"الأخوان المسلمون" تغيّروا.....فمتى يتغيّر الآخرون في سوريا؟....

أكرم البني....النهار

أثار الموقف الجديد لبعض مثقفي وقوى المعارضة السورية بشأن اعتبار تنظيم "الأخوان المسلمين" بعد تحولاته الديموقراطية جزءاً من النسيج السوري، لغطاً كبيراً في مختلف الأوساط الشعبية والسياسية. ودارت حوارات ساخنة حول بلاغ "لجان إحياء المجتمع المدني" في 4/4/2005 ثم بيان "التجمع الوطني الديموقراطي" في 17/4/2005 اللذين طالبا بإلغاء القانون 49 السيىء الصيت الذي يحكم تلقائياً بالإعدام على كل من ينتمي لـ"الاخوان المسلمين" وداعياً الى فتح قنوات حوار مع هذه الجماعة المحظورة.

وإذ اتفقت دوافع مؤيدي هذه الخطوة على ضرورة تقدير المراجعة النقدية التي قام بها "الأخوان المسلمون" في السنوات العشر الأخيرة واحتكامهم للعملية الديموقراطية والأساليب السلمية، كان للمعارضين اسباب أخرى، فهم لا يثقون بعمق هذه المراجعة وجديتها ويثيرون شكوكاً حول صدق المواقف الجدية لجماعة سياسية تميزت تاريخياً بعصبيتها الإيديولوجية الدينية وبأساليبها الاقصائية والعنفية ولا تزال تحمل اسماً ذا مدلول طائفي، ويتحدثون بلغة اليقين عن ان هذا التنظيم يضمر غير ما يظهر وأنه أكره على لبس الرداء الديموقراطي لإعادة بناء جسور التواصل وقطف ثمرة الاعتراف به شعبياً وسياسياً بعد أن عزلته أساليبه العنفية وقمع السلطة الشديد!! ثم ينذرون المجتمع بأنه لن يمر وقت طويل حتى تتكشف حقيقة هذه الجماعة وتعود "حليمة لعادتها القديمة" وتطلق سمومها الطائفية لتذيقنا الويل والثبور وعظائم الأمور!! متسائلين بعتب واتهام، هل نسيتم ما فعله الأخوان المسلمون في مطلع الثمانينات وكيف جرّت حساباتهم الضيقة المجتمع الى أتون حرب ضروس دفعنا ثمنها باهظاً!!.

مع أخذ كل ما ذكر بعين التفهم ووضعه في دائرة الضوء ومع توخي الحذر واليقظة في التعاطي مع مسألة تحوز هذه الحساسية الخاصة، إلا أن من العدل والإنصاف الوقوف عند نقطتين أغفلهما المعارضون وتصبان في مصلحة دعاة الحوار:

الأولى، إن من يتمعن جيداً في الخطاب الراهن للإخوان المسلمين ويقارنه مع قديمهم المعلن، لا يمكنه إلا أن يعترف بأن المراجعة النقدية التي حصلت ليست شكلية أو سطحية بل يصح اعتبارها تحولاً نوعياً طاول معظم مستويات العمل السياسي أهدافاً وآليات ووسائل، فما سمي " موجز المشروع السياسي لسوريا المستقبل " الذي صدر اخيراً ورسم رؤية الأخوان المسلمين الجديدة ودورهم في المجتمع يتضمن نقاطاً كثيرة جديرة بالملاحظة والاهتمام تبدأ باعترافهم بمختلف تكوينات المجتمع السوري السياسية والثقافية واحترام حقوقها وحرياتها ومساواتها أمام القانون، مروراً بإقرارهم أن الشعب هو مصدر السلطات واحتكامهم لصناديق الاقتراع وتداول السلطة، انتهاءا بتبنٍ صريح لأشكال العمل السلمي والعلني وإشهار رفضهم للوسائل العنيفة وإدانتها.

