امتحان اللبنانيين بعد خروج سوريا....
غازي العريضي
.....الاتحاد

 

منذ فترة طويلة والعالم يراقب لبنان وشعبه خصوصاً بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وتحديداً بعد مشهد الرابع عشر من آذار الذي جمع مئات الآلاف من اللبنانيين في ساحة الحرية موحدين حول شعارات:"الحقيقة" و"الوحدة الوطنية" و"الحرية والسيادة والاستقلال"... وإلى ما هنالك. الإعلام لعب دوراً مهماً في إظهار هذه الحركة الاعتراضية والاستثنائية في العالم العربي النابعة في الأساس من خصوصية لبنان في هذه المنطقة.
كثيرون في الخارج كانوا ينتظرون خروج سوريا من لبنان وكثيرون في الداخل كانوا يعملون لذلك.
وكثيرون كانوا يتطلعون إلى الحركة الاعتراضية أنها حركة تغييرية حقيقية. وكثيرون كانوا يراهنون أنه لمجرد خروج السوريين من لبنان فإن اللبنانيين قادرون على إدارة شؤونهم بأنفسهم وتكريس نظامهم الديمقراطي، ولذلك كان التحدي ولا يزال كبيراً أمامهم, لا سيما منهم الذين قادوا الحركة الاعتراضية التي حققت مجمل أهدافها المرحلية على الأقل. فسوريا انسحبت من لبنان. ولجنة التحقيق الدولية قيد التشكيل وطلائع فرق عملها بدأت بالوصول إلى بيروت وبالتحضيرات الميدانية والسياسية والمعلوماتية لها. وقادة الأجهزة الأمنية بدأوا يتساقطون. والإصرار قائم على إجراء الانتخابات النيابية في مواعيدها. فهل بدأ اللبنانيون يستثمرون هذه الإنجازات – الحلم التي لم يكن ممكناً تحقيقها لولا اغتيال الرئيس الشــهيد رفيق الحريري؟ ولبنان إلى أين بعد اليوم؟

في الحقيقة القلق لا يزال يساور اللبنانيين. فصورة الوضع السياسي الداخلي بدت أكثر تعقيداً وضعفاً مما توقعه الكثيرون من الواقعيين في السياسة اللبنانية. وإذا كان من الطبيعي أن تفرز الأحداث المتلاحقة المواقف والمواقع داخل ما يسمى بالموالاة أو بالمعارضة خصوصاً على أبواب الانتخابات، فإن سرعة هذه الأحداث وحجمها ونتائجها الدراماتيكية أحدثت إرباكاً في كلا الموقعين. واشتعلت في البلاد حروب سياسية وإعلامية أخذت طابعاً طائفياً بغيضاً ولا شك أن ثمة جهات تقف وراءها لتوقع اللبنانيين في أكثر من فخ, أبرزها فخ عدم القدرة على التفاهم وبالتالي إعطاء صورة عن وضعهم أنهم غير قادرين على إدارة شؤونهم بأنفسهم.

إنه أخطر شعور رافق اللبنانيين في الأيام الأخيرة الماضية. فبمجرد عدم الاتفاق على قانون للانتخاب، اندلعت الحرب الإعلامية التي أعطيت البعد الطائفي علماً أن المصالح الانتخابية متداخلة والأشكال التنظيمية إن صح التعبير للمعارضة وللموالاة لا توحي باصطفافات طائفية. ففي المعارضة تنوع وكذلك في الموالاة. هذا على الأقل في العلن. أما في المضمر فلكل حساباته. وما أظهرته الحملة الإعلامية السياسية المنظمة وارتداداتها والأفعال وردود الأفعال على المنابر وفي الصروح السياسية والروحية في البلاد، كان بشعاً للغاية.

نعم، أظهر اللبنانيون لفترة، عدم قدرة على التفاهم. حتى أن البعض من السياسيين أطلق "نكتة" تقول: فلنطلب عودة "أبو عبده" (العميد رستم غزالي مسؤول استخبارات القوات السورية سابقاً في لبنان) لمدة أسبوع على الأقل، علــّنا ننجز قانون الانتخاب وننتهي من هذا الصراع. صحيح أن "أبو عبده" غير موجود، وأن السوريين لا يتدخلون مباشرة كما في السابق، لكن الصحيح أيضاً أننا أصبحنا أمام أكثر من"أبو عبده" دولي.

