الفصل بين المثقفين والصحافيين السوريين.....

.فايز سارة....النهار

الى ثائر سلوم وآخرين،

بكثير من المودة قرأت مقالة الزميل شعبان عبود "في سوريا كتّاب المقالات اهم بكثير من اعلام الثقافة" المنشورة في "قضايا النهار" (14/4/2005) وقد فتحت المقالة بوابة تداعيات حول ما تضمنته من معلومات وتحليلات تعلقت بمرحلة مهمة من تاريخ سوريا، وبمسعى السوريين لاعادة تصحيح حياتهم وترتيب شؤون وطنهم، واعادت الى الذهن جهد الصحافيين السوريين في ابراز كثير من تفاصيلها.

والزميل شعبان درج مع زملاء آخرين في كتاباتهم ومعالجاتهم الصحافية للشأن السوري على اعطاء لون جديد وهوية اخرى للصحافة في بلد غُيبت فيه هذه المهنة منذ ان تولى حزب البعث زمام السلطة في العام 1963 حيث اعلنت حالة الطوارىء، وجرت مصادرة الصحف واغلاقها، ودفع الصحافيين في واحد من طريقين، اما الهجرة الى الصحافة العربية خارج سوريا كما فعل الكثيرون منهم غسان الامام واحمد عسة ورياض نجيب الريس، او الركون في زوايا النسيان مثلما صارت اليه حال منير الريس صاحب "بردى" ونصوح بابيل الصحافي الرائد وصاحب "الايام".

وبطبيعة الحال، فان عودة اللون والهوية الى الصحافة السورية، لم يتم بمعزل عن تطورات ساهم المثقفون بتنوع اختصاصاتهم في سوريا في خلقها، دافعين الحراك الاجتماعي للتعبير عن نفسه. وتحرك في هذا الاطار الصحافيون للتعبير عن انفسهم في مواجهة الموات الذي صار اليه السوريون في ظل الشمولية المستحكمة، وتجسيداتها. واعتمد الصحافيون في حراكهم الجديد على ما افرزته حركة المثقفين ونشطاء المجتمع من الفاعليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من نتاجات، كان في عدادها وثائق عكست طموحات ورغبات الاكثرية السورية المطالبة بحقوقها والراغبة فعلا بتصحيح الاوضاع القائمة مثل بيان الـ99 وبيان الالف، ثم وثيقة التوافقات الوطنية، التي اعتمدها مثقفون سوريون اساسا لتشكيل ما صار معروفا باسم "لجان احياء المجتمع المدني".

كما كانت المنتديات ناتجا آخر لحركة المثقفين والنشاط، وشكلت ميدان فعل ونشاط للصحافيين السوريين. كما صارت النقاشات الساخنة التي جرت فيها مادة صحافية حية ومطلوبة من جانب المؤسسات الاعلامية التي كان الصحافيون الشباب على علاقة بها، او كانوا مراسلين لها.

ورغم اهمية ما تضمنه خطاب القسم الذي القاه الدكتور بشار الاسد في مجلس الشعب عام 2000 اثر توليه منصب الرئاسة السورية، فان حراك المثقفين السوريين لم يكن نتيجة ذلك الخطاب فقط. اذ ان حراك المثقفين امتد قبلها على مدار عقد من السنوات في اصدار بيانات وكتابة مقالات، وخوض حوارات، انتسبت جميعا الى فكرة خروج سوريا والسوريين مما آلت اليه حالهم، وما صارت اليه سياسات بلادهم من ترديات في المستويين الخارجي والداخلي. وربما كان البيان الذي اصدره مثقفون سوريون عشية الحرب الدولية على العراق عام 1991 معارضين اشتراك سوريا في الحرب، والنقاشات في جمعية العلوم الاقتصادية والتي حضر بعضها الدكتور بشار الاسد قبل ان يصبح رئيسا، بين امثلة على حراك المثقفين، والتي تضمنت انتقادات عنيفة للسياسات الحكومية. وبهذا المعنى فان حراك المثقفين كان قائما قبل صيف العام 2000 وما حمله من مستجدات سورية.

لقد تفاعل حراك المثقفين مع محتويات خطاب القسم، وهذا ما لا يمكن نكرانه ابدا في الوقت الذي لا يمكن ايضا، نكران التفاعل بين حراك المثقفين ونشطاء المجتمع والصحافيين الشباب من خارج المؤسسة الصحافية التابعة للدولة لسبب او لآخر، فاشتركوا في تغطية حراك المثقفين وحواراتهم التي شجعت فئات مختلفة للدخول في هذا الحراك، فشكل الصحافيون دور الناقل لما كان يطرح داخل الحراك من قضايا وموضوعات. ولعله من باب الامانة القول، ان هذا الدور لم يكن مقتصرا عليهم، لأن بعض المثقفين المشاركين في الحراك كانوا وثيقي الصلة بالمؤسسات الاعلامية العربية وعدد منهم كان بين كتّاب المقالات والتحليلات فيها، فيما كان دور الغالبية الصحافية اخباريا.

ولعله من الحق القول، ان ما تم جاء نتيجة تشارك الجميع في عمل كان هدفه الجميع، وهذا ما يقود الى قول، ان اجراء تقسيم وتمايز بين عناصر الفعل هو اجراء غير دقيق وغير موضوعي، وربما يلحق ضررا يصيب هذا الطرف او ذاك، اذا حق لنا التحدث عن اطراف، كانت مصلحتها مشتركة دائما، وستظل كذلك من اجل اعادة احياء الحياة السورية بما يليق بالسوريين كمواطنين في دولة حق وقانون.

(دمشق)

فايز سارة