الشيخ الكردي السوري محمد معشوق الخزنوي... خرج ولم يعد.....

وائل السواح......الحياة

في العاشر من أيار (مايو) الماضي، خرج الشيخ محمد معشوق الخزنوي ولم يعد. ولم يمر بعد الوقت الكافي لكي يتحول الرجل أسطورة، ولكن هذا الحدث في كل المقاييس والمعايير السوري هو حدث استثنائي وفريد. فالمجتمع السوري لم يعرف حالات مماثلة من الاختطاف بغض النظر عن الأسباب، سواء أكانت سياسية أم لأسباب إجرامية، كالفدية مثلاً. ولم يكن أسلوب الخطف معروفاً عند أجهزة الأمن السورية على مر السنوات الماضية.

من هو الشيخ معشوق؟ ولماذا اختطف؟ وماذا سيكون مصيره؟ أسئلة كثيرة تشغل بال محبيه وأصدقائه وهم كثر، ولكنها أيضاً تشغل بال الوسط السياسي والديني والشعبي، بكل أبعاده. ستحاول هذه المقالة الإجابة عن السؤال الأول تاركة فضل الإجابة عن السؤالين الآخرين للتحقيق القضائي النزيه الذي من المفترض أنه يكون بدأ منذ لحظة اختفاء الشيخ الجليل.

لكل امرئ من اسمه نصيب. والشيخ معشوق رجل محبوب فعلاً، يصعب أن تلتقيه وتمر به مرور الكرام، فلا يترك في نفسك أثراً ورغبة في أن تلتقيه ثانية وثالثة.

وهو ظاهرة استثنائية بين رجال الدين السوريين. فهو شيخ يرى أن الدين هو الأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي. وهو كردي يرى أن «العرب والكرد يشكلان معاً وحدة أخوية متكاملة ضمن النسيج السوري ويتحملان معاً واجب الدفاع عن وحدة التراب السوري وحضارته وإنجازاته عبر التاريخ ولهما الحقوق نفسها في المواطنة التي ينبغي أن تتغلب على أية صفة أخرى»، وهو رجل يرى أن النساء شقيقات الرجال. والمرأة مساوية للرجل في الإنسانية والكرامة، وهي مساوية للرجل في الحقوق والالتزامات كافة ولا فارق بينهما في كل المزايا والصلاحيات من جهة والواجبات من جهة أخرى. وهو إنسان يرى أن «الكرامة الإنسانية ثابتة لكل بني آدم بتكريم الله له، بغض النظر عن الدين أو الجنس أو العرق أو النسب أو اللون أو التابعية، ومن هنا وجب التعارف والتعاون والتكافل بين جميع الجماعات البشرية تعاوناً يقوم على الحق والعدل والمساواة، لأن حقوق الإنسان مكفولة لكل فرد ولكل جماعة كما أقرتها الشريعة الإسلامية واللوائح الدولية لحقوق الإنسان.»

وإنما من هذا البعد الإنساني الأخير، يجد الشيخ نفسه مدافعاً أصيلاً وعنيداً عن قيم الديموقراطية والعلمانية وفصل الدين عن الدولة وحقوق الإنسان وتمكين المرأة وإدانة العنف والإرهاب.

وللبدء بذلك، لا بد كما يقول الشيخ الخزنوي من تحطيم سلطة رجال الدين وإحياء الاجتهاد الإسلامي، و»فتح أبواب الإصلاح والتطوير (...) وفق قاعدة احترام التعدد وحرية الاختيار من الفقه الإسلامي، ونبذ التقليد الأعمى والتعصّب والإقصاء والإلغاء والتكفير». وهو يرى أن رجال الدين، في معظمهم، يشكلون استنساخاً فكرياً، لا بد من مواجهته بدعم حرية الفكر والإبداع، ونبذ ممارسة الإرهاب الفكري سواء قبل المراجع الدينية أو اللوبي الشعبي وما يسمى بـ «العامة» الذين يتحكمون من خلال الجاه أو المال في كثير من القرارات والفتاوى الشرعية.»

