سورية امام البحث عن مشروعية البداية في التغيير المحتوم.....

 مطاع صفدي.....القدس العربي

 

تمر الامم كالافراد في مواقع فاصلة من حياتها تشعر معها انها لم تعد مختارة في اهم شؤونها فحسب بل باتت مجبرة علي الاختيار لما ليس في مقدورها لا ان تفر منه، ولا ان تحققه، وتلك هي الحالة التي يعبر عنها علم النفس باصطلاح الانسلاب، وقد يترجمه علم السياسة الي عبارة المأزق الوطني الشامل. انه المأزق الذي يأخذ الامة في عمق وجودها، بدون فصل بين النظام والشعب، بين الدولة والمجتمع. ذلك ان المسألة تعدت النظام الحاكم ومصيره الخاص بالنسبة لاهله ورموزه، تجاوزت الكيان السياسي، لتستهدف كينونة الوجود او عدمه للمجتمع والدولة معا.
سورية اليوم هي بين انياب هذا المأزق الكلي، فان خوف النظام من المواجهة الكلية مع ذاته اولا، ينسحب الي عجز المجتمع العام عن فرض هذه المواجهة، لقد تعدي التأزم البنيوي للدولة والمجتمع معا، حدود اية دعوات تستظل مفهوم الاصلاح والتعديل والترقيع. ليس ثمة حل لاشكاليةالتأزم البنيوي سوي فيما هو شبيه بالانقلاب الحاسم علي ذات النفس، ليس تعداد المصائب العامة والمساويء السلطوية وكل اشكال المظالم والمفاسد، وليس التهويل بالاخطار الداخلية والخارجية، وليس التوجس من الفوضي المصاحبة لأية تغييرات في طقوس الحكم والعلاقة مع الجماهير، ليس كل هذا من لوائح السلبيات المعروفة من القاصي والداني، ليفيد سواء في تشخيص التأزم الشامل او في البحث عن الادواء والمخارج من الدوائر المغلقة. لقد بلغ تشخيص العلل والاوبئة اقصاه، اما الادواء والعلاجات فليس مجرد الفاظ فقط.
الانسان العربي السوري هو في بؤرة العاصفة، وليس في ضواحيها او هوامشها. لم يعد محبطا معزولا، ولا مقيدا في موقف المتفرج المسلوب الارادة والوعي. انه يعرف موقعه الجديد، وهو يحس اكثر من اي وقت مضي ان المسؤول عن بلده، وليس عن نظامه، وان كان في لحظة محاسبة النفس، لن يكون في منأي عن المساءلة، اذ يبدو ان الحل لم يعد في تغيير جزئي او كلي للنظام، بارادة بعض اصحابه او بدونها بل لا بد ان يأتي التغيير هذه المرة شاملا للبلد كله. انها هيكلة البلد التي ينخرها السوس. لذلك فان المجتمع بمختلف بنياته واطيافه، مثلما هو متورط في عمق المأزق فانه امسي متورطا اكثر في هم المسؤولية، ليس سياسيا او اخلاقيا فحسب، بل تاريخيا وانسانيا. ذلك ان خمسين سنة من عمر الاستقلال، ومن مفاعيل النهضة ونكساتها لا يمكن محوها بأية اجراءات آنية تهبط من اعلي الهرم السلطوي. فما لم يستطع ان يستوعبه عقل النظام حتي الان هو انه لن يمكنه ان يتصدي لاية ظاهرة من ظواهر المأزق الكياني، وحده، ومن دون مشاركة حقيقية من قبل الاكثرية النوعية لقوي المجتمع والدولة معا.
امام المأزق الكياني الشامل الذي هو في حجمه العملاق، سادا للآفاق، ليس لدي اية سلطة حتي لو كانت حاكمة او معارضة لا الرؤية المتكاملة لاعراض المأزق وآلياته، ولا التصور الواقعي او العلمي للمشروع البديل فالمصطلحات الكبيرة، والكلمات الرنانة، من مثل الديمقراطية والحرية والمساواة لن تستطيع حذف اشياء الواقع والحلول مكانها ما ان ترددها الالسنة، او تكتبها عناوين المقالات المتبارزة فيما بينها والمزايدة علي بعضها في دعاوي التحليل والتنظير.
