أميركا وسورية من بين أمور أخرى....

عزمي بشارة.....الحياة

عقدت في مركز سابان لسياسات الشرق الأوسط في معهد بروكينغز في واشنطن (25 نيسان/ ابريل 2005) بمناسبة صدور كتاب فلينت ليفيريت حول سياسة وآفاق مرحلة الرئيس بشار الأسد تحت عنوان «وراثة سورية» الصادر في نيسان (ابريل) من هذا العام. وقد لفتني أن المؤلف، وهو موظف كبير سابق في مجلس الأمن القومي، وبقية المشاركين يتفقون على غياب سياسة أميركية تجاه سورية. وهم يعنون كما يبدو غيابها من زاوية نظر الديبلوماسية التقليدية، أي تحديد هدف سياسي: «ماذا تريد أميركا من سورية؟»، واعتماد وسائل تشمل عصي وجزرات بأحجام مختلفة للوصول الى الهدف الذي تحدده الإجابة عن هذا السؤال. ويدعي الكاتب أن سورية لا تعرف ماذا تريد أميركا منها، كما أن الأخيرة لا تعد سورية بأي مقابل لقيامها بتنفيذ ما تطالبها به. ويستفاد من نص الندوة أن الجميع يرى أن لبنان ليس ولم يكن بحد ذاته مهما لأميركا، وأن سياستها هناك أداتية تستخدم لأهداف إقليمية، خصوصاً في ما يتعلق بإسرائيل وسورية وغيرهما. ولذلك كانت الولايات المتحدة مستعدة لدعم حكومة لبنانية تصنع سلاماً مع إسرائيل في 17 أيار ولو على حساب لبنان نفسه، ومن دون أية مصلحة لبنانية، وضد أي تصور لسلم داخلي لبناني. ثم الانتقال إلى التسليم بدور سوري حصري في لبنان، ودعم كامل للنظام الطائفي وفعل المال السياسي من المال للسياسة، ومن السياسة الى المال. ثم استغلال استشهاد الحريري لتحسين العلاقات الأميركية - الفرنسية، واستغلال هذا التوافق الأميركي - الفرنسي لإصدار قرار 1559، وانتهاز الفرصة لتغيير نمط استغلال لبنان من جديد في مرحلة أعلى من الصراع مع سورية.

لا اتفق مع كاتب الكتاب بالنسبة الى غياب سياسة أميركية. وسورية لا تعرف ما تريده أميركا المحافظين الجدد رسمياً، وذلك لأن الأخيرين حرصوا ميكافيلياً على إخضاع صراعات رأتها ثانوية لصراعات رئيسية. ولكن إساءة فهم ذلك كتقدير أميركي لدور سورية هو خطأ فادح. ولا شك أنه بعد العراق هيمن في الإدارة التيار الذي يهدف الى قلب نظام الحكم في سورية، ولم تعد الازدواجية التي مثلها كولن باول وارميتاج وغيرهما قائمة. إضافة الى ذلك فإن أميركا تتجنب الإعلان عن هذه السياسة لأنها لا تستطيع تبريرها ولا بأية حجة منطوقة ممكنة، ولا حتى في مجلس أمن يأتمر بأمرها. وهي تكتفي حالياً بانتهاز مثابر للفرص لخلق أجواء إضعاف وعزل سورية يجنب أميركا التدخل العسكري المباشر، ومعه الحاجة الى اعلان سياسة رسمية. ويُفْتَرض أن سورية تدرك ذلك حالياً. ولا بد في هذا السياق من تذكر ورقة «بداية جديدة: استراتيجية جديدة لضمان أمن الدولة» التي عالجناها قبل سنوات عدة، الموقعة من جانب ريتشارد بيرل، دوغلاس فيث وديفيد وورمز, والتي قدمت الى رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتانياهو في اعقاب انتخابه لرئاسة الحكومة الاسرائيلية يوم 8 تموز )يوليو) 1997.