وفي لفتة عقلانية بحتة، يدعو الشيخ الخزنوي إلى ما يسميه «فك الاشتباك بين العقل والنص» وذلك بالأخذ في الاعتبار ظروف النص الزمانية والمكانية، «كأسباب النزول وأسباب الورود، وإحياء وسائل العلماء المجتهدين في التعامل مع النص من خلال تخصيص العام وتقييد المطلق وتأويل الظاهر والتوقف في النص وغيرها من الوسائل التي تجعل النص نوراً يقتدي به المهتدون وليس غلاً يحول دون ضياء العقل ونوره.»

ثم ينتقل الشيخ الجليل إلى فكرة في منتهى الأهمية، عندما يطالب بإحياء مقاصد الإسلام الكبرى ومنحها دوراً حقيقياً في التشريع، والتي تزيد على عشرة عناوين: كالتوحيد والعدل والخير والحب والجمال والعفاف والطهارة والحرية والمساواة والشورى وحسن الخلق.

ويدعو الخزنوي أيضاً إلى فتح مجموعة من الحوارات التي تهدف إلى الفهم المتبادل والتعاون والعمل المشترك. ويقسم هذه الحوارات إلى ثلاثة مستويات: حوار إسلامي - إسلامي، حوار بين الأديان وحوار بين الدين والعلمانيين، «وفق قاعدة تعزيز المشترك وتوحيد الجهود في المقاصد الوطنية والإنسانية المشتركة». وفي هذا الصدد يرى الشيخ أن العلمانية تعني في النهاية فصل الدين عن الدولة. وهو مطلب يخدم كلا الطرفين، فابتعاد الدين عن الدولة والعمل السياسي، حماية للدين نفسه، ولمكانته وقيمه ومثله العليا.

وفي سبيل ذلك لا بد من التذكير دائماً أنه «لا إكراه في الدين،» و»ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً». فالتشديد على الأخوة الإنسانية أمر رئيس بالنسبة الى العالم الكريم. وفي سبيل ذلك لا بد من «البحث عن المشترك بين الناس في مختلف اتجاهاتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية وبخاصة أبناء الوطن الواحد على أساس القاعدة الذهبية: «الخلق كلهم عيال الله وأحب الخلق إلى الله أنفعهم

لعياله»، مما ينعكس إيجاباً على علاقة المسلمين بغيرهم، سواءً في البلاد الإسلامية أو بلاد المهجر، ويدفعهم إلى الانسجام والاندماج مع غيرهم والانخراط في مجتمعاتهم وتحمل مسؤولياتهم ودعم الحوار مع الغرب والانفتاح عليه ومد جسور التواصل الفكري والثقافي لردم الهوة ما بين الغرب والمسلمين .

على أن المفصل الرئيس الذي يفصل الشيخ الخزنوي عن معظم رجال الدين السوريين بمن فيهم الرجال الأكثر اعتدالاً وتسامحاً هو موقفه من الديموقراطية والعلمانية. وهو يدعو إلى ما يسميه «تصحيح الفهم الديني عن الديموقراطية» التي حاول أصحاب الأنظمة

الديكتاتورية والمتطفلون عليهم من رجال الدين إفهامه للمسلمين، باعتبار أن الديموقراطية التي تعني حكم الشعب للشعب هي بديل عن حكم الله للخلق. وهذا تعمد واضح في تشويه هذا المصطلح الذي توصلت الشعوب الحية المكافحة إليه بعد صراع طويل مع الطواغيت والديكتاتوريات, بينما القول الحق هو أن نقول: إن حكم الشعب للشعب هو بديل عن حكم الديكتاتور للشعب وليس بديلاً عن حكم الله للخلق، لأن المسألة، في الأساس، تتعلق بين الحاكم والمحكوم وكلاهما من البشر وليست بين البشر والخالق. أما الله «فأينما وجدت مصلحة العباد، فثم شرع الله.»

ولذلك، يرفض الشيخ الخزنوي الإسلام السياسي ويرى أن الإسلام يمتلك منظومة أخلاقية من العدل والمساواة والشورى وإصلاح شؤون الناس، ولكن «هذا لا يعني أن نصل إلى حد الادعاء أن لنا في الإسلام نظاماً سياسياً متكاملاً تجسد في سياسة النبي (صلى الله عليه وسلم) وخلفائه في قيادة مجتمعاتهم كما يحلو لبعض الإسلاميين أن يدعيه». ويضيف أن الإسلام السياسي يناقض نفسه حين يدعو إلى فكرة الحاكمية لله. ويقتبس من الحديث الشريف قول النبي لأحد قادته: «فإن هم أنزلوك على حكم الله فلا ترضى فإنك لا تدري أتصيب حكم الله أم لا ولكن أنزلهم على حكمك».

