تحديات الإصلاح السياسي العربي...

.السيد يسين....الاتحاد

 

 

يمثل الإصلاح السياسي العربي تحديات جسيمة بالنسبة للنظم السياسية العربية. ذلك لأنه لو أخذ بمعناه الحقيقي بمعنى الانتقال من السلطوية إلى الديمقراطية لاقتضى ذلك تعديلات جوهرية ليس فقط في بنية النظام السياسي نفسه، ولكن في بنية المجتمع بكافة مؤسساته أيضاً، بل وفي جوهر الثقافة السياسية السائدة. والنظم السياسية عموماً - وفقاً لتصنيف معتمد – تنقسم إلى نظم شمولية, تقضي بالكامل على كل مكونات المجتمع المدني من أحزاب سياسية واتحادات ونقابات مهنية وجمعيات تطوعية، وإلى نظم سلطوية فيها هامش نسبي من الحركة أمام المؤسسات الاجتماعية، وإلى نظم ليبرالية يتاح فيها لمؤسسات المجتمع المدني أن تنعم بحرية كاملة في النشاط.
وفي ضوء ذلك تصبح عملية التحول الديمقراطي عبارة عن الانتقال التدريجي أو السريع – بحسب الأحوال – من النظم الشمولية والسلطوية إلى الديمقراطية والليبرالية، وهذه العملية ليست هينة ولا ميسورة. فسواء تمت تحت ضغط شعبي عنيف، أو بناء على اختيار طوعي وحر من قبل النخب السياسية الحاكمة، فهي تحتاج إلى استراتيجية فعالة، تضع في اعتبارها في المقام الأول القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المناصرة للتغيير والمتحمسة لإجرائه، حتى لو أدى ذلك إلى المساس ببعض مصالحها الطبقية أو التقليل من نفوذها السياسي. ومن ناحية أخرى لابد لهذه الاستراتيجية أن تلتفت إلى عملية مقاومة التغيير التي ستتصدرها فئات متعددة، من بينها بعض أنصار النظام القائم حفاظا على نفوذها السياسي وامتيازاتها الطبقية. وتصبح هناك حاجة لوضع سياسات تحيد هذه المقاومة للتغيير بطريقة سلمية وليس بالأسلوب الأمني. غير أن السلطوية السياسية هي أحد جوانب السلطوية المتعددة، لأن هناك أيضاً سلطوية اجتماعية وسلطوية ثقافية.

والسلطوية الاجتماعية تبدو في صورة هيمنة طبقة اجتماعية محددة أو شريحة اجتماعية مؤثرة على باقي الطبقات الاجتماعية. وقد تكون هيمنة هذه الطبقة تجد جذورها في التاريخ أو في التقاليد أو في الوضع السياسي، ولكنها في جميع الأحوال تقوم بدور سلبي للغاية، لأنها يمكن أن تجمد الوضع الاجتماعي، بل إنها قد توقف التطور الحضاري للمجتمع.

أما السلطوية الثقافية فهي تلعب الآن في المجتمع العربي أدواراً سلبية متعددة. ذلك أن بعض التيارات الثقافية كالإسلام السياسي تقوم على تكفير من لا يؤمن بمنطلقاته ومبادئه، وينهض على أساس التحريم والتكفير، ويريد أن يفرض على المجتمع رؤية للعالم تتسم بالانغلاق والتزمت، وتتصف بمعاداة الآخر والحض على كراهيته بل والجهاد ضده، سواء كان هذا الآخر عربيا مسلما، ولكنه علماني أو ليبرالي، أو كان غربيا أوروبيا أو أميركياً. وهذه السلطوية الثقافية تقوم في الواقع – حتى ولو لم تستخدم العنف- بالإرهاب المعنوي للمجتمع.

وهكذا يتبين من العرض السابق أن السلطوية لها وجوه بشعة متعددة، الوجه السياسي، والوجه الاجتماعي، والوجه الثقافي. غير أنه يمكن التأكيد أن البداية بالإصلاح السياسي هي الخطوة الأولى الحاسمة لمواجهة السلطوية الاجتماعية والسلطوية الثقافية.

غير أن الإصلاح السياسي العربي يتنازعه في الواقع تياران: تيار الأنظمة السياسية الحاكمة التي تدعو للتدرج، وعدم الخضوع للضغوط الخارجية، وتيار المعارضة العربية الذي يرفض ذريعة التدرج، ويدعو إلى صفقة شاملة للإصلاح، لا تتضمن فقط إلغاء قوانين الطوارئ والمحاكم الاستثنائية والتشريعات المقيدة للحريات العامة، ولكن تشترط أن تعلن خطة متكاملة للإصلاح فيها مراحل زمنية محددة، والتزامات تنفذ في كل مرحلة، حتى لو كان سبيل الإصلاح السياسي يبدأ بتغيير الدستور القائم، أو وضع دستور في البلاد التي ليس فيها دستور، يحدد العلاقات بين الحكام والمحكومين، ويبين بوضوح وجلاء الحقوق والواجبات.