اكتسبت هذه الورقة اهمية اعلامية بأثر رجعي إبان الاعداد للعدوان على العراق، خصوصاً أنها نصحت نتانياهو بأن تنضم اسرائيل الى جهد التيار الذي يمثله كتابها، والذي لم يعرف في حينه باسم المحافظين الجدد بعد، لإقناع أميركا بشن الحرب على العراق وذلك بالتدخل عبر نفوذها في الكونغرس، أولاً كخيار أميركي ضد سياسة الإدارة في تلك الفترة ، وثانياً كخيار استراتيجي اسرائيلي يكتسب أهمية قائمة بذاتها بالنسبة الى اسرائيل. وقد اكتسبت الورقة أهمية بأثر رجعي فحسب لأنها بدت حين كتابتها خارجة عن السياق التاريخي. فرحى سياسة ادارة كلينتون الخارجية لم تدر حول خوازيقها. ولم يمهل نتانياهو، وهو عنوان المشورة المقدمة ومحط أماني كتاب هذه الورقة، في الحكم طويلاً. ومن الواضح انه في فترة حكمه القصيرة لم يستمع الى نصائح معدّيها بل واصل المفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية بعد انتفاضة النفق في ايلول (سبتمبر) 1996، ومع سورية مبدياً استعداداً نظرياً للتنازل عن أجزاء واسعة من الجولان. والسبب وراء سلوك نتانياهو الأقرب أيديولوجياً الى كتاب الورقة بسيط جداً، وهو أن النهج الذي تجسده الورقة لم يكن يحكم أميركا بعد. وحين حكم هذا النهج أميركا ذاتها تبناه شارون من دون أن توجه إليه ورقة، أية ورقة... واستمر النهج حتى وصلت المنطقة إلى مرحلة تطالب فيها أميركا إسرائيل بأن لا تتجاوب مع كلام سورية حول السلام وليس العكس، لئلا تساهم في فك عزلتها.

محور توصيات الورقة في حالة سورية ولبنان التي تعالج هناك تحت عنوان «الحدود الشمالية» (المقصود هو حدود إسرائيل بالطبع) هو اعتبار سورية وايران وحزب الله أهدافاً ملحة في عملية محاربة الارهاب. وتقترح الورقة ان تعاقَب سورية في لبنان، ولكن بشرط ان تعاقب اسرائيل سورية في المستقبل في سورية ذاتها اذا لم ينفع الاسلوب الاول. واخذاً في الاعتبار طبيعة النظام السوري، فإن من الطبيعي والاخلاقي في آنٍ ان تغادر اسرائيل شعار «السلام الشامل» وان تنتقل الى «احتواء» سورية بشكل شامل، وان تلفت النظر الى اسلحة الدمار الشامل وان ترفض شعار «الارض مقابل السلام في الجولان». كما وردت في التقرير الجملة العجيبة التالية: «يشدد هذا الجهد على اطاحة صدام حسين، وهو هدف استراتيجي في حد ذاته بالنسبة الى اسرائيل، كوسيلة لتغليف (اقرأ احتواء) طموحات سورية الاقليمية«. وإمعاناً في محاولة اقناع الحكومة الاسرائيلية بضرورة الاسهام بدور داخل أميركا لتجهيز الاجواء لشن حرب على العراق يثير التقرير قضية «الشيعة في لبنان» وضرورة تحريرهم من التأثير الايراني، وذلك عبر اعادة ربطهم بالنجف، اذ تربطهم علاقات تقليدية تسبق علاقاتهم مع ايران، وذلك بعد تأمين نجف صديقة بعد اطاحة نظام صدام حسين! تخاطب الورقة بشكل عام أولويات إسرائيل الاستراتيجية ضد سورية وذلك بتبيين ان ضرب العراق سيؤدي الى عزل سورية والاستفراد بها. وستقوم أميركا وإسرائيل في المرحلة المقبلة بمحاولة لإقناع العرب لدعم عزل سورية حالياً وذلك كخطوة نحو عزل إيران.