ويستنتج الخزنوي أن المسلمين ليس عليهم فقط ألا يتحرجوا من «العيش مع أي نظام علماني ديموقراطي يؤمن بفصل الدين عن الدولة,» بل عليهم أن يدعوا هم إليه، لأن «الإسلام دين الله وهو أسمى من أن يكون مطية لطاغية أو شماعة لجرائمه كما حصل خلال التاريخ وإننا اليوم بحاجة ماسة إلى أن نضع الحكام أمام مسؤولياتهم وننأى بالدين عن تصرفاتهم لتتمكن الشعوب من محاسبتهم ومحاكمتهم، فقد ولى عهد الأباطرة الذين كانوا يخدعون شعوبهم بأنهم يحكمون باسم الله.»

ويدافع الخزنوي عن الأفكار الليبرالية في «الرأي والرأي الآخر والتعددية وحق الاختلاف وحرية الرأي وحرية الكلمة وحق التعبير وإعذار المخالف»، التي يعتبرها البعض مصطلحات غريبة وغربية. ولكنه يؤكد أن «المنجز الديموقراطي اليوم مؤسس عبر تاريخ الثقافة الإسلامية، بل إن كثيراً من مصطلحاته ورموزه كانت محل استعمال في الأداء العربي اللغوي‏». ويضيف أن الرؤية الإسلامية للديموقراطية تعرضت للاغتيال على يد الفقهاء والسلاطين، وانتقل «الموقف السياسي من الاجتهاد إلى مزيد من القمع والقهر، ورسمت الأحكام القاسية الرهيبة تحت اسم مكافحة الزندقة، وتضمنت هذه الأحكام السجن والصلب والسحل والقتل». ثم يورد عدداً كبيراً من

العلماء الذين كانوا يضطهدون لأسباب مختلفة وربما متناقضة في كثير من الأحيان تحت مسمى الحفاظ على الدين وحماية الثوابت. ويقرر أن الأيام «التي حوكم فيها هؤلاء في ظل كهنوت صارم تقوده سياسة مستبدة كانت أياماً سوداء في تاريخ الإسلام، وأرجو أن ندرك اليوم أنها كانت جرائم ينبغي التبرؤ منها أكثر مما هي ضرورات شرعية قضائية لم يكن ثمة بد منها»‏.

ويلوم الخزنوي كثيراً من المسلمين لأنهم باتوا يرون في الإسلام مجرد طقوس وشعائر، متناسين أن الإسلام في الأساس هو رسالة إنسانية تهدف طقوسه وشعائره إلى تنمية روحه الإنسانية وإحيائها تماماً مثلما تهدف إلى تصحيح علاقته بربه. ويهو يفرق بين حقوق الله التي تقوم على المسامحة وحقوق البشر التي تقوم «على المشاححة». وهو يعني أن التساهل في حق الله أهون من التساهل في حق البشر، ولكن أيضاً الحيوان والنبات والبيئة. ومن هنا نفهم مغزى الحديث النبوي عن هلاك المرأة التي عذبت الهرة ونجاة المومس التي سقت الكلب في الصحراء.

ويتنبى الخزنوي موقفاً متقدماً من مسألة تمكين المرأة. وهو يلوم المفكرين وعلماء الدين بالتراجع عن فكر حركة النهضة والتنوير التي تبناها العلماء المتنورون في القرن الماضي. أما هو فيرى في المرأة شقيقة الرجل، بمعنى أنها تتمتع بكل المزايا والصلاحيات، لا فارق بينها وبين الرجال إلا ما جاء نص صحيح ثابت من الكتاب والسنّة قطعي الدلالة بخلاف ذلك (أي بتمييز أحد الجنسين عن الآخر لعلل محددة تتغير فيتغير الحكم بتغيرها)، وذلك فقط في حدود ما أمر به النص الشرعي من غير أقيسة فاسدة، أو خيالات مريضة شاطحة، أو إسقاطات نفسية متشنجة.

