأقبل على الدعوة للإفادة من الدور الأميركي، دونما تبنٍ للخلفيات النظرية والالتزامات الأميركية تجاه الصهاينة، وتُجاه الموالين من الحكّام. فهناك قيمٌ إنسانيةٌ وسياسيةٌ عالميةٌ تتركزُ في أمور: الحرية والديمقراطية والحكم الصالح أو المجتمع المدني. ورأى أنّ الأميركيين يتحدثون عن الأمرين الأخيرين دون الأول. ولذلك فقد اعتبر أنّ الأولويات الصحيحة تكون بالترتيب التالي: الحرية شرطاً للديمقراطية، والديمقراطية شرطاً للحكم الصالح. وجاءت عمليات التطوير في منظومته الفكرية- السياسية تدريجيةً، لكنها كانت سريعة، ولهذا تخلّى عن لعن العولمة لكنه لم يقع في تقديسها شأن الليبراليين الجدد. وتخلّى عن العداء لحركات الإسلام السياسي، لكنه لم يقع في شعبويات اللقاء اليساري- الإسلامي، كما حدث عشية الثورة الإيرانية، وعشية تلاقي القوميين مع الإسلاميين، أواخرَ الثمانينيات من القرن الماضي.

بيد أنّ قصة سمير قصير مع النظام الأمني اللبناني- السوري، والتي قادت في الغالب إلى اغتياله، تستحقُّ أن تُروى. فقد أقبل سمير قصير منذ حوالي السنوات الخمس على مهاجمة السيطرة السورية على لبنان، والحكم البعثي في سوريا ولبنان. ويعودُ جزءٌ من وعيه الحادّ وحساسيته العالية تجاه النظام السوري إلى الخصومة بين السوريين والفلسطينيين على الساحة اللبنانية منذ أواخر السبعينيات من القرن الماضي. ففي حين كان زملاؤه خارج اليسار التقليدي يعتبرون النظام العراقيَّ لصدام حسين كارثة الكوارث، كان سمير قصير يعتبر أنّ المعطّل الرئيسي لحركة التحرر العربي في لبنان وسوريا وفلسطين هو النظام السوري. وقد قادتْهُ جدالياته ضد النظام التسلطي في سوريا إلى نزاعٍ مع أجهزة الأمن المشتركة السورية- اللبنانية في بيروت.

سارع رجل الأمن السوري في لبنان مدير الأمن العامّ اللبناني السابق اللواء جميل السيّد، إلى تحدي سمير قصير وإرهابه بقصد إسكاته. ووصل به الأمر إلى سحب جواز سفره منه بحجة أنه حصل على الجنسية اللبنانية بدون حقٍ باعتبار أصله الفلسطيني. ولقي سمير قصير- الذي كان شديد التحفظ تجاه الحريري- رئيس الوزراء وقتَها، لأنّ حريته وحياته تتعرضان للخطر. وما كان الرئيس الشهيد يقدر على مساعدته، رغم أنه كان رئيس السلطة التنفيذية. على أنّ سميراً ما ارتعد ولا تراجع؛ بل ازدوجَ هجومه تارةً على النظام السوري، وطوراً على التسلط الأمني في لبنان بأدواتٍ لبنانية. وقد سمعتُهُ مرةً يقول للرئيس الحريري: أنت تحاولُ أن تصْنع معجزةً اقتصاديةً في لبنان؛ لكنّك تصطدم بالحائط المسدود؛ كيف تريدُ إحداث نهوضٍ اقتصاديٍ في البلاد، وتصحيح علاقاتها بالعرب والعالم، ومزاريب الهدر والفساد والتسلُّط مفتوحة على النظامين الأمني والسياسي. لا اقتصاد إلاّ بإرادةٍ سياسية، ولا إرادة سياسية إلاّ بالديمقراطية، ولا ديمقراطية بدون حرية، البداية في كل شيء, الخروج السوري من لبنان، وهدم النظام الأمني اللبناني- السوري!

وعندما بدأت تباشيرُ المعارضة اللبنانية للتمديد للرئيس لحود، كان سمير قصير في طليعة المتابعين والمنظّرين والكاتبين. كتب مقالاتٍ عنيفةً عن جميل السيد، وعن رئيس الجمهورية. وسخر من محاولات تجميل النظام السوري، وطهورية الحكم اللحودي. ومع أنه ما كان يستبعد أيَّ شيء، ولا ينزّهُ النظام الأمنيَّ السوريَّ- اللبناني عن أي شيء؛ فإنه قال لي إنّ اغتيال الرئيس الحريري كان صدمةً قاسيةً له. لكنها صدمةٌ تتحول إلى كارثةٍ وخنوعٍ وهوّةٍ سحيقةٍ إنْ لم نحوّلْها بالنضال إلى فرصةٍ لتوسيع مساحة الحرية. وقد وقف في الطليعة كتابةً وعملاً وتظاهُراً منذ الاغتيال وحتى 14مارس، وكان عاملاً أسياسياً في نجاح تظاهرة 14 مارس المليونية. ومع أنّ حركة اليسار الديمقراطي، التي صار هو أحد أركانها، بدت هامشيةً وسط زخم الاعتراض الهائل؛ فإنه ظلَّ مؤمناً أنّ الانسحاب السوريَّ من جهة، والانتخابات الحرة من جهةٍ ثانيةٍ؛ كفيلان بتطوير حياةٍ ديمقراطية في لبنان بعد تحقّق الحرية.

عندما اغتيل الدكتور سمير قصير قبل ظُهر يوم الخميس الماضي، في سيارته المفخَّخة، كان ذاهباً لكتابة مقالته الأسبوعية في جريدة النهار، كما كان مستبشراً بقرب انتصار المعارضة في انتخابات الجبل وشمال لبنان، وبتنامي حركة الاعتراض في سوريا ومصر. لقد اعتبر نفسَهُ منجزاً بارزاً ضمن حركة التغيير العربية؛ بقوة الكلمة، وصلابة الموقف، وإقدام الحرية. في كتابه "عسكر على مين" -وهو هجائيةٌ غنائيةٌ وسرديةٌ في النظام الأمني اللبناني والسوري-, جمع سمير قصير مقالاته في ملاحق النهار، ومن على صفحتها الأولى، فكانـت سيرةٌ له في مكافحـة الاستبداد بسوريا ولبنان. أما كتابه الآخر: " ديمقراطية سوريا واستقلال لبنان" في العام الماضي، فهو دراسةٌ عن التلازم الحتمي للأمرين: الديمقراطية في سوريا، والاستقلال في لبنان.

كان رفاقُ سمير من الصحفيين والمثقفين قد اعتادوا على التظاهر عند ضريح الرئيس الحريري لأكثر من شهرين. لكنهم انصرفوا عن ذلك مع اقتراب الانتخابات. أما الآن فقد عادوا للتحشُّد هناك يتقدمُهُم شهيدُهُمُ الجديد، شهيد الكلمة والموقف: سمير قصير، وشعارُهم هذه المرة: لا يكتمل الانسحاب السوري، ولا تكتمل الحرية إلاّ بإسقاط الرئيس لحود؛ فكم هو غالٍ ثمنُ هذه الحرية، في هذا المخاض العربي الكبير!