تباعد الوطني والديموقراطي... سورية نموذجاً

محمد سيد رصاص     الحياة     2005/05/28

كان سقوط بغداد من أهم الأحداث العربية منذ سقوط الدولة العثمانية وما أدى إليه الأخير من مجيء إنكلترا وفرنسا لاقتسام المشرق العربي  بما فيه إنشاء دولة إسرائيل.

من غير المجدي، كما يفعل الكثير من منظّري الأنظمة العربية أو بعض المعارضين العرب الذين لم يستوعبوا متغيرات ما بعد 11 أيلول (سبـــتمبر)، عدم رؤية واقعة تبـدل نظرة واشـنطن إلى الأنظمة العربية، على ضوء النـــظرة الأميركية الجديدة إلى ما يسمى بـ»بالإرهاب الإسلامي»، الذي ضرب، في ذلك اليوم، العاصمتين الاقتصادية والسياسية للعالم، حيث أصبحت الولايات المتحدة ترى في هذه الظاهرة نتيجة للديكتاتورية والفساد وللنظم التعليمية والثقافية السائدة في البلدان العربية والإسلامية، الشيء الذي دفعها للحضور المباشـــر إلى المنطقــــة العربية لإعادة صياغتها، على حد تعــــبير وزير الخارجـــية الأميركــــية قبــــيل أسبوعين من غزو بغداد، وإلى تغــيير نظرتها إلى الأنظمة العربية.

أدى ذلك إلى اضطراب الأنظمة ومنظّريها وساستها، فيما رأينا ميولاً عند الكثير من المعارضين العرب إلى تلقف وملاقاة هذا التوجه الأميركي الجديد، الذي  أصبح فعلاً يرى في الديموقراطية مصلحةً أميركية وبخاصة إذا تمّ ضمان صندوق الاقتراع عبر اتفاق وتوافق أميركي في النظرة للأمور مع القوى المرشحة عربياً للصعود عبر الانتخابات (أي القوى الإسلامية التي على طراز أردوغان، إن توافقت مع الرؤية الأميركية للقضايا الإقليمية والداخلية)، وبشكل يمكن القول عبره أن الديموقراطية، ولكن المعزولة طبعاً عن البعد الوطني بحكم حاملها الأميركي الغازي للمنطقة، قد أصبحت أيديولوجية للأميركي عبر القميص الليبرالي الذي يرتديه أو يرغب بإلباسه للمنطقة العربية التي يريد احتلالها أو إخضاعها إلى النفوذ والهيمنة.

يبدو أن نموذج المعارضة العراقية، التي كانت غطاءً محلياً للاحتلال ، ليس معزولاً أو خاصاً بالعراقيين، بل يشمل الكثير من المعارضات العربية، وقد رأينا كيف كان النموذج السوداني قريباً كثيراً لذلك الذي كان في بلاد الرافدين، إلا أن المفاجأة كانت في الشام: إن المعارضة السورية، التي دخلت في صدام منذ أواخر السبعينات مع نظام كان مدعوماً من موسكو وواشنطن، قد طرحت منذ ذلك الزمن تلازم «الوطني» و»الديموقراطي»، إلا أن هذه المعارضة لم تستطع البقاء متوحدة في مرحلة «ما بعد بغداد»، حيث رأينا ، بعد أشهر من سقوط العراق، أحد زعماء الأحزاب السورية الرئيسية المعارضة يأخذ وضعية أحد علماء الأرصاد الجوية ليقوم بقياس كيف - على حد تعبيره - نقل الأميركيون العراق « من تحت الصفر» إلى «درجة الصفر»، وهو عاد ليكرر، قبل أسابيع ومن على شاشة فضائية «المستقلة»، أنه لن «يدافع إذا أتى الأميركيون لغزو البلد ما دام النظام قائماً»، وكأن الأميركيين قد أتوا إلى العراق لاحتلال قصر صدام حسين فقط. ولم يسقط العراق وبغداد معه بحكم توحيده وإلغائه للبلد والسلطة والمجتمع في شخصه ونظامه الديكتاتوريين.هذا الإتجاه لا يشمل فقط ذلك الرمز الأبرز للمعارضة السورية، وإنما يشمل الكثيرين – وبعضهم قد بدأ يحوّل ذلك من الشفوي إلى المكتوب -  في المعارضة، سواء في الأحزاب أو في «لجان إحياء  المجتمع المدني» أم في المنظمات الحقوقية الخاصة بحقوق الإنسان: الملاحظ على هؤلاء، إنهم كلهم قد كانوا ماركسيين وتحولوا إلى الليبرالية بعد هزيمة موسكو أمام واشنطن، وأنهم يفتقدون الجذور الاجتماعية والامتداد الاجتماعي، والكثير منهم قد راهن على العهد الجديد حتى عام 2003 ثم انتقلوا في العامين الماضيين إلى المراهنة على ما وراء الحدود.

