ابن خلدون: الهرم حتمي… وابن رشد: الإصلاح ممكن!

 د. محمد عابد الجابري - الاتحاد

 

خلاصة المقالات الثلاثة السابقة، التي خصصناها للدولة في العالم العربي الإسلامي من منظور ابن خلدون وابن رشد، أنها دولة مركبة "من فضيلة وكرامة وحرية وتغلب" بتعبير ابن رشد، أو من تيموقراطية وأوليغارشية وديمقراطية واستبداد حسب المصطلح اليوناني. أما جوهر العلاقات في مجتمعها فيقوم على مبدأين متلازمين: "الجاه مفيد للمال" بالتسلط أو بالخدمة، و"التملق مفيد للجاه" الذي يولد طبقة المصطنعين، حسب تعبير ابن خلدون.
هل يمكن إصلاح هذه الدولة؟ هل يمكن الدفع بالأمور فيها إلى أن تصير "الفضيلة" فيها مهيمنة؟
لنطلب الجواب مرة أخرى من ابن خلدون وابن رشد!
أما ابن خلدون فقد استقى جوابه من استقراء تاريخ الأقطار الإسلامية إلى عهده، وبالخصوص منها أقطار المغرب العربي، مفضلا التقيد بما تعطيه "الأخبار عن الواقعات" المتسقة مع "طبائع العمران"، متجنبا الخوض في ما ينبغي أن يكون، سواء كان ذلك مما يتصوره الفلاسفة من مدن فاضلة "على جهة الفرض والتقدير" أو مما يسعى إليه صاحب الدعوة الدينية. هو يقرر أن القوة المحركة للتاريخ هي العصبية، وأنه على الرغم من "أن الدول العامة الاستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين، إما من نبوة أو دعوة حق"، فإن "الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم"، و"أن من طبيعة الملك الانفراد بالمجد" والجنوح إلى "الترف والدعة والسكون"، وأنه إذا استحكمت طبيعة الملك "من الانفراد بالمجد وحصول الترف والدعة أقبلت الدولة على الهرم"، "وأن الدولة لها أعمار طبيعية كالأشخاص"، و"أن الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع".
ومع هذا التسلسل الحتمي الذي ينتهي بالدولة إلى الهرم والسقوط، والذي لا يترك مجالا للتفكير في أي إصلاح، فإن صاحب المقدمة لا يستبعد أن "تستجد الدولة عمراً آخر سالما من الهرم"، وذلك بـ"أن يتخير صاحب الدولة أنصارا أو شيعة" من غير أهله وقبيلته "ممن تعوّدوا الخشونة"، أي من غير أولئك الذين حصل بهم الانفراد بالمجد والترف والدعة والذين جروا الدولة نحو الهرم. ويستشهد ابن خلدون لإمكانية حصول هذا التجدد في الدولة، رغم بلوغها مرحلة الهرم، بالسياسة التي كانت تسلكها "دولة الموحدين بإفريقية ، فإن صاحبها كثيرا ما يتخذ أجناده من زناتة والعرب ويستكثر منهم ويترك أهل الدولة المتعودين للترف فتستجد الدولة بذلك عمرا آخر سالما من الهرم".

ومع ذلك فإن هذا العمر الذي تضيفه الدولة إلى عمرها الأصلي لا يحول دون وقوع الدولة، في نهاية المطاف، في "المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه ولا يكون لها منه برء إلى أن تنقرض". إن أفق تفكير ابن خلدون تحكمه حتمية الهرم لأن هرم "الدولة" في نظره طبيعة من "طبائع العمران"، وبالتالي فـ"التناوب" الذي ذكره ابن خلدون قد يضيف إلى الدولة عمرا آخر، ولكنه لا يقيها من الهرم المحتوم.

حالة واحدة يمكن أن تتجاوز الهرم، هي تلك التي نسميها اليوم بـ"الثورة" التي تقوم عندما يصبح كل شيء في الدولة لا يستطع مواصلة السير، وذلك حينما تتبدل أحوال البلد جملة: "وإذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره، وكأنه خلق جديد، ونشأة مستأنفة وعالم محدث". يحدث ذلك عندما تقوم أسرة حاكمة جديدة بتأسيس دولتها على أنقاض دولة أسرة حاكمة قديمة، كما حدث مثلا عندما قامت الدولة العباسية على أنقاض الدولة الأموية في المشرق، أو عندما قامت دولة الموحدين على أنقاض دولة المرابطين في المغرب.

هل يوافق ابن رشد على هذا الرأي؟ هل يقول بحتمية الهرم؟

لا، إن فيلسوف قرطبة يرى أن الإصلاح ممكن والمدينة الفاضلة ممكنة، ولكن بشروط! وفيما يلي موجز لوجهة نظره.

