رسالة الى المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث في سورية

هشام الدجاني     الحياة     2005/05/8

تحية طيبة وبعد،

ينعقد مؤتمركم القطري العاشر قريباً بعد فترة طويلة من الانقطاع وبلادنا تمر بظروف وتحديات صعبة سياسياً واقتصادياً. ولا شك انكم في حاجة الى تكاتف المواطنين معكم في هذه الظروف لا ان تكون قيادتكم في وادٍ والشعب في وادٍ آخر.

لقد اخذ حزبكم على عاتقه مسؤولية قيادة الدولة والمجتمع، وهي مسؤولية جسيمة. ومن أجل ان تحقق هذه المسؤولية الغاية المرجوة منها لا بد ان تستمتع الى اصواتنا نحن معشر المحكومين وان تستمع الى أصوات المعارضين الشرفاء وأصوات المخلصين من القوى السياسية الوطنية. لدينا مطالب من حقنا ان نعرضها على مؤتمركم الموقر، فسورية أشد في حاجة اليوم الى تلاحم الحاكم والمحكوم.

أول هذه المطالب اطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي، فالحرية هي احد شعارات حزبكم وينبغي ان يكون لهذا الشعار مصداقيته. فخلاف أفراد أو قوى وطنية معكم في بعض الأمور وانتقادها لممارسات شخصية ذات نفوذ في حزبكم وسلطتكم لا يمس سعادتكم، بل هو لصالح قيادتكم ولصالح البلاد. فأنتم في حاجة الى ان تسمعوا أصوات المواطنين وأصوات القوى السياسية المعارضة والنزيهة واللجوء الى لغة الحوار لا لغة العنف. لقد ولى عصر الشمولية وحل مكانه عصر التعددية حتى في أشد البلدان تخلفاً، ولقد كانت التعدية سمة صحية من سمات هذا البلد، وهي سمة نعم بها حزبكم كما نعمت بها الأحزاب الأخرى والقوى السياسية الأخرى، وبالتالي فإن محاربة كل من يخالفكم في الرأي يسيء الى حزبكم الذي كان تاريخه النضالي ضد قوى استبداد. وكلنا نعرف ان حزب البعث التاريخي نشأ وترعرع في أجواء الديموقراطية واستطاع ان يحقق نجاحاً واسعاً على الصعيد الشعبي، وكان حزبكم قبل ان يتولى قيادة الدولة والمجتمع يعارض بقوة كل أشكال القمع والديكتاتورية.

وثاني هذه المطالب بالتالي ان يعود الحزب الى جذوره السليمة: الى قبول الآخر والتعددية الحزبية. فلا خوف على حزبكم من الديموقراطية، فقد شارك في وقت من الأوقات في السلطة تحت خمية الديموقراطية. وإطلاق حرية تشكيل الاحزاب لا ينبغي ان يخيفكم، فحزبكم بتعداده الوافر وسيطرته على مراكز القمة لا ينبغي ان يخشى التعددية والسماح بحرية تشكيل أحزاب سياسية فيما الاستماع الى أصوات الآخرين سيفيدكم ويجنبكم كثيراً من الأخطاء التي تُرتكب تحت راية الرأي الواحد. وليس انهيار أكبر قوة شمولية (الاتحاد السوفياتي) إلا مثال على عواقب التشنج وعدم الانفتاح. فلا بد إذاً من إلغاء الاحكام العرفية واعتماد لغة القانون العام وحده، حتى يشعر المواطن بالطمأنينة وبالمواطنية الحقة والكاملة.

لقد اخفقتم ايضاً في تحقيق شعاركم الأول: الوحدة. فالوحدة أشبه برقصة تانغو أو رقصة دبكة، بمعنى انها تحتاج الى شريك آخر أو شركاء، فإذا لم يتوافر مثل هذا الشريك أو الشركاء فكيف تقام وحدة. لكن ربما كانت أمامنا فرصة ذهبية لإقامة نوع من الاتحاد أو الشراكة مع لبنان، لكننا لم نعمل على ذلك واكتفينا بترديد الشعارات شعب واحد في بلدين. نعم نحن شعب واحد في بلدين ولربما كانت بعض ممارساتنا الخاطئة قد ساهمت في ابتعاد جانب من المسؤولين اللبنانيين والاحزاب اللبنانية عن أي فكرة للاتحاد، وفي النهاية خرجنا من لبنان تحت ضغط دولي.