فللمرأة، كما يرى الشيخ، الحقوق السياسية كافة في ظل الالتزام بقيم الإسلام وآدابه، كالرجل سواءً بسواء، ولها الحق في ممارسة دورها في خدمة المجتمع، ولها حق التعلم وممارسة الزراعة والتجارة والصناعة والسياسة والرئاسة وكل المهن المشروعة التي لا تناقض طبيعتها الفيزيولوجية، ولها الحق في تنمية أموالها بنفسها وبالطريقة التي تشاء من دون وصاية من أحد عليها.

ويرى الشيخ أن الزي محايد وهو ليس معياراً بكل تأكيد وأن التماس التحرر من خلاله موقف لا يخلو من مغالطة، كما أن التركيز عليه من جانب الإسلاميين وبخاصة قضية حجاب المرأة ليس معياراً للدين والصلاح. ولدحض ذلك يعدد أسماء 824 امرأة من الأعلام في الإسلام اللواتي تتلمذ على أيديهن رجال ونساء. ويتساءل عما اذا كان هؤلاء الرجال يأخذون العلم من أولئك النسوة من وراء الحجاب!! ومن هنا ينطلق الخزنوي ليجزم أن «حال الانحطاط التي طرأت على المرأة بعدئذ وجعلت من خروجها فتنة وصوتها عورة وإقبالها مظهر شيطان» ليست الصورة الإسلامية الصحيحة للمرأة. وبشجاعة استثنائية دافع الشيخ عن حق الحكومة الفرنسية العلمانية في أخذ القرارات التي منعت ارتداء الحجاب في المدارس. وبشجاعة مماثلة أكد في خطبة له أن لا شيء في الإسلام يمنع إمامة المرأة.

ويلخص الشيخ الخزنوي الإنسانية بجملة من المبادئ هي: الكرامة التسامح والفضيلة والعدالة والمعاملة بالمثل والمودة والوفاء بالعهد واحترام العرف الصحيح في نطاق العلاقة بين الشعوب. ومن هذا المنطلق، يحث المسلمين على تجاوز فكرة الصدام والصراع. ويؤكد حاجة الإنسان الى الإنسان وحاجة الغرب الى الشرق والعكس. ويدين مطلقاً فكرة الإرهاب «المتمثلة في التعدي على الحياة الإنسانية بصورة باغية متجاوزة أحكام الله، تروع الآمنين وتعتدي على المدنيين المسالمين، وتجهز على الجرحى وتقتل الأسرى. ونشجب هذه الممارسات ونرى أن وسائل مقاومة الظلم وإقرار العدل لا بد من أن تكون مشروعة. فالخطأ لا يعالج بالخطأ، وندعو الأمة للأخذ بأسباب المنعة والقوة لبناء الذات والمحافظة على الحقوق، ونعي أن التطرف تسبب عبر التاريخ في تدمير بنى شامخة في مدنيات وحضارات كبرى». وهو يرى أنه «لا يمكن إنساناً أنار الله قلبه أن يكون مغالياً متطرفاً. إن هدي هذا الإسلام العظيم يدعونا إلى الانخراط والمشاركة في المجتمع الإنساني المعاصر والإسهام في رقيه وتقدمه، متعاونين مع كل قوى الخير والتعقل ومحبي العدل عند الشعوب كافة.»

ويشدد الخزنوي على القيم الفردية المعاصرة التي تحكم العلاقات بين الفرد والمجتمع، حقوقاً وواجبات، وتحدد مسؤولية الدولة حيال المجتمع، أفراداً ومؤسسات، ويراها «نتاج صراع وحراك اجتماعي طويل احتل فيه الصراع بين الكنيسة والدولة فصولاً عدة، انتهت بتحرير الشعوب الأوروبية من سطوة الفكر الديني الذي تمثله الكنيسة، وصولاً إلى حرية العقل والمعرفة بلا محرمات فكرية موروثة دينية، الأمر الذي أدى إلى ولادة الدولة الأوروبية العلمانية. لذلك، فإن العلمانية صفة تميز غالبية القوانين الوضعية الأوروبية والغربية على اختلاف أشكال التعبير عنها وتفاوت مستوياتها.»

