على أبواب مؤتمر حزب البعث

حسين العودات - السفير

 

أوشك البعثيون السوريون على الانتهاء من انتخاب أعضاء المؤتمر القطري العاشر، ومن المفروض أن يقرر الأعضاء المنتخبون برامج الحزب والدولة السورية للسنوات الأربع القادمة، فضلاً عن انتخاب أعضاء قيادة قطرية جديدة.
أذكّر في البدء بأن القوانين والقرارات المعمول بها، سواء كانت قرارات الحزب أم قوانين الدولة (بما فيها الدستور) أم الآلية السائدة، توكل الى مؤتمر الحزب وقيادته، قيادة الدولة والمجتمع، وإقرار خطط التنمية واختيار كوادر إدارة الدولة والإشراف على كل صغيرة وكبيرة في حياة البلاد وتطورها. وفي ضوء ذلك ورسمياً ونظرياً على الأقل فإن نتائج المؤتمر تهم كل سوري وتؤثر لاحقاً في حياته ومستقبله ومستقبل أولاده.
رغم أن المؤتمر (ونظرياً دائماً) بمثل هذه الأهمية الاستثنائية فلم يلق الاهتمام الكافي من السوريين كما لم يتعامل معه حزب البعث نفسه والسلطة السورية على أنه كذلك. ويتبدى ذلك واضحاً في إجراءات عديدة يلاحظها المراقب دون عناء.
إنه من المفروض أن توزع تقارير المؤتمر على تنظيمات الحزب وكوادره ليخوضوا الانتخابات في ضوئها، أي أن تكون هذه التقارير سبيلاً لتشكيل تيارات داخل الحزب (إصلاحيين ومحافظين وغيرهم) لها مواقف مختلفة أو متباينة من برامج المرحلة المقبلة ومتطلباتها، بحيث تكون الانتخابات اختيار برامج لا اختيار أفراد. ولكن الذي جرى لم يقترب من ذلك، فلم تطرح التقارير للنقاش ولم يرشح أحد في ضوء موقف، وتم الاختيار حسب المعايير الأكثر تخلفاً، معايير القرابة والزمالة والإقليمية وغيرها، وكأننا أمام انتخابات نيابية تقليدية. ودخلت في الاختيار معايير المناصب التي يحتلها المرشحون وسلطتهم ووعودهم والامتيازات الفردية المتوقعة منهم أو الموعود بها الناخب، ولذلك كانت النتائج على رأي المثل المصري <<سمك لبن تمر هندي)>>، لم تتبلور خلالها تيارات ملتزمة ببرامج أو وجهات نظر في ضوء هذه البرامج، وستوزع التقارير عشية المؤتمر أو في اليوم الأول لانعقاده، ولن يتسنى لأحد قراءتها واتخاذ موقف منها ما يتيح لمن أعدها أن يمررها من دون أي صعوبة، فتنعدم الرؤية ويتلاشى الرأي ولن تكون القرارات في النتيجة قرارات المؤتمر بل قرارات من أعدها، بل ربما لن يكون المؤتمر كله سوى مؤتمر تداول كلمات وتشكيل تكتلات بين أعضائه لانتخاب لجنة مركزية، ومن ثم قيادة قطرية تستند الى اختيارات شخصية لا علاقة لها بما يجري وما سيجري داخل سوريا ومن حولها، ويتيح لجهات غير الناخبين اختيار أعضاء اللجنة والقيادة ومن ثم الحكومة وكوادرها الرئيسية في ما بعد، ويكون المؤتمر في الخلاصة غطاء شرعياً لهذه الاختيارات دون أن يؤثر بها أو بالقرارات اللاحقة.
ثم ما دام حاضر ومستقبل الشعب السوري والدولة السورية مناطين حسب الواقع والقانون بحزب البعث وقراراته، فمن حق الشعب السوري معرفة برنامج الحزب المقبل ومناقشته من خلال نشره في الصحف ووسائل الإعلام ووضعه بين يدي الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني ومختلف الجهات ذات العلاقة، لتبدي رأيها فيه، وتسجل ملاحظاتها عليه، وليأخذ البرنامج ما يستحقه من المناقشات. ومن غير المقبول إقرار السياسات المقبلة للشعب السوري ومن وراء ظهره وداخل غرف مغلقة.
كما من حق أحزاب المعارضة رغم عدم ترخيصها والتيارات الثقافية والقوى الاجتماعية وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية الحليفة أيضاً، أن تبدي رأيها بالبرامج المقترحة، خاصة أن المسألة تهم الشعب كله لا الحكومة أو السلطة وحدها، كما أن المؤتمر فرصة حقيقية وواقعية لإجراء حوار (ولو غير مباشر) مع التيارات السياسية والثقافية والاجتماعية السورية كان يجب استثمارها، تمهيداً للتواصل بينها وتأسيساً لمؤتمر وطني يعمل لإقامة وحدة وطنية، ولعل النظام السياسي أضاع هذه الفرصة بدون مبررات واضحة وقد يدل هذا على أن النظام لا ينوي تعديل نهجه الذي صار تقليدياً، ولا يوحي بتغييرات بنيوية سيتوصل إليها المؤتمر العتيد، ويعالج الظروف الجديدة والمستجدة بأدوات قديمة.
في ضوء هذا كله، من المتوقع أن تقتصر نتائج المؤتمر على اختيار قيادات شابة دون معايير جديدة، وهذا لن ينفع أحداً، فالقضية لا تتعلق بعمر أعضاء القيادة والحكومة وإنما بالبرامج المقرة والأساليب المتبعة في إقرارها والنهج العام للنظام والسلطة والحكومة، فضلاً عن الخبرات الفردية التي يفتقدها الشباب، والتي ربما تكون قد تراكمت لدى الكهول.
من المطالب الأساسية للسوريين التي بدونها يتعذر أي إصلاح محتمل، مقاومة الفساد (صغيره وكبيره)، الذي استشرى وأصبح ظاهرة تسحق بكلكلها الاقتصاد الوطني والتطور والتنمية بل ربما السلم الاجتماعي. ومن المتعذر في إطار هذا النهج الذي اتبع في إجراءات عقد المؤتمر التوصل لخطة مكافحة الفساد أو لإمكانية الوقوف بوجه الفاسدين والمفسدين، خاصة أن المنصب الحزبي أصبح طريقاً للامتيازات المشروعة وغير المشروعة. وبدون مواجهة الفساد والتغلب عليه، يبقى الحديث عن الإصلاح حرثاً في البحر، ومحاولات غير مجدية.
من نافل القول التأكيد على أن عقد المؤتمر يهم السوريين جميعهم، على مختلف شرائحهم الاجتماعية وتياراتهم السياسية والثقافية، وليس قضية حزبية (بعثية) داخلية، خاصة أن الصحافة ووسائل الإعلام والمسؤولين في مختلف القطاعات يذكروننا يومياً بأن المخاطر تحيق بالبلاد، وأن المؤامرات تتوالد، وأن البلاد مهددة من أعدائها في الداخل والخارج، وإذا كان الأمر كذلك فما من طريق لمواجهة هذا كله سوى إشراك الشعب بمناقشة واقعه وإقرار خطط المستقبل وتقرير المصير، فما من مواجهة حقيقية بدون مشاركة الناس، وما من مواجهة ذات جدوى بدون وحدة وطنية، والأمر لا يتعلق بحزب البعث وحده، وليس من حقه (بمختلف المعايير) أن يقرر مصير الناس بدون الناس.
(
) كاتب وناشر سوري