غير أن هذه الصفقة الشاملة التي تدعو لها المعارضة تقتضي في الواقع – في غالبية الأحوال- تغيير طبيعة النظام. ومن هنا يثور السؤال: هل تقبل النخب السياسية الحاكمة طوعا وبدون ضغوط خارجية التغيير الجوهري لطبيعة النظام؟

قد تصلح مصر نموذجا للإجابة على هذا السؤال المهم. منذ فترة وتحت ضغوط ملاحظات المعارضة المصرية والانتقادات التي وجهها المثقفون المصريون لنظام التعددية السياسية المقيدة في مصر، شرع ا لنظام في إجراء حوار سياسي بين الحزب الوطني الديمقراطي (حزب الأغلبية) وباقي أحزاب المعارضة، بناء على توجيه من الرئيس محمد حسني مبارك، والذي هو في نفس الوقت رئيس الحزب الوطني الديمقراطي.
وبدأ الحوار وأبدت أحزاب المعارضة المصرية ملاحظاتها النقدية على أساليب الممارسة الديمقراطية والحزبية في مصر. وكان ممثلو الحزب الوطني الديمقراطي على مستوى المسؤولية، فأداروا حواراً فعالاً، ورصدوا في بيانات الحوار نقاط الاتفاق والاختلاف، واتفق على إرجاء مسألة تعديل الدستور المصري إلى ما بعد الاستفتاء على رئيس الجمهورية الذي، حلت فترة نهاية ولايته وبداية فترة ولاية جديدة.

وفي خضم هذه الحوارات فاجأ الرئيس محمد حسني مبارك الجميع أغلبية ومعارضة، بخطاب أرسله إلى كل من رئيس مجلسي الشعب والشورى، طالبا تعديل المادة 76 من الدستور المصري التي تنظم طريقة انتخاب رئيس الجمهورية عن طريق تسمية مجلس الشعب لشخص محدد والاستفتاء من بعد عليه، مقترحا أن تعاد صياغة المادة بما يسمح لمرشحين متعددين أن يدخلوا حلبة المنافسة على منصب رئيس الجمهورية، سواء كانوا من الأحزاب أو المستقلين، وعلى أن يتم الاختيار من خلال الانتخاب المباشر وليس بواسطة الاستفتاء.

وأدى الاقتراح الرئاسي إلى موجة عارمة من الحماس السياسي في المجتمع، كشفت عنه مؤشرات عديدة، سواء بجلسات الاستماع المهمة التي نظمها مجلس الشعب، أو بالمقالات والأبحاث الدستورية التي حفلت بها كافة الصحف ووسائل الإعلام الأخرى.

وبعد ما استمعت لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس الشعب إلى كل الآراء بدون تمييز، وخصوصا فيما يتعلق بضمانات جدية الترشيح من ناحية، وتشكيل لجنة مستقلة للإشراف على الانتخابات الرئاسية من ناحية أخرى، أصدرت تقريرها ونشر نصه في جريدة الأهرام بتاريخ 7 مايو 2005.

ومن تابع مشكلة ضمانات جدية الترشيح من خلال مناقشات الصحف وأبحاث فقهاء القانون الدستوري التي نشرت على الملأ، يدرك أن هناك اتجاهين رئيسيين: الاتجاه الأول يدعو إلى التيسير الشديد في الضمانات حتى يتاح لأي مصري أن يرشح نفسه لمنصب الرئاسة، واتجاه يدعو إلى وضع ضمانات جدية ولكن ليست تعجيزية لضمان أن من يرشح نفسه للمنصب الرفيع يكون قادرا على تحمل تبعاته.

وأخيرا صدر تقرير لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس الشعب، مقررا ضرورة تأييد 300 نائب لمرشح الرئاسة منهم 65 من مجلس الشعب، و25 من مجلس الشورى و140 من المجالس المحلية في 14 محافظة على الأقل. وبالتحليل السياسي للوضع في مصر، والذي يهيمن فيه الحزب الوطني الديمقراطي على غالبية مقاعد مجلسي الشعب والشورى والمجالس المحلية، فإن التفسير الصحيح لهذه التوصية، أن الحزب الوطني الديمقراطي – بحكم أغلبيته الكاسحة في المجالس النيابية المختلفة- سيكون هو الحكم في تحديد الأشخاص الذين سيسمح لهم بمنافسة رئيس الجمهورية والذي هو رئيس الحزب الوطني الديمقراطي في نفس الوقت.

وفي تقديرنا أن هذا وضع لا يستقيم مع الإصلاح السياسي المنشـود، لأنـه - ببساطة – يجعل الحزب الوطني الديمقراطي هو الخصم وهو الحكم في نفس الوقت!

وقد عبرنا عن رأينا هذا أمام لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس الشعب، في جلسة الاستماع التي دعيت إليها، وذلك بتاريخ 17 أبريل 2005 وشارك فيها 17 من الشخصيات العامة ورؤساء بعض الجامعات المصرية والمجلس القومي للمرأة.

وكان جوهر رأيي الذي أعلنته بوضوح أن اقتراح رئيس الجمهورية بتعديل المادة 76 من الدستور هو أول خطوة دستورية حقيقية لتغيير جوهر النظام المصري من السلطوية إلى الديمقراطية. غير أنها خطوة ضرورية وإن كانت ليست كافية. لأن المسألة تتعلق كما ذكرت بعملية شاملة لإحياء موات السياسة في مصر، من خلال تفعيل الأحزاب السياسية المصرية، ومؤسسات المجتمع المدني. ويقتضي هذا في المقام الأول إنهاء الهيمنة السياسية المطلقة للحزب الوطني الديمقراطي باعتباره حزب الأغلبية ووريث تنظيمات ثورة يوليو المتعددة، وإلا لن ينجح الإصلاح السياسي.

وها نحن اليوم بالرأي الذي أعلنته لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، أمام محاولة متعمدة لتأبيد هيمنة الحزب الوطني الديمقراطي على عملية التحول السياسي المصري.

وفي تقديرنا أنه لابد من إلغاء هذه الشروط التعجيزية والاكتفاء بالنسبة للمستقلين بتأييد 300 شخصية من الشخصيات العامة وفقا لضوابط محددة، وبدون اشتراط أن يكونوا من أعضاء المجالس النيابية.

بهذا الاقتراح نفتح باب الأمل في التغيير السلمي لطبيعة الأنظمة السياسية السلطوية العربية!.