أزمة الأحزاب جميعاً ليست أزمة حزبية:

 ياسين الحاج صالح....الحياة

منبع الضعف الأساسي للأحزاب السياسية في سورية هو انفصال حركية العمل الحزبي، السياسي والفكري والتنظيمي، عن هياكل وديناميات الترقي الاجتماعي الفاعلة في المجتمع السوري. وهذا ما يجعلها ضعيفة أمام الأقوياء الأربعة: السلطة والإيديولوجيات (إيديولوجياتها هي بالذات) والدين والمجتمع الأهلي. وهو أيضا مصدر التشابك المعقد بين الأحزاب السياسية وبين أطراف ذاك المربع.

 

ينطبق الانفصال المذكور على حزب البعث الحاكم بدرجة لا تقل عن انطباقه على غيره. لكن «الحزب القائد للدولة والمجتمع» يعوّض ضعف ديناميته الحزبية بالتحامه بالسلطة. فما يسميه السوريون «الحزب»، بأل التعريف، يستغني عن تطوير عتاده الفكري باحتكار الحياة الثقافية في البلاد، وعن افتقاره إلى مفهوم السياسة والدولة (بشهادة أحد المع قادته ومثقفيه في الستينات: سامي الجندي) بتوسع السلطة في وسائل العنف والإكراه، وعن ترهله التنظيمي بعلاقته الحلولية مع السلطة والإدراة الجهازيتين. أما أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية فتبقى على قيد الحياة بفضل الدعم المالي الحكومي.

بلا سند سلطوي، وفي ظل ما سنسميه أزمة إنتاج العام الاجتماعي، تجد تنظيمات المعارضة التي تماثلت في السنوات الأخيرة للسياسة والعلانية، نهبا للضعف والوهن. وإذ يتصل جذر الأزمة بانفصال الأحزاب عن الديناميات الاجتماعية كما قلنا، فإن أصل هذا الانفصال ذاته هو افتقار المجتمع السوري إلى ديناميات ترقٍ وتشارك عامة، فاعلة، ذاتية. فالحياة الثقافية مصادرة على مستوى إجهزة إنتاجها، وعلى مستوى مواردها المالية، وعلى مستوى قيمها الموجهة، الوطنية والتقدمية والديموقراطية. وقيمها هذه بدورها تشكو من تفتت وتشوش عميقين من جهة، ومن انفصال فكري وعزل سياسي عن تحولات الحياة الاجتماعية والسياسية المحلية طوال ربع القرن الأخير من القرن العشرين من جهة ثانية، ومن انقطاع عن التفاعل مع التيارات الثقافية والفكرية والفنية في العالم من جهة أخيرة. كذلك تشكو المدرسة والجامعة من تخرّب شديد في أنظمتهما الداخلية (القيمة العليا فيها ليست التعليم والعلم، والسلطة فيها ليست للمعلمين والكادر التدريسي)، ومن انفصال التعليم عن الاقتصاد والعمل والدخل، وتاليا تعطيل دوره كقناة للترقي الاجتماعي. ثم إن مستوى التنمية الاقتصادية متدن وخطوها متعثر، وقيمة العمل مهمشة لصالح قيم السلطة والولاء، ماديا ومعنويا. وهو ما يعني انه لا تتكون قوى اجتماعية ذات وزن على أرضية النظام الاقتصادي الحالي.

إلى ذلك، تمثيل سكان البلاد في الدولة اعتباطي وجامد وغير ديموقراطي. والتفاعل المستقل بين السوريين ممنوع أو مقيد بشدة، وتشكل اجهزة السلطة الحزبية والأمنية ممرات إلزامية لأي تواصل حر بينهم وانتظام طوعي لهم. وهياكل النظام السياسي متصلبة المفاصل، وطاقتها الاستيعابية محدودة، واشكال تمثيلها للسوريين متقادمة واستنسابية ومنقوصة. وهكذا يفتقر السوريون في آن إلى اقنية ترقٍ اجتماعي عامة وفعالة من جهة، وإلى محركات تماهٍ وتعارف واشتراك نشطة من جهة أخرى. والملاحظة الاجتماعية المطردة تشير إلى أن للترقي العام مفعولا دمجيا وتوحيديا، وأن مجتمعا تتحسن دخول اكثرية الأفراد فيه وتزداد حقوقهم هو مجتمع يزداد تعضيا واجتماعية ووحدة. بالمقابل غالبا ما يترجم تعطل ديناميات الترقي مشكلات على مستوى الاندماج الاجتماعي والتماهي الوطني. الارتقاء يوحد والانحدار يفرق.