وضوح النقاط السابقة لا يحجب ما تضمنه المشروع من مواقف وتوجهات حول دور الإسلام في التشريع وطابع تدخله في الحياة الاجتماعية والمدنية لا ترضي الكثيرين وتتعارض مع رؤية الطيف الديموقراطي المعارض لمستقبل سوريا، لكن يبقى الجوهري في القراءة السياسية هو إعلانهم الالتزام بقواعد العملية الديموقراطية واحتكامهم لها، بغض النظر عن النيات وما يحتمل أن يبيتونه في الخفاء. وحتى لو صح ما ذهب إليه البعض في التشكيك بحقيقة دوافع "الأخوان المسلمين" وأنهم  "يتمسكنون حتى يتمكنوا" من ولوج المجتمع السوري واستمالة أكثريته الشعبية السنية طائفياً مما يهدد أسس الديموقراطية ذاتها!! فلا أحد يملك الحق في تقرير أهلية الآخرين لتقبل الديموقراطية. أم ننصح بأن يطعن الشعب الألماني بالديموقراطية ويبخسها حقها وصدرها الذي اتسع للجميع لأنها أوصلت هتلر وحزبه النازي الى سدة السلطة؟!

ثم هناك نقاط أخرى تصب في مصلحة من يبحث عن الاطمئنان على نيات "الأخوان المسلمين" ودوافع اعتناقهم  قواعد العمل الديموقراطي. منها أولاً، مثابرتهم خلال أكثر من عقد من الزمن على نشاط سلمي وخطاب سياسي متوازن تخللته مبادرات صريحة تؤكد اعترافهم بالآخرين، وتدعو الجميع للحوار بمن فيهم السلطة السورية نفسها في بادرة شجاعة لطي صفحة الماضي نهائياً.

ثم من الجدير ذكره ثانياً، ان هذه المراجعة تتم في مناخ موضوعي جديد يميل نحو الاعتدال الديني، وخلص الى تحديد سمات تيار الإسلام السياسي القابل للحياة، على قاعدة فشل الأساليب الجهادية في تحقيق نتائج ملموسة لتعديل توازنات القوى، وعجز المشروع الإسلامي في مثالي إيران، بأزماتها المتراكبة، والسودان، إبان حكم الترابي، في مقابل نجاح الخيار التركي الذي بدأ يحفر عميقاً في وجدان المسلمين ويغذي نمو تيارات على صورته ومثاله.

ثالثاً، وما يعطي هذه المراجعة قيمة كبيرة ومتميزة أنها قامت بعد تجربة مريرة وهزيمة ساحقة لقوى هذه الجماعة وخطابها السياسي القديم وأساليبها العنيفة والاقصائية.

رابعاً، تملك هذه الجماعة بالمقارنة مع غيرها ماضياً شاركت فيه في العملية الديموقراطية واحترمت نتائجها امتد خلال الفترتين الديموقراطيتين القصيرتين اللتين عرفتهما سوريا، سنوات ما قبل الوحدة مع مصر ثم أقل من عامين بعد الانفصال.

خامساً، يفترض أن نأخذ في الاعتبار أن غالبية  قادة "الأخوان المسلمين" وكوادرهم تعيش اليوم في المنافي ويرجح أن احتكاكهم لسنوات طويلة بالثقافة والحضارة الأوروبيتين ترك بصمات مهمة على أفكارهم ومواقفهم وحساباتهم. ونضيف في هذا الإهاب أثر تجربة السجون ودورها في تعريف العديد من كوادر "الأخوان المسلمين" على الآخر المختلف. مما أدى خلال زمن غير طويل الى تغير سلوك الكثيرين منهم ممن بقوا على قيد الحياة ولم تطاولهم عقوبة  الإعدام، وانتقلوا من عدوانية لافتة وعناد في تطبيق تقاليد الحياة الإسلامية على الجميع، الى تفهم لحقوق الآخر وخصوصيته. وأبعد من ذلك لعبت تجربة عيشهم المشترك مع سجناء من تيارات سياسية أخرى دورها في تشجيعهم على المراجعة وانتقاد الماضي وبناء ثقة بطرائق الحوار والعمل السلمي. ولا شك فغياب الحياة الديموقراطية بصفتها المناخ الصحيح لتعريف الأحزاب السياسية بعضها ببعض وتشذيب اندفاعاتها المرضية وسلوكها، هو ما أعطى تجربة السجن هذا الدور وتلك القيمة رداً على من يتهكم ويعتبر هذا التبدل الايجابي هو إحدى " فوائد السجون " !!

