لماذا الحوار؟.. لماذا المصالحة؟

 صريح البني - السفير

 

لعل <<تكاليف الحياة>> التي سئم منها زهير بن أبي سلمى، بعد أن عاش ثمانين حولاً، هي التي جعلت الرفيق أبو خلدون (يوسف الفيصل: الأمين العام للحزب الشيوعي السوري) يتحدث بنبرةٍ غير معهودةٍ لديه، متسائلاً، في حديثه الأخير إلى صحيفة <<الشرق الأوسط>> اللندنية: <<كيف يمكن لنا مثلاً نحن كشيوعيين أن نجري مصالحة مع الأخوان المسلمين؟ بيننا وبينهم دماء؟ قتلوا لنا أعداداً كثيرة من رفاقنا..>>.
أو لعل عضويته في القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية هي التي أملت عليه أن <<يدقق>> شعار الحوار الوطني المطروح من هيئات المجتمع المدني ومن قبل أحزاب يسارية ويمينية، على الساحة السياسية السورية منذ سنوات.. يقول <<نحن كأحزاب نجري حواراً دائماً بيننا وبين قيادة حزب البعث..>> وقبلها: <<نحن كحزب لنا كياناتنا ولنا مؤسساتنا ولا يمكن لنا أن نتحاور مع أفراد..>>، مطالباً المعارضة بتوحيد صفوفها وأن يكون لها برنامج وقيادات.. فحينئذ <<سنكون مستعدين لأن نبحث معها ونأخذ ونعطي معها..>>.
ربما تذكر آخرون من الأصدقاء، وهم يقرأون هذه الكلمات، مقولة بابلو نيرودا: <<أبداً لا يتعلم المرء ما فيه الكفاية من التواضع>>! فالتواضع هو الصفة الإنسانية الأروع، ليس على مستوى الخلق الشخصي فقط، وإنما بالنسبة الى المجموعات البشرية ومنها الأحزاب، وهي تمارس أدوارها السياسية وتطرح مشاريعها وتتعامل مع الآخر.. بل هو (أي التواضع) يغدو، في هذه الحالة، معياراً لحسن تقدير الذات ومؤهلاتها الفعلية وصواب رؤاها.
عندما كتبت في عدد <<تشرين>> (بتاريخ30/4/2005) متمنياً <<أن تبادر فئة سياسية إلى لعب دور مشجع للحوار بين القوى الوطنية في البلاد، في الحكم وخارجه>> كنت أفكر، خاصة بالحزب الشيوعي السوري، بل وبالأستاذ يوسف الفيصل، شخصياً، للقيام بهذا الدور. للرجل خبرة سياسية غنية جداً. فهو عاش بنشاط، كل فصول الدراما السياسية السورية، منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، وكاد يكون أحد ضحايا الهجوم الذي دبره أفراد من <<الإخوان المسلمين>> (أو شباب محمد، كما كانوا يسمون في تلك الأزمنة) على مكتب الحزب الشيوعي في دمشق، في 29 تشرين الثاني عام 1947. وكان مساهماً أساسياً في صياغة ميثاق الجبهة الوطنية التقدمية عام 1972، كما أنه قاد عمليات (الحوار) التي أفضت إلى تجميع بعض أجزاء الحزب الشيوعي، ثلاث مرات، خلال السبعينيات والثمانينيات، بعد أن لعب، قبلها، دوراً أساسياً في الصراعات التي أدت إلى قسم الحزب، ثلاث مرات أيضا.. قلت: لعله يوظف هذه الخبرة السياسية الغنية في لملمة أشلاء الحياة السياسية السورية، خصوصاً إذا استوحى ذلك الجزء من خبرته في توحيد فصائل حزبية، كانت، سنوات قليلة سبقتها، تتهم بعضها البعض بكل ما في قاموس الحركة الشيوعية من اتهامات ثقيلة، لا أريد التذكير بمفرداتها. بل ان القدر التاريخي هو الذي رحمنا وحمانا (ونحن خارج السلطة السياسية الفعلية في البلاد) من ممارسة عنفنا <<الثوري>> تجاه رفاقنا، ناهيك تجاه بقية القوى السياسية التي تصارعنا معها خلال فترات عديدة، وكنا ضحايا لعنفها هي.. والدماء التي يتحدث عنها الرفيق أبو خلدون لم تكن فقط بيننا وبين <<الإخوان المسلمين>>، بل بيننا وبين قوى سياسية أخرى يجلس معها حول طاولة اجتماعات القيادة المركزية للجبهة.