عندما انتهى ابن رشد من عرض آراء أفلاطون في تحول أنظمة الحكم على التعاقب، من الأرستقراطية (حكومة الأخيار) إلى التيموقراطية إلى الأوليغارشية إلى الديمقراطية إلى الطغيان، نبه إلى أن هذا التعاقب ليس ضروريا ولا حتميا كما يقول أفلاطون، لأن الأمر، في نظر فيلسوف قرطبة، يتعلق بالشؤون الإنسانية وهي كما يقول: "إرادية كليا"، أي أعمال يأتيها البشر بإرادتهم وتتدخل فيها السنن القائمة كالتربية والسياسة والتشريعات. ومن هنا كان "تحول الإنسان من خلق إلى خلق" لا يحصل ضرورة وبالحتم، كما تحدث التحولات في الطبيعة، و"إنما يكون تابعا لتحول السنن ومرتبا على ترتيبها".

ويرد ابن رشد على الاعتراض القائل إن قيام المدينة الفاضلة كما تصورها أفلاطون يتطلب أن يكون الحكام فلاسفة - وهؤلاء يندر وجودهم، وإذا وجدوا، كما كان الحال زمن أفلاطون نفسه، فالناس في الغالب لا يأتمرون بأمرهم ولا يتخذونهم قدوة، ثم إن المتعاطين للفلسفة أنفسَهم كثيرا ما يفتقدون الصفات التي تؤهلهم لقيادة المدينة الفاضلة، والنتيجة من كل ذلك استحالة قيام هذه المدينة!- يرد ابن رشد على هذا الاعتراض بالقول: "والجواب هو أنه يمكن أن نربي أناسا بهذه الصفات الطبيعية التي وصفناهم بها، ومع ذلك ينشأون وقد اختاروا الناموس العام المشترك الذي لا مناص لأمة من هذه الأمم من اختياره، وتكون مع ذلك شريعتهم الخاصة بهم غير مخالفة للشرائع الإنسانية، وتكون الفلسفة قد بلغت على عهدهم غايتها. وذلك كما هو عليه الحال في زماننا هذا وفي ملتنا هذه. فإذا اتفق لمثل هؤلاء أن يكونوا أصحاب حكومة (حكم)، وذلك في زمان لا ينقطع، صار ممكنا أن توجد هذه المدينة" الفاضلة.

على أن الطريق إلى المدينة الفاضلة ليست واحدة في نظر ابن رشد: هو يرى أنها "قد تنشأ على غير هذا الوجه" الذي رسمه أفلاطون، ويضيف فيلسوف قرطبة: "غير أن ذلك يكون في زمن طويل: وذلك بأن يتعاقب على هذه المدن وفي أزمان طويلة ملوك فضلاء، فلا يزالون يرعون هذه المدن ويؤثرون فيها قليلا قليلا إلى أن تبلغ في نهاية الأمر أن تصير على أفضل تدبير". ويضيف ابن رشد قائلا: "وتحول هذه المدن (غير الفاضلة نحو أن تصير فاضلة) يكون بشيئين اثنين، أعني بالفعال والآراء، ويزيد هذا، قليلا أو كثيرا، تبعا لما تجري به النواميس القائمة في وقت و(تبعا) لقربها من هذه المدينة (الفاضلة) أو بعدها عنها". ثم يضيف قائلا: "وبالجملة فتحولها إلى مدينة فاضلة أقرب إلى أن يكون في هذا الزمان بالأعمال الصالحة منه بالآراء الحسنة، وأنت تلمس ذلك في مدننا".

خلاصات أربع نخرج بها من ملاحظات فيلسوفنا:

1- إن بقاء الدولة على ما هي عليه من الاستبداد أو دخولها في مرحلة الهرم ليس أمرا حتميا، فالإصلاح ممكن لأن الشؤون الإنسانية "إرادية كليا". وبعبارة معاصرة: الإصلاح مسألة إرادة، وبالتالي فهو لا يحتاج إلا إلى قرار سياسي.

2- لابد لكي ينجح الإصلاح من اختيارات محددة لا تتناقض مع "الناموس العام" الذي اختارته الأمة، وفي نفس الوقت لا تكون "مخالفة للشرائع الإنسانية". ولابد من "أن تكون الفلسفة قد بلغت غايتها"؛ وبلغة عصرنا لابد من دستور غير مخالف لـ"الشريعة الإنسانية"، والشرائع الإنسانية اليوم تتلخص في كلمة واحدة هي "الديمقراطية"، ولابد من "فلسفة" أي من فكر مستنير يحل محل العقلية الجامدة على التقليد.

3- إن الآراء الحسنة والتصريحات المنعشة وحدها لا تكفي في الإصلاح، بل لابد أن تقرن بالأعمال الصالحة.

4- لابد من تعاقب "حكومات أخيار" يرعون الإصلاح ويواصلونه إلى أن يصير الأمر على "أفضل تدبير".

هل ينبغي لي إضافة شيء آخر ؟

سأقتصر على تقرير ما يلي:

الانتقال إلى الديمقراطية في العالم العربي يعني مواجهة الحتمية الخلدونية بالمشروع الرشدي.

ولكن كيف؟

إنه السؤال الثالث من أسئلتنا الرئيسية.