ثم لنسأل أنفسنا كيف يفترض أن نتعاطى كديموقراطيين مع ظواهر مشابهة يمكن أن يفرزها المجتمع كل يوم ولا تزال تجد خلاصها في الربط بين الدين والسياسة، هل بالإقصاء والرفض والتطنيش، أم بمحاكاتها نقدياً في أجواء  الحريات واحترام التعددية والاعتراف المتبادل، وكطريق آمن لإنضاج العملية الديموقراطية ككل وتالياً إزالة صواعق التفجير التي راكمتها مرحلة صراع دموي بين "الأخوان المسلمين" والسلطة اتسم بطابع طائفي باعتراف الجميع؟!

النقطة الثانية، تتعلق بما يكتنف ثقافة الديموقراطية في مجتمعنا من تشوهات، وبالزاوية الضيقة التي لا يزال الكثيرون ينظرون منها الى التعديدية وحق الاختلاف، فيفصّلون ديموقراطية على مقاسهم الإيديولوجي والسياسي، ولا يتردد بعضهم في رفع يافطة "ديموقراطية الاستثناء"  أو لا يعتريهم أدنى خجل من المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين " الوطنيين" فقط !!

ان أبسط مبادىء الديموقراطية تتنافى مع إقحامها في أي غرض أو غاية سياسية. فلا اشتراطات لضمان صحة الحياة الديموقراطية وعافيتها سوى الإيمان بها والالتزام بقواعدها وقوانينها. ومن الخطأ والخطر استثناء أي طرف من الخريطة السياسية طالما ينبذ العنف ويحترم إرادة الناس وأشكال العمل السلمي والعلني. ويفترض تالياً بمن يجاهر في إيمانه بالتعددية واحترام الآخر المختلف أن لا يضع حدوداً أو خطوطاً صفراء أو حمراء لليّ ذراع حرية الآخرين وحقوقهم وتطويعها على هواه، فاحترام حق الآخر في الرأي والتعبير والنشاط السياسي هو مبدأ مرسل لا يتعلق بصحة الرأي أو خطئه ولا تحكمه مواقف وثوابت مسبقة، بل من الطبيعي أن تختار كل جماعة المعتقد أو المبدأ الفكري والسياسي الذي تقتنع به دون النظر الى صحته أو مشروعيته من وجهة نظر الآخر!!

بديهي أن يكون الطيف الديموقراطي السوري الذي عانى الأمرّين من القمع والإقصاء في طليعة من يحتكم إلى الحوار والسجال لا إلى أية وسيلة أخرى لتفنيد ما يراه خاطئاً أو مغرضاً، ولعل ما نحتاجه اليوم في الظروف العصيبة التي تمر بها بلادنا هو بذل جهد خاص لتربية الذات قبل الآخرين على التسامح والاعتدال وتقبل التعايش مع واقع يحتمل التنوع والاختلاف ويحتمل وجود رأي معارض، له من الحقوق ما لنا، ومعني مثلنا بحاضر هذه البلاد ومستقبلها، ويصح بدورنا أن نبدأ بوقفة نقدية للتحرر من كوابح الماضي وتعقيداته الإيديولوجية، وبناء وعي جديد، لا يأخذ الديموقراطية وسيلة يسعى من خلالها إلى تحقيق هدف ما أو اكتساب نصر سياسي عابر، بل بصفتها نمط حياة أو غاية في حد ذاتها.

إن مياه كثيرة جرت بعد مقولة فولتير " إني أخالفك الرأي ولكنني على استعداد للتضحية بعنقي كي تبدي رأيك"،  لكن ويا للأسف لا يزال هناك من ينصّب نفسه وصياً على كل شيء، يعتبر إن ما يملكه هو الحقيقة الكاملة ويرفض أن تكون في دنياه فسحة " لبدعة " الحوار مع الآخر المختلف والاعتراف بحقه في الوجود وإبداء الرأي والتعبير!!...

(دمشق)