أدرك، مع غيري من السوريين، الحساسية السياسية العالية جداً لمسألة المصالحة الوطنية في سوريا، خصوصاً بين قوى خاضت في ما بينها ما يشبه الحرب الأهلية، مطلع الثمانينيات. بيد أن هذه الحساسية ذاتها تدفع لمقاربة من نوع آخر تماماً، تتجلى فيها الخبرة السياسية العميقة لشعبنا السوري. وهو قد جرّب وتجرع كل النكبات السياسية التي عاشها هذا الجزء المضطرب من عالمنا منذ أربعينيات، بل وعشرينيات القرن الماضي. لم نكن مجرد شعب تصل إليه آخر الأمواج التي تسببها أعاصير وزلازل كوكبنا، بل كنا في مركز تلك الأعاصير والزلازل! دعونا نتذكر: استقلال سوريا المبكر، عقب نهاية الحرب العالمية الثانية وتعثر الحياة السياسية بعده، بفعل الانقلابات العسكرية المتتالية (يتهمنا أشقاؤنا بأننا أول من ابتدعها في دنيا العرب، على الأقل..)، ثم التجربة الديموقراطية بين عامي 19581954، وفيها نجح لأول مرة في المشرق العربي نائب شيوعي (خالد بكداش) في انتخابات حرة يذكرها الدمشقيون باعتزاز. ثم الوحدة السورية المصرية والانفصال، وهزيمة حزيران عام 1967 واحتلال المزيد من الأراضي العربية وتجريب الايديولوجيا القومية من خلال حكم الحزب الواحد (المتأثر، نسبياً، بأساليب الحكم الشيوعي المعروفة) والعنف الدموي المتبادل الذي تعرضت له، بنسب متفاوتة، القوى السياسية جميعها تقريباً. والمجابهة الساخنة، شبه الدائمة، مع الإدارة الأميركية، ثم الحدث العراقي المفجع ودخولنا وخروجنا من لبنان، ثم آثار الانهيار السوفياتي علينا كبلد وكأحزاب سياسية. في كل تلك الأحداث العاصفة كانت سوريا تعيش تاريخها الناصع والبائس معاً وتصنع تجاربها القاسية المؤلمة، تنتصر وتنهزم، تخور قواها وتموت ثم تنتعش روحها من جديد.
فهل نهدر كل هذا التاريخ ودلالاته ونحن نتنفس، بالكاد، أولى نسائم الحرية، داخلين مرحلة انعطافية في تاريخنا، نحتاج فيها، قبل كل شيء، إلى الحكمة السياسية المشكلة من عصارة ذلك التاريخ. دعوني أستشهد، وأنا الخارج من الفكر الماركسي، باحثاً عن فكر أكثر توافقاً مع وقائع العصر، بمقولة ماركس: <<ليس لنا علم إلا علم التاريخ>>. وبسبب من هذا التاريخ /العلم: تاريخنا وتاريخ العالم، أقول بأن مفهوم ودور العنف في حسم الصراع الطبقي وبالتالي كقاطرة للتاريخ (بحسب ماركس) هو أسوأ ما في التراث الماركسي: إنه الجزء المسؤول عن نصيبنا في العنف الدموي الرهيب الذي ساد القرن العشرين.
أنتمي، تقريباً، إلى الجيل السياسي ذاته الذي ينتمي إليه الرفيق أبو خلدون. بل ان عمي الدكتور عدنان البني كاد أن يكون، فعلياً، الشهيد الثاني للحزب (بعد الرفيق الباسل حسين عاقو) في معركة الدفاع عن مكتب الحزب، أمام هجوم <<الإخوان المسلمين>>. وتعرّض بيتنا في جورة الشياح بحمص إلى محاولة حرقه من قبل شابين مهووسين (بتأثير الإخوان المسلمين)، مطلع الخمسينيات. بل ان أستاذنا لمادة الديانة في الصف السادس (ثانوية خالد بن الوليد)، المرحوم نصوح السباعي (شقيق القائد التاريخي للإخوان المسلمين في سوريا المرحوم مصطفى السباعي) كان يتجاوزني وهو يطرح أسئلته الدينية، على جميع طلاب الصف، واحداً إثر واحد، معلناً، أمام جميع الطلاب، أنني أنتمي إلى أسرة معروفة ب<<إلحادها>>، فلا حاجة أن أجيبه عن أسئلته. ربما لكي لا أكسب ثواب تفوقي، في مادة الديانة. ولكم أن تتخيلوا حراجة موقفي أمام رفاقي من الطلاب، وعمري لم يتجاوز الثانية عشرة، آنذاك.