يؤكد سيمور هيرش في الندوة نفسها أعلاه ما قلناه دائماً، لكنه يقوله على لسان مصادر رسمية أميركية أسرّت له بأنه «ليس مهماً بنظر أميركا من اغتال الحريري، ليس مهماً من اغتاله، ولا توجد أدلة، المهم هو توجيه التهمة الى بشار الأسد. هذا هو الواقع المهم». ولا دخل للواقع بالوقائع. وطبعاً يفند المشاركون النظريات المنتشرة المختلفة في اوساط المؤسسة الحاكمة. فلن تجد لديهم تعابير مثل ثورة مخملية في لبنان، وتفند ادعاءات ذات هدف سياسي ينسجم مع أهداف الورقة أعلاه مثل إنتاج صورة وتعميمها أن بشار الاسد لا يقرر في دمشق، أو يعمم أنه رئيس ضعيف والهدف من ذلك واضح. كما تجد تمييزاً بين النظرة الأميركية الى الحريري في حياته: المال السياسي، الدور السعودي. الخ... وعملية نسج الاسطورة بعد استشهاده. والغريب أن الكاتب يستنتج أن السياسات الاميركية في لبنان ستؤدي الى غير ما تهدف، وأن النظام في سورية قد يخرج أقوى من هذا التحدي. هذا استنتاج كاتب كتاب «وراثة سورية» الذي لا ينتمي الى المحافظين الجدد، والذي يقول أنه في البداية أيد قرار 1559 اعتقاداً منه أنه سيصلح أداة مساومة مع سورية وضغط عليها الى أن تبين له ان الادارة تحولت الى المطلب الغريب المطالب بالانسحاب الفوري كهدف قائم بذاته. فخلافاً لفرنسا، ينطلق التحرك الأميركي من أن لبنان مهم لسورية الى درجة ان أي فشل للسياسة السورية هناك من نوع الاضطرار الى الإنسحاب، سيؤدي إلى نتائج على مستوى إضعاف النظام داخليا. وذلك لأسباب من نوع تأثير عودة العمال السوريين من لبنان على ارتفاع نسب البطالة ومعها النقمة الاجتماعية (من المفيد هنا إعادة النظر بفكرة المؤامرة ومدى انتشار التفكير التآمري في أوساط المحافظين الجدد الى درجة التفكير بانتاج البطالة)، والانطباع الذي يتركه الانسحاب على ما يسمى «الحرس القديم» وأصحاب المصلحة في الوضع القائم من ان النظام أضعف من اأن يؤدي دوره في حماية مصالحهم. وقس على هذا المنوال!

ماذا لو استنتج النظام في سورية استنتاجاً مفاده ان تشابك مصالح الحرس القديم مع النخبة اللبنانية التي ارتكز اليها نظام ما بعد الطائف والتي تحولت الى المعارضة هو من مصادر الفساد والإفساد في لبنان وسورية، وأن محاولة الإصلاح في سورية أدت الى تيتيم قيادات لبنانية تحولت الى المعارضة؟ مثلاً، يعني مثلاً. وأن هذا التحول بدأ في عام 2000 وأدى الى تحول قيادات طائفية أساسية الى أخذ مسافة من النظام الموالي لسورية في لبنان الذي ازداد أمنية مع انحسار قاعدته الاجتماعية. وقد انحسرت لأسباب لا علاقة لها بالديموقراطية بل بمواقف عارضت إصلاح العلاقة السورية - اللبنانية، وصراعات نخب لبنانية حول الحصص والمنافع السياسية والاقتصادية التي يعود عليهم بها هذا التحالف، وتفضيل العقلية العسكرية إذا ولجت السياسة للتعامل مع عملاء على التعامل مع حلفاء، ثم تحول موازين القوى الاقليمية بعد الحرب على العراق وتوفر اساس دولي لقرار 1559، واغتيال الشهيد الرئيس الحريري، ولقاء قوى النظام اللبناني القديم من أوساط المعارضة والموالاة، ولكن بدون الحركة الوطنية.