ما ينبغي ان تعرفه السلطة هو ان التغيير لم يعد منحة تسمح بها او تمنعها متي ارادت وكيفما شاءت. فقد تخطي الزمان والظروف تلك الحالة من الترف التي كانت تعيشها سلطة عربية لا ترفض التغيير فحسب، بل تحرم علي اعضائها وشعبها مجرد التفكير في بعض اولوياته. فيما مضي كان الخيار هو بين الاصلاح او المزيد من استبداد الحاكم ومن احتقان المحكوم. ثم امسي الخيار اليوم هو بين فورية التغيير او انهيار النظام وتفكك الدولة وحلول الفوضي علي اشكالها في مؤسسات المجتمع ونسيجه الانساني والتاريخي. هذا فضلا عن كون الظروف السياسية المحيطة اقليميا ودوليا تمارس ضغوطا متصاعدة الوتيرة، فما كان مطلوبا تحقيقه داخليا وذاتيا بات مادة لتلك الضغوط بحيث يلتبس ما هو اجنبي مغرض وله حساباته الخاصة مع ما هو نابع مباشرة من ازمات الداخل ومتعلق اصلا بمصير الشعب حتي قبل ان يكون هو مصير الدولة والنظام. ما يعني ان مفهوم الاصلاح لا يتضمن مجرد تعديلات جزئية في خطوط كبري ثابتة. بل هي هذه الخطوط نفسهــــا التي تحتاج الي التمرد علي خارطتها العامـــة واختراق محرماتها وقد اضحت مهلهلة كنسيح العنكبوت.
حين يقال مثلا ان سورية مطالبة بالتنازل عن استراتيجيتها القومية الشاملة كيما تنقذ نظامها الوطني الذاتي من تهديدات النهاية التي اصبحت نغمة ترددها ابواق السياسة الدولية قبل المحلية، فهل سيكون الجواب علي هذه المطالبة هو: ماذا يتبقي، ليس للنظام فقط بل لسورية نفسها ان هي تخلت عن تلك الاستراتيجية. ان الاشكالية المطروحة لا تتعلق فحسب بخيارات حزب، وان كان هو حزب البعث الذي يصنع هويته وتاريخه بناء علي التزامه القومي. لكن السؤال هو هل ان الحزب الحاكم في سورية هو البعث حقا بتلك الهوية وذلك التاريخ المعروفين عنه وما هو معروف به بالنسبة لمؤسسيه واجياله الاولي وحتي الاخيرة كذلك. فالمؤسسون يشعرون ان حزبهم مختطف منهم، واجياله الاخيرة تتنصل في غالبيتها مما تفعله السلطة باسم عقيدتهم، وتحت الوية شعاراتهم. والحقيقة هي ان اغترابا عميقا قد حفر هوة متنامية الغور والاتساع طيلة تجربة العلاقة الفعلية بين الحزب والحاكم، وان لم تعكس هذا الوضع القيادات الرسمية المتتابعة علي رأس الحزب، والمحتلة لواجهته، والممسكة كذلك بالمواقع الرئيسية في الدولة. وما يجري اليوم ان السلطة التي تريد ان تثبت انها مزمعة علي الشروع في الاصلاح، انما تريد مجددا ان تبرر تحركها (الجديد) باستمداد مشروعية التغيير من مؤسسات الحزب التي عليها هي كذلك ان تعلن تنازلات جذرية عن مفاصل رئيسية في عقيدته القومية.
