أولويات كوندوليزا رايس وحكاية تمثيل «السنّة»!

 عبد الحسين شعبان      الحياة     2005/05/23

زارت كوندوليزا رايس العراق أخيراً في زيارة مفاجئة (سرّية) إلتقت فيها رئيس الوزراء الدكتور ابراهيم الجعفري ورئيس اقليم كردستان «المرتقب» مسعود البارزاني. الزيارة غير البروتوكولية سبقتها معلومات نقلتها صحيفة «نيويورك تايمز» قالت فيها ان بعض «زعماء السنة» من الذين يرتبطون بعلاقات مع القوى المسلحة أبدوا استعدادهم للحوار مع واشنطن وإلقاء السلاح مقابل اشراكهم في العملية السياسية وفي كتابة الدستور الجديد.

اللافت ان حدة العمليات العسكرية تعاظمت منذ تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، حتى ان الناطق الرسمي بإسم الحكومة الدكتور ليث كبّة قال انه «منذ تشكيل الحكومة الجديدة (قبل اسبوعين) جرى تفجير اكثر من 70 سيارة مفخخة راح ضحيتها نحو 400 عراقي واصيب مئات».

واذا كانت العمليات العسكرية قد طالت خلال الاشهر الاخيرة ضحايا مدنيين وأبرياء (الوقود الاساسي للتفجيرات والمفخخات)، فإنها في الوقت نفسه ألحقت خسائر بالقوات الاميركية بشرياً ومادياً، لدرجة ان واشنطن وهي تبرر اسباب اقدامها على فتح نار «صديقة» على المسؤول الامني الايطالي، الذي رافق الصحافية الايطالية الى مطار بغداد، والتي اطلق سراحها بعد اختطافها لاسابيع عدّة، قالت «ان اكثر من 3000 (ثلاثة آلاف) عملية عسكرية حصلت في بغداد لوحدها خلال الاشهر الخمسة الاخيرة (اي بمعدل 20 عملية عسكرية في اليوم)».

كوندوليزا رايس حملت «الملف الامني» وعمليات العنف، وطرحت المسألة على بساط البحث بمقايضة: وقف العمليات مقابل مشاركة مناسبة في المواقع السياسية. ورغم انها أقرّت بأن القوى «الارهابية» المسلحة لا يمكن هزمها عسكرياً فقط، بل ببديل سياسي قوي، مقترحة فتح حوار ومصالحة، لكنها في الوقت نفسه رفضت تحديد موعد انسحاب القوات المحتلة من العراق مؤكدة «البقاء في العراق حتى يكون قادراً «على الدفاع عن نفسه...» أي البقاء الى أجل غير مسمّى. واذا كان رئيس الاركان الاميركي الجنرال مايرز توّقع ان يتطلب القضاء على الارهابيين 3 الى 9 سنوات، فإن تحديد جدول للانسحاب ليس وارداً وليس من اولويات واشنطن في المدى المنظور.

مقايضة واشنطن تعني إعلان مباركة «الجميع» للمشروع الولايات المتحدة وحربها غير المشروعة على العراق فضلاً عن ذلك الموافقة على بقاء القوات الاميركية والمتعددة الجنسية الى فترة غير محددة. ولذلك فإن هدف الحوار سيكون كسر مقاومة العراقيين الرافضين للاحتلال، ان لم يتم تحديد سقف زمني لانهاء الاحتلال وكذلك ان لم يكن هذا الحوار باشراف دولي واقليمي معتمد كأن يكون برعاية الامم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي تحقيقاً للمصالحة الوطنية الشاملة عبر المصارحة وكشف الحقيقة كاملة وتحديد المسؤوليات. وإلاّ سيكون عنصر «استدراج» للبعض تحت يافطة توسيع دائرة المشاركة وتلوين جهة كتابة الدستور.

وكان الدكتور الجعفري أقرّ في كلمته بحضور رايس بوجود ضعف في مستوى التمثيل السنّي في اللجنة النيابية المكلفة بصوغ الدستور. وقال سنسعى الى ايجاد بديل لمشاركتهم معتبراً ذلك ضريبة الديموقراطية.