إلى ذلك فإننا نفتقر إلى نموذج عقلاني لفهم المجتمع والدولة والأحزاب والسياسة، يدمج التحليل النظري الأصيل مع اقتراحات لنهوض الفاعلين التغييريين ولتصور مخارج معقولة ومناسبة من الشرط الراهن. الافتقار هذا يجعل المعاناة من مشكلات التمثيل والتماهي والترقي مطلقا، فلا هو مرحلي يمكن تحمله، ولاهو واعد بحلول يمكن أن تضفي عليه قيمة نسبية. وبغياب نموذج من هذا النوع تصبح المفاهيم التي نستخدمها، وبالخصوص المفاهيم المذكورة للتو (الدولة والحزب والمجتمع والسياسة)، مجازية وضعيفة الإنتاجية، إن على مستوى الفهم ام على مستوى التفاهم أم على مستوى العمل. فعند إمعان النظر في المجتمع نجده يتبعثر إلى عُصب دينية ومذهبية ومحلات وجماعات قرابية؛ وعند التدقيق في الدولة نجد الوجه الجهازي لها ولا نعثر لوجهها المؤسسي والقانوني على أثر؛ وبالمثل تظهر الأحزاب فاقدة لسياسيتها وتكاد تلفظ أنفاسها مثل سمك خرج من الماء؛ وتتفكك السياسة كل لحظة إلى عنف منفلت لا يعترف بأية ضوابط قانونية أو أخلاقية، او عقائد مطلقة لا تقر باية فوارق اجتماعية أو ثقافية داخل معسكرها ولا ترتضي بأقل من أسوار صينية مع خارجها.

في المقابل، ينمو على أرضية أزمة المجتمع والدولة والسياسة والحزب السياسي كائنات مشوهة وغير عقلانية تعيش خارج زمنها أو تقوم بوظائف ليست مؤهلة لها. السلطة «تتغوّل» ولا تخضع لمقياس معقول، وفي الوقت نفسه ترتبط بتكوينات اهلية؛ والعشيرة والطائفة والمحلة تخرج عن منطقها التكافلي التقليدي وتندرج في منطق التنافس على سلطة الدولة، لتغدو مزيج من حزب ودولة ومجتمع مغلق؛ والدين يتورّم لقيامه بوظائف سياسية وقضائية واخلاقية ليست من دائرة ولايته، لكنه أيضاً يشكل سنداً معنوياً واجتماعياً لأفراد وجماعات منخلعين؛ والإيديولوجيات تتحول عقائد وأديان لمجتمع فقد حس التناسب والقياس وتشوشت مداركه، لكنها أيضاً هدي جماعات أصغر لا ترتاح في الدولة ولا في الدين ولا في المجتمع. باختصار، يعيش مجتمعنا من انحلاله، ويحافظ على بقائه بفضل تشوهاته.

وكما نرى، فإن الأزمة هي في الجوهر أزمة إنتاج العمومية الاجتماعية، أعني التعطل العميق لآليات وأقنية الدمج والاشتراك والتعاطف والثقة بين السكان، وتحول التعطل هذا إلى أثبت ثوابت نظام سياسي يقوم على عزل الناس عن بعضهم ومصادرة السياسة ومراقبة التفاعلات الاجتماعية جميعا. إن ضعف الأحزاب مظهر لأزمة تعقيم المجتمع أو تجريده من قدرته على إنتاج عام اجتماعي يشترك فيه السوريون وينقسمون على أرضيته. ولهذا السبب بالذات، الأزمة تعمّها جميعا. فبينما يمكن أن تكون مشكلة حزب أو حزبين مشكلة ذاتية تخص فكره أو تنظيمه أو خياراته السياسية، فإن مشكلة جميع الأحزاب، وعلى مدى جيلين او ثلاثة، لا يمكن أن تكون مشكلة حزبية ذاتية. إنها مشكلة السياسة وأزمة العمومية الاجتماعية.

قلنا في مقال سابق في هذه الصفحة إن ضعف الأحزاب السورية ثمرة سياسة استئصالية تعمل على تحطيم الأحزاب، وتصادر على «وحدة وطنية» غير سياسية وقبل سياسية، ولا تقر بشرعية وجود أطراف مستقلة في المجتمع السوري. يفيد أن نضيف أن السلطة لا تعترف بوجود أطراف مستقلة في المجتمع المحلي لأنها هي ذاتها طرف مثل غيرها، لأن فكرة الدولة غائبة عن فكرها وثقافتها وتكوينها. الواقع أنها غير قادرة على فهم فكرة الدولة كإطار للعام الاجتماعي، متميز ومتعال على أي طرف بذاته. وهي عاجزة عن استيعاب مفهوم المؤسسة، رغم إكثارها من استخدام الكلمة. ولأنها حساسة «لطرفيتها»، فإنها تبالغ في تمثيليتها ووطنيتها، ولأنها خاصة وجزئية تبالغ في العمومية، ولأنها بالغة العنف تسرف في مسرحة مظاهر الحب والولاء التي يبذلها الناس لها، ولأنها متصنعة وغير طبيعية تتكلف العفوية وتفرضها قسرا.

الخلاصة ان الأحزاب السياسية لا تنبت على أرض اجتماعية محروقة، ولا تنبت حيث ترتد الدولة ذاتها إلى محض حزب اجتماعي. ما ينبت هو المسوخ، وكل ما هو شاذ وغير متناسب، والهويات المتحولة والمستحيلة إلى غيرٍ لا قياس له.

"كاتب سوري"

"الحياة"