كل هذا غير مألوف ومعقد بالنسبة الى غرائب النظريات الأميركية التبسيطية حول العلاقة السورية - اللبنانية تفترض جمهور مستمعين في نبراسكا وإلينوي لا يكاد يعرف اين تقع لبنان وسورية وليس في معهد بروكينغز. ويروج بعض الإعلام العربي أخيراً النظريات الأميركية حول العلاقات السورية - اللبنانية بكثافة أكثر من الإعلام الاميركي. مع الفرق ان جمهورها يعرف اين تقع سورية واين يقع لبنان.

كانت العلاقة مع لبنان بشكلها الذي حاول الرئيس السوري تعديله منذ العام 2000 فانهار مثل بناء لا يمكن إصلاحه أحد مصادر الفساد الرئيسية بالنسبة لسورية ذاتها. ويمكن أن يستغل الانسحاب السوري لمغادرة فهم مقومات قوة سوريا ذاتها على أنها تتألف من امتلاك أوراق خارجية، خارج الدولة. وإذا أحدث الانسحاب تحولاً في فهم مقومات قوتها تكون سورية قد تخلصت بانسحابها من لبنان من نقطة ضعف وليس من نقطة قوة. وسيصبح لزاماً عليها الآن أن تتمم قرارها الحكيم بالبحث عن مصادر القوة الداخلية واعتمادها، هذا إضافة طبعاً الى عدم الانكفاء عن لبنان وعدم السماح بتحويل لبنان الى منصة انطلاق الى دمشق عبر الصراع مع المقاومة اللبنانية وما تمثله. وهذا يعني ان تحالفات سورية في لبنان ستتغير باتجاه اكتشاف الحلفاء في الظروف الصعبة لا الاكتفاء بالعملاء في ظروف الهيمنة. ومن ضمن أولئك الحلفاء من عانوا من سياسات سورية خاطئة في لبنان. ويخطئ خطأ فادحاً من يعتقد ان السياسة السورية في لبنان قد انتهت، وأن لبنان سيدير ظهره للمنطقة العربية أو أن المنطقة ستدير ظهرها له، وأن أياً من هذا ممكن من دون ترتيب العلاقة مع سورية. سيكون على سورية بشكل أكثر حرية أن تبلور سياسة بشأن لبنان وفي لبنان. وهي مطالبة بذلك حتى من قبل خصومها في لبنان فهم يخشون من خروج السياسة السورية من العلاقة مع المؤسسة الى الشارع، وهم يخشون ما تسميه أميركا ترك فراغ سياسي في لبنان.

يفترض أن الانسحاب السوري هو خطوة إيجابية من منظور سياسة أميركية مهتمة بلبنان، أو طفح الكيل بالنسبة اليها كما تدعي بعد مقتل الحريري، ولم تعد تصمت على الظلم كما كانت في مرحلة صراع القطبين. ولكن سلبيتها تجاه الانسحاب السوري يؤكد أن كل ذلك يقع خارج الاعتبارات الاميركية. فالانسحاب من لبنان هو بنظرها مجرد خطوة باتجاه الهدف، وهو دمشق. ولذلك انتقلت اميركا فوراً الى المطالب الجديدة. ولذلك قرر بوش الإعلان يوم السادس من ايار الجاري تجديد العقوبات الاقتصادية على سورية بعد انسحابها لكي لا تمنح فرصة للتنفس. سياسة أمريكا هي تحيّن الفرص لتشديد الخناق على سورية وتطويقها وإجبارها على قرارات تبدو تراجعاً اذا كانت «متجاوبة» وتبدو حمقاء ومغامرة إذا كانت «معاندة».