ولو افترضنا جدلا انه لا يزال للبعث الرسمي الحالي بعض ما يربطه، ولو في عداد الشعارات فحسب، بالحزب القديم، الشعبي والقومي، فسوف يعاني مع ذلك احراجه الاكبر عندما ستفرض عليه السلطة خلال مؤتمره القطري القادم التنازل عن مؤسسته القومية، بالغاء صيغة (القيادة القومية) من تنظيمه وربما من عقيدته كذلك. فاذا كانت (الوحدة) وهي جوهر عقيدته قد باءت تجربتها الاولي والاهم بالانهيار السريع بعد اقل من ثلاث سنوات من عمرها، وكذلك خابت مختلف محاولات استردادها، وبعد كل المشاريع الوحدوية الرسمية وسواها، وآخرها وكما كان من المأمول به ان تتوصل اليه تجربة التداخل ما بين اقرب قطرين الي بعضهما، من كل النواحي، وهما سورية ولبنان. اذا كان الهدف المركزي للايديولوجيا القومية وهو الوحدة السياسية، قد جعلته مرحلة الاستقلالات القطرية طيلة خمسين عاما، غير ذي موضوع عملي قابل للتنفيذ لاسباب كثيرة معروفة، فهل يحق لاية سلطة حزبية او خارجية ان تجرد البعث من جوهره العقائدي، ذلك هو التساؤل المشروع الذي تردده محافل دمشق في هذه الايام السابقة علي موعد انعقاد المؤتمر القطري اواخر الشهر الحالي. انه التساؤل عن مشروعية البداية نفسها، وهل هي حزبية او شعبية اولا؟
قد يكون البند الايجابي المهم الذي سيناقشه هذا المؤتمر هو قرار اعضاء حزب البعث من مهمة كونه الحزب الحاكم الوحيد، كما هو منصوص عليه في دستور الدولة السورية. تلك هي بداية انفكاك هذا التوأم المريض بين السلطة والحزب. لعله انفكاك يحرر الطرفين معا، فالحزب قد يفوز باستقلاله عن السلطة ويعود الي تراثه. وكذلك (يتحرر) النظام من عبء الايديولوجيا وما تبقي منها من بعض الالتزامات الشكلية. اما المجتمع فسوف يتعامل عندئذ مع مجرد حكومة عادية، وليس مع نظام عقائدي كلياني.. ويتمتع بشبه سلطان لاهوتي تحريمي، يجرم كل معترض عليه بالتكفير والخيانة العظمي، قد يكون ذلك ايذانا بنوع من انقلاب بنيوي، يصبح مدخلا لاعادة الحياة الطبيعية للمجتمع وعلاقته (القانونية) مع الدولة.
وفي هذه الحالة تجد سورية نفسها ولاول مرة منذ اربعين عاما، انها وصلت الي عتبة الديمقراطية بقوة الامر الواقع. فلا يعود التحول التغييري متوقفا علي ارادة احد، وخاصة لن يظل منحة علوية من السلطة، فالمجتمع المتحرر من الادلجة الشكلانية، والدولة الخارجة من صيغة الاحادية والسلطة المطلقة. لن يجد امامهما من سبيل الي تنظيم العلاقة بينهما سوي اطلاق العنان لديمقراطية الامر الواقع التي ستفرض نفسها كحتمية وحيدة واعدة بأصعب الحلول لتراكم المشكلات الهائلة، انها الحلول الصعبة حقا لكنها القادرة وحدها علي اختراق حالة الاستعصاء الشاملة المستحكمة بمختلف شؤون البلاد والعباد، فليس ثمة سلطة او فئة او حتي دولة قادرة وحدها علي مواجهة نوعية ذلك الاستعصاء الخرافي الذي تعيشه مختلف مشكلات المعيشة والنظــام العام، التي كان سلطان الفساد المعمم وحارسه الايديولوجي يحجبانها عن المواجهة ويمنعنان من مقاربتها بأية معالجات اولية، تتطلب حدودا دنيا من الكشف والتعرية وطلب المشاركة من اهل الخبرة والنزاهة.
انها بداية، والطريق بعدها ما له نهاية..