أحقاً يمكن مطابقة اولويات رايس مع أولويات العراقيين، الاّ اذا اعتمدنا الصيغة النمطية التي روّجت لها وسائل الاعلام على نحو كثيف منذ حرب الخليج الثانية وغزو الكويت عام 1990، بتصنيف المجتمع العراقي الى: شيعة وسنّة واكراد، وأقليات اخرى. واذا كان للكرد ممثلون اساسيون من الحزبين الكرديين تاريخياً وتمثيل اقل تأثيراً لاسلاميين ومجاميع أخرى، فمن يمثل السنّة يا ترى ومن يمثل الشيعة؟ ثم أين عرب العراق الذين يمثلون 80 في المئة من المجتمع العراقي ويشكلون هويته الغالبة تاريخياً؟

هل حقاً ان «الشيعة» الذين يتصدّون للمشهد السياسي الراهن والذين أفرزتهم «الانتخابات» هم ممثلو الشيعة العراقيين؟ وماذا عن غيرهم من المنخرطين في حركات غير طائفية وغير دينية، وضمن هذا الحشد الهائل المتنوع كيف يمكن التعامل معهم؟

الامر يتعلق ايضاً بالسنّة، الذين يراد ادراجهم في العملية السياسية، فمن يستطيع ان يتحدث باسمهم: «هيئة علماء المسلمين»، «الوقف السني»، «الحزب الاسلامي»، قوى وشخصيات سياسية لم تجد تمثيلاً لها في التشكيلات القائمة وفي ظروف الانقسام، فأخذت تتحدث عن عدم مشاركة السنّة بل ذهبت الى ادعاء تمثيلهم كما فعل الدكتور عدنان الباجه جي العلماني القومي الاصول وآخرون؟

أعود وأقول ومن باب الحوار والجدل الديموقراطي والتفكير بصوت عال: من يمثل الشيعة اذن هل هو حزب الدعوة بتفرعاته وأقسامه أم المجلس الاعلى للثورة الاسلامية أم كلاهما زائد منظمة العمل الاسلامي وجند الامام والكوادر وقوى صغيرة اخرى؟ هل هو «البيت الشيعي» الذي ضم قوى اسلامية شيعية مضاف اليها قوى عشائرية، من دون وجهة محددة إلاّ اذا كان مذهب أهل البيت هو «الموحد»! فما الذي يجمع اذن مذهب أهل البيت ببول بريمر او كوندوليزا رايس؟

بتقديري ان الشيعة هم جزء اساس من النسيج الاجتماعي العراقي، وهم ليسوا كتلة سياسية او تنظيماً سياسياً او حتى تياراً سياسياً، لكي » يبادر» أحد للنطق بإسمهم او ادعاء تمثيلهم. الشيعة هم طائفة اساسية مثل السنّة، وفيهم المتديّن وغير المتديّن، وفيهم العربي والكردي والتركماني، مثلما هم السنّة أيضا، فغالبية الكرد من السنة وكذلك التركمان وقسم أساس من عرب العراق. اما الشيعة فهم احدى مكونات العراق الاساسية، جلّهم من عرب العراق وأقلية كردية (الفيلية) وأقلية تركمانية. والشيعة متوزعون مثل السنة على القوى والتيارات السياسية.

ولعلي لا ابالغ اذا قلت ان غالبية أعضاء وقيادات الحزب الشيوعي من الشيعة وقسم كبير منهم من السنّة اضافة الى تمركز في القيادات والقواعد الكردية الشيوعية. وكذلك فان غالبية اعضاء حزب البعث الذي حكم العراق طوال 35 سنة من الشيعة، بل ان معظم منتسبي جهاز الامن والمخابرات والجيش وغيره كانوا من الشيعة ايضاً (باستثناء القيادات). ويمكن القول انه حتى عام 1963 كان غالبية قيادات البعث وابرزها من الشيعة ايضا، وكذلك غالبية قيادات وقواعد الحركات القومية والناصرية وكذلك الحركات الديموقراطية والليبرالية . اما الغالبية الصامتة من الشيعة فقسم منهم غير معنيين أساساً بالسياسة التي رغم ابتعادهم عنها إلاّ انهم اكتووا بنارها مثل جميع العراقيين خلال حكم استبدادي شمولي وحروب دامت ربع قرن من الزمان.

صورة المشهد الشيعي الراهن لا يمكن اختزالها او تأطيرها في ظروف انتقالية قاسية واحتلال شرس واوضاع معيشية شديدة البأس ببعض الحركات الشيعية مهما كان دورها. فحتى السيد السيستاني، بحكمته وبعد نظره، يدرك خطورة ذلك رغم مرجعيته وريادته، ولذلك ظل بعيداً عن ادعاء تمثيل الشيعة، بل يشعر انه ليس من حقه النطق بإسم جميع الشيعة. لعله يدرك أيضا من التاريخ الغني للمرجعية الشيعية على نحو محدد وواضح واجبه الشرعي والديني خصوصا ازاء القضايا الوطنية العامة والكبرى سواء» ابان الاحتلال البريطاني للعراق وما بعده. والمرجعية لدى الشيعة تعددية، اي انه لا يوجد مرجع واحد وحيد يمثل الشيعة او يعبر عنهم في اجتهادات فقهية ورأي سياسي او

موقف عملي.

وبقدر تساوق توجهات المرجع الاعلى والمراجع العظام الشيعية مع حاجات ومصالح المجتمع وتعبيره في لحظة معينة وتاريخية عن اهدافه وتطلعاته، يكون قد عبّر عن موقف وطني ومسؤول وليس موقفاً طائفياً او مذهبياً او سياسياً ضيقاً.