لقد غطى تفوق الولايات المتحدة العسكري الشامل حتى الآن على أخطاء المحافظين الجدد السياسية، وقزمت ضخامة القوة العسكرية الهائلة وانجازاتها أهمية وتأثير لاعقلانيتهم السياسية، فضخامة القوة العسكرية داست حتى على أخطاء الحسابات الامريكية ذاتها. السياسة تقاس بنتائجها. وقد بدت النتائج دليلاً على تخطيط عقلاني في حين أنها لم تتجاوز دوس القوة العاتية كل ما يعترض طريقها وتهديد كل من لم تستخدم القوة ضده بنفس المصير. ولذلك لم يتضح بعد ماذا ستكون نتيجة سياسة المحافظين في حالة عدم قدرة الولايات المتحدة على توظيف القوة العسكرية بشكل مباشر أو بشكل كامل. وسورية هي حالة من هذا النوع، ترغب فيها أميركا بتغيير النظام أو سياساته كاملة دون قدرة على استخدام القوة مباشرة.

بعد قليل ستسمى كل قوة معارضة للسياسة الاميركية في لبنان ولا تنصاع لتدخل السفير الأمريكي في الصغيرة قبل الكبيرة قوة احتلال، كما سمى شمعون بيريز «حزب الله.» وهذا يشمل أكثر من نصف اللبنانيين من الطوائف كافة الذين كانوا سيعبرون عن أنفسهم لو أتيحت لهم الفرصة في انتخابات نسبية تحول البلد إلى دائرة انتخابية واحدة ولو كانت تدور بين برامج ورؤى سياسية. ولكن الغريب أنه في لبنان الذي يمر بهزات سياسية متوالية ويتعرض كيانه ذاته للارتجاج من تتابع وشدة الاحداث السياسية ليست الانتخابات سياسية، ولا يشهد تنافساً سياسياً ولا تركيباً سياسيا للقوائم الانتخابية. هل هذا الفصل بين السياسة والانتخابات هو أيضا فرادة؟ قد يكون فرادة، ولكنه ليس فرادة في إطار الديموقراطية، وهذا موضوع آخر.

وبعد الانسحاب السوري الكامل، بتنفيذ فوري قياسي في سرعته لقرار مجحف لمجلس الأمن، وبعد تطبيق سورية لكافة تعهداتها من دون زيادة أو نقصان في عالم سياسي يقوم على الكذب وعلى التسويف وعدم احترام الكلام، يستمر الأميركان بالمطالبة بسحب عناصر المخابرات السورية. وهذا مطلب عجيب في العلاقات الدولية عندما يتجاوز سحب المكاتب الرسمية والتدخل العلني. من الطبيعي أن تطالب كل دولة أن تسحب الدول الأجنبية مخابراتها، ويا حبذا لو كان العالم نقياً من أية مخابرات. والطبيعي أن الدول الأجنبية تتساذج ولا تعترف أصلاً أن لها مخابرات، حتى لو عرف الجميع ان لديها مخابرات في الدولة التي تطالب بسحبها. لنتصور مثلاً مع الفارق ودون مقارنة، أن تُطَالب أمريكا بسحب عناصرها المخابراتية هي من لبنان، او أن تطلب لبنان من اسرائيل ان تسحب عناصرها التي نفذت اغتيالات هناك...ألن تسخر إسرائيل من هذا المطلب؟ لا شك أنها تنكر أن لها مخابرات في الدول العربية. إنها تنكر ذلك حتى وهي تفتخر بنشاط هذه المخابرات وانجازاتها هناك. عالم غريب فعلا. فقد تحملت المخابرات الاميركية مسؤولية مباشرة عن انقلابات عسكرية في سورية، كما عبثت بشكل مباشر بنتائج الانتخابات في لبنان في الخمسينات. ولكن مطلب سحب المخابرات هذا هو مطلب سياسي. فإذا لم يعد بالإمكان اتهام سورية بعد انسحابها فلن يتخلى الأميركان عن اتهامها، ولو وصل الأمر مجازاً حد التفتيش بيتاً بيتاً، ونفساً نفساً في لبنان بحثاً عن التدخل السوري، ماذا لو كان المتعاونون معه لبنانيين، مثل المتعاملين مع المخابرات الأميركية، فقط بأعداد أكبر، هل سيكون عليهم أن يخلوا لبنان؟ إنها قصة أليس في بلاد العجائب.