بيد أنني كنت شاهداً، أيضاً، على جزء من نهاية أحداث حماه الشهيرة. يوم رافقت وغيري من الزملاء، المقدم خليل بهلول، المدير العام الأسبق لمؤسسة الإسكان العسكرية، في زيارة لها تستهدف الإعداد لإعادة بناء أحد أحيائها الذي دمّر جزء منه. في اليوم التالي لزيارتنا المدينة، ألحّ علي السيد بهلول أن أروي أمام ثلاثمئة من مهندسي وإداريي المؤسسة: ماذا شاهدنا في حماه، يوم أمس؟ بقيت صامتاً متردداً لفترة، ثم قلت له، جملةً وحيدةً فقط، أمام الجميع: دعونا نعمل كي لا تعود أحداث كهذه لبلادنا، مرة أخرى! تدّعي زوجتي أن الآلام الحادة التي عانيت منها في معدتي، ما يقرب من عشر سنوات، جاءتني عقب تلك الزيارة المشؤومة. والله أعلم.
دعونا نطوِ، سويةً، تلك الصفحات المريرة من تاريخ سوريا. دعونا نتصالح مع ذلك الماضي الأليم. دعونا نشهد أمام القبور غير المعروفة لضحايا العنف المتبادل (الثوري وغير الثوري منه) أننا نحترم ذكراهم، فقط عندما نؤسس لحياة سياسية جديدة تنبذ العنف، قبل كل شيء. وتقبل الآخر المؤمن بما يشاء وتعطيه الحق في التمتع بأثمن ما في الكون، فرصة الحياة النادرة التي منحه إياها الله عزّ وجل. فهو الذي يهدي من يشاء.
ينبغي التعامل مع التيار الإسلامي العريض في بلادنا، كما في العالم، بأكثر ما يمكن من المسؤولية والتبصر السياسيين. ومن أجل إحباط محاولة <<تحريكهم، داخلياً، من قبل الولايات المتحدة>>، فإن بناء حياة سياسية ديموقراطية هو وحده ما يسحب أية عوامل قد تجبر البعض على ملاقاة <<الغزل الأميركي>>، دون أن تبرر مثل هذه الملاقاة.
عندما يدعو <<الإخوان المسلمون>> الى المصالحة الوطنية وينبذون العنف ويجدون نقاط تلاق بين الشورى الإسلامية والديموقراطية كما يفهمها العالم اليوم، فقد يكون وراء دعوتهم فرصة التعلم من التاريخ ما يلزمهم ويلزمنا من دروس. أليس لدينا أسس لكي نعدّ تطور <<حزب العدالة والتنمية>> التركي نموذجاً محتملاً لما يمكن أن يحصل بالنسبة لأقسام كبيرة من التيارات الإسلامية في العالم كله؟ إنه (أي العالم) لا يستطيع تقبلها إلا إذا تأقلمت مع شروطه الراهنة، بوصفه عالماً يتعايش ويستمر، بقدر ما تسود فيه مناخات علمانية، بعيدةً عن تطرف <<الطالبانيين>> من جهة و<<المحافظين الجدد>> من جهة أخرى.
ربما يفيدنا أكثر أن نراهن ونشجع احتمالات تطور كهذه، بدل أن نتحدث بلغة ثأرية، لغة الدم والعنف وبدل أن نوجه الى بعضنا البعض إنذارات بالويل والثبور إذا انقضت آجالها دون استجابات لطلبات محددة. فهذه الإثارات لا تمهد طريق الحوار والمصالحة. وهي طريق صعبة وطويلة، لا يحتملها قصيرو الأنفاس.
نعم سيبقى الكثير من المواضيع الأساسية التي نختلف حولها، بقوة، مع <<الإخوان المسلمين>>، وأبرزها محتوى الدولة وعلاقتها بالدين وطبيعة الحزب السياسي كفاعل جمعي مختص بأمور الدنيا، حصراً. بل اننا سنختلف حول الكثير من الرؤى المستمرة للفكر القومي والماركسي، حول قضايا اجتماعية وسياسية واقتصادية عديدة. بيد أن الحوار مطلوب، تماماً، لإدارة هذه الخلافات في بيئة ديموقراطية تعزز العقلانية السياسية وترسم ملامح العيش المشترك للسوريين، رافضة إقصاء الآخر وأي عودة ممكنة لاستخدام العنف بجميع صنوفه.ليس دون مغزى، شديد العمق، أن المسلم ينهي صلاته، وهو بين يدي الله، بالالتفات برأسه، إلى اليمين وإلى اليسار، قائلاً للجالسين في صفه، بل للناس جميعاً: السلام عليكم ورحمة الله! (اقتباس من الكاتب المصري: حسن محمد الأمين). نعم. سلام عليكم أيها المواطنون السوريون: كفانا ما عشناه من آلام، بسبب من تطرفنا وعصبياتنا وضيق أفقنا. دعونا نَعُدْ سبّاقين، أيضاً، في محيطنا العربي، ولكن هذه المرّة في اكتساب تجربة العيش المشترك بسلام وأمان لنا ولجميع جيراننا.
(
) كاتب سوري