تفكك الأنظمة السياسية العربية في منظور مقارن: رضوان السيِّد

تفاجئ العيون والعقول مظاهر وحالات التفكك في الأنظمة في العالم العربي المعاصر. وعندنا حالة سابقة ما تزال مستمرة في الصومال منذ أكثر من عقد

ونصف. أما اليوم فهناك ثلاث حالات: العراق والسودان ولبنان. ويمكن القول إن حالة العراق متوقعة ومفهومة. فقد أسقط الغزو الأميركي نظام صدام حسين في نيسان عام 2003. ومنذ ذلك الحين قامت إدارات مؤقتة في ظل الاحتلال، ثم أمكن إجراء انتخابات وتشكيل حكومة، زادت الوضع الأمني والسياسي تأزماً بدلاً من التهدئة أو الاستقرار النسبي المنتظر. والواضح الآن أن نحو نصف الشعب العراقي غير راضٍ عن كل ما جرى، ولذلك فستستمر المقاومة المسلحة وغير المسلحة، ولن يكون هناك هدوء حتى لو خرج الأميركيون. وتتعمق الآن الشروخ الاجتماعية والسياسية في الجسم العراقي، بحيث سيكون صعباً وصعباً جداً إجراء تسوية داخلية من نوع ما بعد خروج الأميركيين أو انكفائهم.

فالنخب السياسية الكردية لن تقبل بأقل من استقلال شبه كامل، وإن تحت راية العراق الفيدرالي. والنخب الشيعية لن تقبل بأقل مما حصلت عليه في الانتخابات التي لم تشارك فيها الأكثرية الساحقة من السنّة. والسنّة بدورهم صاروا يرون أنه ليس لديهم ما يخسرونه، ولذلك لن يتحسن وضعهم إلا بالمقاومة بكل أشكالها، والمشكلة الآن أنه لا نصابَ يحتكم اليه الجميع، حتى وحدة العراق فضلاً عن وحدة دولته ومجتمعه.

ولا يمكن إلقاء التهمة في التفكك على أحد خارجي في السودان. العراق بلد مغزوّ ومخرّب. أما السودان فقد خاضت حكومته القائمة منذ انقلاب العام 1989 عدة حروب ضد عدة تمردات في الجنوب أولاً ثم في الشرق والغرب. وأتت فترة كانت فيها كل الدول المجاورة عدواً لها. وعندما رضيت فجأة بمفاوضة الجنوبيين على السلام ولو أدى لانفصال، كانت نواح أخرى من البلاد قد اشتعلت. وكنا نظن أنه ما دامت الولايات المتحدة قد تدخلت لحل المشكل التاريخي في جنوب السودان، فلن تكون هناك مشكلات بعد ذلك. بيد أن مسألة دارفور هي التي تبدو الآن القشة التي قصمت ظهر البعير. فالتدخل الدولي الأكثر فعالية جرى هناك من خلال قرار مجلس الأمن، لتتبع أولئك الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية بعد مقتل أكثر من مئة ألف، وتشريد أكثر من مليون من سكان الإقليم البالغ عددهم ثلاثة ملايين ونيفاً. ويبحث النظام باستماتة الآن عن توافقات، من خلال إشراك الجميع في كتابة الدستور الذي ستجري على أساس منه انتخابات حرة للمرة الأولى في ظل هذا النظام. لكن أطرافاً كباراً لا يريدون المشاركة ـ وإذا بقي النظام فستستمر التشققات. لكن إذا سقط، فسيكون السودان كله مهدداً لاستشراء الحزبيات، وبروز المحليات والإقليميات، وكل ذلك بسبب تفرّد النظام ودكتاتوريته واستعداده لاستعمال العنف ضد فئات من شعب السودان بحجج مختلفة.

وما وصل الوضع في لبنان الى هذه الحدود. لكن اغتيال الرئيس الحريري اضطر السوريين للانسحاب بسرعة، وتشقّق النظام الأمني والسياسي الذي أقاموه، فتوارى أركانه أو فقدوا مناصبهم ونفوذهم، وغيّر رئيس الجمهورية مواقعه للتلاؤم مع المتغيرات. وبدا الجميع مهتمين بإجراء الانتخابات، للتخلص من بقايا النظام القائم من جهة، وتجربة الانتخابات الحرة غير المضبوطة، التي رأت "المعارضة" أنها تستحقها. ويتصاعد النزاع الآن على قانون الانتخابات بعد نفاد المهل الدستورية دونما التوصل الى قانون غير القانون النافذ منذ انتخابات العام 2000. ويتظلم المعارضون من ذاك القانون بحجة أن السوريين هم الذين فرضوه وهو لا يؤمن صحة التمثيل. لكن مشروع القانون الآخر على أساس القضاء، (والذي يتشبث به المعارضون)، أحيل أيضاً من الحكومة السابقة على مجلس النواب تحت السيطرة السورية. بيد أن الأهم من ذلك أن لا أحد من الفرقاء يذكر الدستور أو وثيقة الوفاق الوطني أو يحتكم إليه وإليها. وهكذا فإن النظام مهدد بالتفكك تحت وطأة تجاذب الفرقاء السياسيين، وتجاوز النص الدستوري الذي يمكن أن يشكل جامعاً أو سقفاً ينطلق منه الجميع، للوصول الى تسوية تؤمن وفاقاً وطنياً في المرحلة الانتقالية هذه.

أين يكمن الخلل الذي أدى الى هذا التفكك في الأنظمة الثلاثة؟ يكمن الخلل بل يظهر في النظام الاستبدادي القائم أو الذي كان قائماً. وصحيح أن الأميركيين أسقطوا النظام العراقي الصدامي، لكنّ ذلك النظام ما ترك مواريثَ جامعةً أو شبه جامعة. والنظام السوداني نظامٌ مقفلٌ، وهو ينفتح الآن لكن بعد فوات الأوان. وفي لبنان، أقام السوريون نظاماً أمنياً سياسياً أخفّ وطأةً من نظامي صدام والبشير، لكنه مشابه في النزوع الانفرادي، وفي الاستتباع. بيد أنّ السياسيين اللبنانيين يتحملون مسؤولية كبرى الآن، بعد خروج السوريين، لأن هناك نصاً دستورياً جامعاً يمكن الاستناد اليه في تأسيس الحياة الحرة الجديدة، وما من شك في أنّ اللبنانيين لا يريدون العودة الى النزاع، إنما يريدون العودة الى الطائف. وهذه ميزة للوضع اللبناني لا يملكها السودانيون ولا العراقيون، فهل نعود للدستور أم للتنازع السياسي والطائفي؟!

"المستقبل"