مدخل المخابرات هذا كان وما زال هو الأسوأ لفهم ولممارسة العلاقات السورية - اللبنانية. ومن يدفع في هذا الاتجاه هم من يدفعون باتجاه أن يملأ السفير الأميركي الفراغ... وهذا لن يكون كما يبدو. فبغض النظر عمن يحكم لبنان لن يوجد فراغ في العلاقة السورية - اللبنانية، هنالك تاريخ وطبيعة وجغرافيا وبنية ديموغرافية وثقافة. كما أن هنالك اتفاقات سورية لبنانية تبرز أهميتها في هذه المرحلة تحديداً، حين يتم تنظيم العلاقات بموجب اتفاقات كما بين الدول المستقلة. ولا توضع الجغرافية والتاريخ والثقافة في المعارضة، ولا يتم التعامل معها كأنها دخيلة.

ولن تنجح سفارة أجنبية بتهميش فقراء لبنان من كافة الطوائف بعد أن نظموا أنفسهم في مؤسسات مقاومة ووعي وطني حولتهم من هامش المجتمع إلى مراكزه، فهم ليسوا خدامين وخدامات انتهت مهمتهم بالتحرير. هؤلاء يمثلون لبنان أمام لبنان ذاته أكثر مما تمثله صورته أمام دول ومجتمعات الخليج. وهم أكثر ديموقراطية من ناحية دورهم الموضوعي في لبنان من السلالات العائلية وحكم الطوائف. فقد شكَّل هؤلاء على الأقل سلما للفقراء للتقدم الاجتماعي ومنحوا بلدهم كبرياء وطنيا تجاوز كبرياء الترانزيت والخدمات الإعلامية والترفيهية والاستشارية المقدمة لثقافة وسياسة النفط. هؤلاء ليسوا غرسونات لا في السياسة ولا في غيرها. ويخطئ خطأ جسيماً من يعتقد انه يمكن التعامل معهم كما يتم إقناع مسؤول عربي بزيادة انتاج النفط لكي يحوز على الرضا الامبراطوري. هذه أخلاق من يوزع علامات الأخلاق والصدق والكذب في السياسة الدولية والإقليمية وفي لبنان، وسيخلق له حلفاء على صورته ومثاله وسوف يجد له من يكرر أكاذيبه ويهلل بتسبيحه في لبنان، ولكن سيجد أيضاً من لا يعتقد ان الكذب فهلوية، ومن يرفض أن الخيانة شطارة، ومن لا يقبل أن «لبنان كل عمره هيك»، هنالك لبنان آخر يعرفه كل لبناني.

وإذا كان السياسة الأميركية في لبنان مجرد مدخل لضرب سورية فستتعرى اذا تم تحييد ماكينتها العسكرية، وستصطدم سياستها بحماقاتها في لبنان . وستتعلم أن السيطرة على لبنان العشرة آلاف كلم مربع بمعنى ما أصعب من السيطرة على الصين لأنه مقابل كل حليف في لبنان ثلاثة يختلفون معه، وان عدم التجانس سيمنع تحقيق سيطرة متجانسة. ولكن لاعقلانية السياسة الاميركية إضافة إلى رغبتها في تحصيل نتائج من دون استخدام القوة المباشرة في لبنان قد يؤدي الى أن تدفع باتجاه الفتنة التي تحققق اهدافها دون تدخل عسكري. ولذلك فإن المسؤولية الوطنية والقومية هي مطلب الساعة في لبنان وهذه تتطلب عقلية تتجاوز حسابات الربح والخسارة الطائفية والعشائرية والشخصية التي تفصل السياسة والبرامج والمواقف عن الانتخابات والتي تؤجل تحديد السياسة بموجب موازين قوى إقليمية وغيرها بعد الانتخابات.

كاتب عربي.