ويرفض الشيخ أن ينظر إلى الثقافة الغربية كمنتج غربي مسيحي صرف مقطوع الجذور عن الثقافات الأخرى، بل يجب النظر إليها بمحتواها الإنساني العميق، وبما هي اليوم ذروة الثقافة الإنسانية المستندة ليس إلى ما سبقها من ثقافات فقط، بل إلى ما يزامنها أيضاً. فقد صبّت في نهرها كنتيجة لعملية المثاقفة عصارة ثقافات العالم ومنتج مثقفيها. كما يرفض إضفاء بعد ديني على الصراع مع «المفهوم المتوحش للعولمة» ويعتبر ذلك شديد الخطر «لأنه يفسح في المجال أمام الأيدي الآثمة التي تسعى إلى الصداع والصراع لتفعل فعلها، وتعيد زرع خرافاتها.»

بيد أن أي تجديد في الخطاب الديني لا ينعكس على الوطن والبلد والشعب بكل أطيافه هو تجديد أبتر. ولذلك كان من أهم انعكاسات رسالة التجديد على هذا المستوى هو، كما يعبر الشيخ، إحياء دور سورية الريادي للعالم وترسيخ صفة المواطنة في أذهان أبناء البلد الواحد ومكافحة العرقية والطائفية والمذهبية وغيرها من النظريات الشوفينية وإعادة الاعتبار الى مفهوم المواطنة وجعل الانتماء الأساس والوحيد هو (مواطن سوري) الذي يحل مشكلة الأقليات الدينية والأقليات القومية ويشد ارتباطهم بوطنهم سورية بصفته وطناً نهائياً لهم ما دامت حقوقهم وخصوصيتهم الثقافية مصانة في وطنهم الذي لا يسعى إلى تذويبهم في غيرهم، بل يعتبرهم مواطنين متساوين مساواة تامة في الحقوق والواجبات مع بقية مواطنيهم

السوريين.

ويطالب الخزنوي، إلى ذلك، بإجراء «مراجعة حقيقية» لقانون الأحوال الشخصية الذي «مر على اكتمال تدوينه قرابة خمسين عاماً، ويمكن القول الآن إن كثيراً من بنوده لم يعد يلبي المصالح العادلة للناس». ويدعو إلى التذكر أن هذا القانون «كلمة الله.»

ومن هذه النقطة ينتقل الخزنوي إلى تأكيد أهمية دعم المجتمع المدني ذي المؤسسات الفاعلة المستقلة ليكون مجتمعاً يسوده السلام الاجتماعي ويقوم على الاحترام المتبادل والعدالة والمساواة والحب والوئام. وذلك لا يكون إلا بنشر روح التكافل الاجتماعي بغية توفير أقصى ما يمكن المجتمع أن يساهم به أو فيه من خدمات علمية وتربوية واجتماعية وصحية وأحياناً ترفيهية لسد حاجات المستفيدين من المركز والوقوف معهم في شدائدهم.»

وينظر الخزنوي نظرة مختلفة إلى جملة من المسائل التي وقف عندها الفقهاء خائفين أو متزمتين، كالتأمين والفائدة المصرفية وغيرهما. وهو يدعم الرأي المنفتح القاضي بعدم حرمة هاتين المسألتين، بل وضرورتهما، باعتبارهما أمرين منفصلين عن الربا والميسر، كما يرى جمهور الفقهاء.

ولئن رفض الخزنوي الانتماء سياسياً لأي طرف، سواء أكان كردياً أم عربياً، معترفاً به أو محظوراً، فإن اهتمامه بقضايا الأكراد يأتي «استجابة لنداء الواجب الإنساني وقبل ذلك الديني وهو في النهاية جزء من صدقيته في رسالته الدينية وترسيخ خطابه الإسلامي.»

تلك باختصار حكاية الشيخ المختطف الذي خرج من مكتبه في العاشر من أيار (مايو)، 2005، ولم يعد. ولا تدعي هذه المقالة خبرة تفتقدها في التحليل الجنائي، ولكن اختفاء الشيخ الجليل لا بد من أن تكون له، في شكل أو في آخر، علاقة بطروحاته التي أثبتناها آنفا، وكلها مأخوذة من كتاباته ومن حوارات خاصة معه. وبانتظار ألا يتحول هذا الرجل المكافح إلى موسى صدر جديد.

كاتب سوري.