لا شك ان الطريقة المهيمنة على الأنظمة العربية تجعل من الصعب الاتفاق مع أي بلد عربي على الوحدة. ويمكننا ان نستعيض عن الوحدة بالانفتاح على جميع الدول والأنظمة العربية وتعزيز علاقاتنا الاقتصادية والسياسية معها من خلال اتفاقات موقعة. ولقد حظيت قيادتكم بخطوات جيدة في هذ السبيل، كذلك كان انفتاح سورية على تركيا ـ بعد طول جفاء ـ خطوة ذكية، وكذلك اتفقنا من جديد على وريث الاتحاد السوفياتي السابق (الاتحاد الروسي)، واتفاق الشراكة الأوروبية خطوة جيدة لكنها تحتاج الى مزيد من الليبرالية على صعيد السياسة والاقتصاد.

أحسب ان ثمة حاجة ماسة الى ان يراجع مؤتمركم مراجعة جادة مسيرة الحزب وتجربته في الحكم خلال ما يزيد على أربعين عاماً. فصيغة الجبهة الوطنية التقدمية اصبحت من مخلفات الماضي، جبهة من مجموعة أحزاب صغيرة إذا استثنينا الحزب الشيوعي بشقيه، تدور في خلدكم ولا يتجاوز عدد أفرادها بضع عشرات، وهي لا تُستشار في اي قرار ذي شأن. إذا كان لا بد من صيغة جبهة فلتكن جبهة حقيقية مؤلفة من أحزاب لها شعبية واسعة وأرضية سياسية متنوعة تتفق على المشاركة في الحكم واتخاذ القرارات المهمة من أجل صالح المواطنين والوطن. كما أحسب ان مؤتمركم ينبغي ان يقوم بمراجعة شاملة لشعارات الحزب. فشعار الحرية لا يمكن ان يتحقق في ظل الاحكام العرفية والقوانين الاستثنائية، وربما تحققت بعض الخطوات الانفراجية في الآونة الأخيرة لكن الطريق الى الحرية ما يزال طويلاً. واما الاشتراكية فقد أصبحت بدورها من مخلفات الماضي. فالبلاد تتجه أكثر فأكثر نحو سياسة انفتاحية واقتصاد حر، فلماذا التمسك بشعارات عفا عليها الزمن؟ لماذا لا نعلن صراحة ان بلادنا باتت تؤمن بالاقتصاد الحر، لكنها تحتفظ بالإشراف على بعض القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية كالنفط وغيره؟ وهذا ما تفعله دول ديموقراطية عدة ذات نظام حر.

ومؤتمركم فرصة لمراجعة شعارات الحزب واساليبه، سواء في السياسة أو الاقتصاد. وقد خطا النظام بعض الخطوات الانفتاحية في الآونة الأخيرة، لكنها لا تزال غير كافية. ترى هل يحقق مؤتمركم الذي يفترض انه أعلى سلطة في الحزب ما تقوله جماهير شعبنا من ممارسة حرية وديموقراطية حقيقية وانفتاح واسع على الجماهير؟ مثل هذه الخطوة ستكسب القيادة والحزب شعبية واسعة ومصداقية أوفر. واحسب ان مؤتمركم قادر على اتخاذ قرارات تنفض عن الحزب غبار الجمود والمراوحة في المكان وترديد الشعارات، وهو قادر على ان يجعل الحزب يجدد نفسه ويواكب متغيرات الواقع المحلي والمتغيرات الدولية من حولنا في عصر العولمة. ولا يخفى ان تحقيق مثل هذا التجديد يحتاج الى قيادة شابة ونزيهة عالية الثقافة ومتحمسة للتغيير. وكوادر حزبكم تضم الكثير من المثقفين والاختصاصيين التواقين الى التغيير والتحديث.

أرجو ان أكون قد عبرت عما يدور في نفسي كمواطن. وربما كان ما يدور في نفسي كمواطن هو ما يدور في خواطر ملايين المواطنين، متمنياً لمؤتمركم النجاح في اتخاذ قرارات مهمة على طريق الحرية والديموقراطية والتعددية، وهو قادر على ذلك تحت قيادة رئيسنا الشاب.

(كاتب فلسطيني - سوري)