ذلك لم يؤد فقط إلى انقسام المعارضة السورية تجاه الموقف من الأميركي الآتي إلى المنطقة، وإنما ينبع ِمنْ ذلك الموقف الخيط الذي يقود إلى خلافات المعارضة في القضايا الأخرى، والتي تشمل العراق ولبنان وتقويم مغزى ودلالات أحداث القامشلي، فيما يلاحظ أيضاً أن هؤلاء الليبراليين الجدد يملكون تصورات جديدة - لم تكن موجودة سابقاً عندهم - تجاه قضايا العروبة وفلسطين، وهذا طبيعي ما دام أن كل تحول أيديولوجي يحوي في داخله رزمة مواقف متكاملة من قضايا عدة.

أدى هذا الوضع، الناشئ  في المعارضة السورية خلال العامين الماضييــن، إلى استــقطاب كبير بالحياة السورية السياسية، يخترق المعارضة والموالاة والسلطة، شبيه بالذي جرى في عام 1970 تجاه (حركة 16ت2) أو بالذي حصل في عامي 1979 - 1980 حيال الأحداث السورية: أحد معالم هذا الاستقطاب هو تباعد القوى المعارضة عن بعضها بعضاً بين تلك التي تجمع الوطني والديموقراطي وبين تلك التي تراهن على الديموقراطية الأمـــيركية، كما في العراق، أو التي تأمل بحدوث سيــناريو شبــيه بالذي جرى في لبنان - من دون غزو عسكري- عندما تمّ تحجيم الرئيس اميل لحود وكل القـــوى الموالية للسوريين عبر عملــية إجـــبار واشنطن لدمشــق على الخروج من لبنان، تمهيداً لإسقاطهم واستلام المعارضة اللبنانية لمقاليد الأمور في بيروت ولكن عبر الخضوع - ربما -  لعوكر بدلاً من رستم غزالة في عنجر.

هنا، من الممكن (كما توحي مؤشرات عدة برزت في الشهور الأخيرة ومنـــها تصريح كوندوليسا رايس في 23 آذار (مارس) الماضي حول عدم وجود موانع عند واشنطن من تسلم الإسلاميين المعتدلين للسلطة، مما يفسر - ربما - التحركات الأخيرة لجماعة الإخوان ضد الرئيس حسني مبارك واللهجة التصعيدية لبيان الإخوان المسلمين السوريين في 3 نيسان (أبريل) أن يحصل اتفاق بين القوى الإسلامية وأميركا على طراز ما هو جارٍ في أنقرة: هذا إن حصل سيزيد استقطاب المعارضة السورية إلى معسكرين حدةً وقوة، مما سيضيف الإسلاميين إلى معسكر الليبراليين الجدد ومعظم الأحزاب الكردية في مواجهة المعارضين السوريين الآخرين الرافضين لفصل الجانب الوطني عن الديموقراطي، وهو ما يشمل حتى الآن القوميين والإسلاميين والماركسيين.

تؤكد مواقف السلطة السورية من قضايا العراق وفلسطين وطنيتها في مواجهة الأميركيين والإسرائيليين، إلا أن الوضع الداخلي السوري يقول بافتقاد وطنية السلطة السورية البعد الديموقراطي: السؤال المطروح على الساحة السورية الآن هو التالي: هل يؤدي تلاقي الوطنيين، في السلطة وفي أحزاب (الجبهة) ومن هم في الوسط مثل شيوعيي «تيار قاسيون» بزعامة الدكتور قدري جميل، مع معسكر «الوطنيين الديموقراطيين» في المعارضة، ولكن عبر برنامج إصلاحي يبدأ من السياسة عبر بابي «إنهاء احتكار حزب البعث للسلطة» و»إلغاء قانون الطوارئ» إلى معادلة جديدة في السياسة السورية، تقوم على إنهاء حال التباعد بين الوطني  والديموقراطي (المتزايدة باطّراد ضمن وسط المعارضة السورية فيما لم تحاول السلطة حتى الآن الجمع بينهما) عبر تحصين الداخل الوطني بالديموقراطية في مواجهة الأميركي، بما يعنيه هذا من عزلٍِ لـ«حزب أميركا» المحلي في سورية، والذي امتّد كثيراً في المعارضة السورية.

* كاتب سوري.