نعم، كلما احتاج الأمر إلى قرار واتفاق، كان لابد من الاتصال بالسفير الأميركي أو الفرنسي، أو بموفد الأمين العام للأمم المتحدة الذي يعطي وصفات وعلاجات ويقدم أفكاراً واقتراحات وأحياناً تعليمات، على الهاتف ومن نيويورك نفسها! وفي ذلك تناقض كلـّي مع مبادئ السيادة والاستقلال التي خاضت المعارضة تحتها معاركها الأخيرة.

نعم، إنه أمر معيب وخطير ألا يتمكن اللبنانيون من الاتفاق فيما بينهم وأن يستمر اللجوء إلى السفراء والقناصل للمساعدة في حل مشاكلهم.

الدول الشقيقة معنية بمساعدة بعضها. ولذلك كانت تحركات ومبادرات المملكة العربية السعودية بشخص ولي العهد الأمير عبدالله بن عبد العزيز موضع مباركة لا سيما وأن المملكة لم تتدخل في الشأن الداخلي اللبناني رغم علاقاتها التاريخية والمميزة مع الدولة اللبنانية وكل فئات الشعب اللبناني. والمملكة لا تعطي تعليمات لأحد، ولكن نصائح من موقع الحرص على لبنان ووحدته وأمنه واستقراره. وهي التي أصيبت باغتيال الرئيس الحريري واستمرت تؤكد ضرورة الاحتكام إلى العقل والمنطق لصون لبنان. وتدعو إلى علاقات جيدة مع سوريا. هذا نوع من العلاقات يفيد البلد ويبقي الفرصة مفتوحة أمام أهله ومسؤوليه لتحمل مسؤولياتهم وإدارة شؤونهم.

أما التحركات الأخرى من السفراء والقناصل والوزراء والمسؤولين الدوليين فقد بلغت حد تركيب اللوائح الانتخابية في الداخل، وتعيين الموظفين وكأن شيئاً لم يتغير. حتى أن أحد السفراء تدخل في شأن تركيب وفد لبناني رسمي ذاهب إلى الخارج منذ أيام معترضاً على وجود البعض فيه. قد يكون محقاً في الاعتراض لجهة نوعية هذا البعض ومواقفه وممارساته وقد نتلاقى معه, ولكن هذا شأن لبناني داخلي وتفصيلي على أهميته لا يجوز أن يتدخل فيه أحد.

لقد كانت القوى السياسية كلها في الفترة الأخيرة في مأزق. فلا الموالاة قادرة على التفاهم. ولا المعارضة بقيت صفوفها متماسكة. وظهر شيء خطير وهو أن المسلمين غير قادرين على التفاهم مع المسيحيين (أو العكس) وأن المسيحيين مختلفون، والمسلمين مختلفون وكل شيء مفكك، فمن يدير البلاد؟

إنها صورة حقيقية عشناها بأدق تفاصيلها في الأيام الأخيرة وأبشع ما فيها أنها تؤكد رغبات بعض الغرب وغيرهم للانتقام من لبنان مجدداً والقول إن اللبنانيين غير مؤهلين لقيادة بلادهم وهم قاصرون ولابد من وصاية دائمة عليهم.

لذلك، لا يكفي أن تكون سوريا قد خرجت من لبنان, بل الأهم أن يكون قد دخل إلى عقول اللبنانيين ونفوسهم شيء من القناعة بأن إعادة إنتاج العلاقات اللبنانية- اللبنانية يجب أن تكون شأناً لبنانياً يحتكم فيه إلى المصلحة اللبنانية انطلاقاً من التجارب السابقة التي مر بها لبنان. أما رفض استقواء فريق لبناني بسوريا على فريق آخر، ورفض هيمنة أو وصاية أو تدخل سوريا في شؤون لبنان، واستبدال ذلك باستقواء فريق آخر بأميركا أو بفرنسا أو بالمعادلة الدولية أو بضعف سوريا على اللبنانيين الباقين، واستبدال الوصاية السورية بوصايات مختلفة فهذا أمر خطير جداً جداً, لأنه يبقي جذور الأزمة قائمة، فكيف إذا كانت إسرائيل على الخاصرة... وهي الحاضرة دائماً لأن في ما يجري الكثير مما تتمناه وتخطط له؟.