فموقف السيستاني من الاحتلال والدعوة الى انهائه وصياغة الدستور بإرادة عراقية واجراء انتخابات ومشاركة القوى الغائبة والمغيّبة، انما هو تعبير عن مواقف وطنية حريصة ومسؤولة، ولا يمكن تصغييرها الى مواقف » طائفية» او «حزبوية» ضيقة. وقد حاولت بعض الاحزاب الشيعية استثمار مثل هذه المواقف ايجابيا في حملتها الانتخابية ملّوحة بالتماهي بينها وبين مواقف السيستاني نظراً الى المكانة الرفيعة التي يحتلها.

ولكن السؤال يظل مطروحاً ماذا لو دعا السيستاني غداً الى رحيل القوات المحتلة خصوصاً بعد استباحات للمدن والقتل الجماعي وذلك ضمن جدول زمني؟ هل ستنحاز القوى والاحزاب الشيعية الى مبادرة السيستاني هذه، ام تجد فيها أيضاً ضرباً من المغامرة واللامسؤولية، وربما تحسبها على ملاك القوى الممانعة او غير المشاركة او المقاومة؟ كيف ستبرر او تفسّر ذلك واين ستكون الكلمة الفصل هذه المرّة للدين والمرجعية أم للسياسة والمواقع الحزبية، ثم كيف سيكون موقف الاحتلال؟ ولعل ذلك إحدى مفارقات المشهد السياسي الراهن!

الشيعة طائفة كبيرة ومتنوعة ومتماهية مع المجتمع وتياراته المختلفة ولا يمكن تحريكها بإشارة سريعة تحت أي باب أو حجة مهما كانت. واذا كانت الدولة العراقية منذ تأسيسها قد عانت من اشكالات بنيوية خصوصاً وقد تعكّزت الطبقة الحاكمة على الطائفية السياسية لفرض هيمنتها وحكمها الأقلوي عبر قوانين غريبة للجنسية وبعض الاجراءات التي ادّت الى طرد نحو نصف مليون عراقي، فان بعض القوى التي حصلت على امتيازات ومكاسب سياسية بفضل قوانين بول بريمر الحاكم المدني الاميركي على العراق، والذي جاء بالمحاصصات والتقسيمات الطائفية والاتنية، تريد لها أن تستمر وتدوم، ملحقة الضرر ليس بواقع العراق المنهك والمستلب حسب بل بمستقبله.

ان الغاء الطائفية السياسية وذيولها لا يتم عبر تكريس صيغة طائفية سياسية ومجتمعية جديدة أكثر خطراً من سابقاتها خصوصاً وقد رافقها ممارسات اقصائية وإلغائية بإسم الطائفة او بدونها وبمبررات ومسوّغات بعيدة عن روح المواطنة والمساواة في الدولة العصرية. ولعل هؤلاء وأولئك هم طائفيون بلا دين، على حد تعبير عالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي.

الأمر ينطبق على الشيعة مثلما ينطبق على السنة أيضاً، الذين تحدثت عنهم كوندوليزا رايس بالجملة، وكأنهم كيان سياسي واحد او كتلة سياسية منسجمة، رغم انهم ينسبون تارة الى الحكم السابق واخرى الى الجهات التكفيرية والوهابية وثالثة الى جماعة اسامة بن لادن وابو مصعب الزرقاوي، ونسيت او تناست وربما عن عدم معرفة بانهم مثل الشيعة يتوزعون على قوى واحزاب وتيارات مختلفة فيهم البعثي والقومي واليساري والليبرالي والاسلامي، وبشكل عام فهم مسلمون عرب وكرد وتركمان أيضاً، فيهم منفتحون ومنغلقون، تقدميون ومحافظون، متدينون وغير متدينين،

ان اولويات كوندوليزا رايس اميركية. أما اولويات العراقيين فهي تتركز اولاً وقبل كل شيء على احلال السلام الاهلي بعيداً عن الاحتقان والتوتر الطائفي الذي قد ينذر بحرب أهلية وخيمة العواقب خصوصاً بوجود قوى من مصلحتها تكدير العلاقات بتفجير هذا الجامع او تلك الحسينية، واحلال السلام يتطلب استعادة هيبة الدولة وتحقيق توافق وطني بين القوى والمكوّنات العراقية واعادة الخدمات كالكهرباء والبنزين والصحة والتعليم وفرص العمل والضمان. ولعل الطريق الى ذلك هو بدء صفحة حوار جديدة بين العراقيين بإشراف دولي واقليمي لوضع دستور دائم للبلاد وتحديد جدول زمني لانهاء الاحتلال.

* باحث وحقوقي عراقي.