"المعارضة اللبنانية" و"أزمة" النظام الحليف لسورية: فؤاد زعيتر

هل يعاني النظام السوري أزمة في فهم التحولات الدولية الجديدة، من حوله، والتي اقتربت من "غرفة نومه"، ونشأت بعد هجمات الحادي عشر من ايلول.

 

كان يمكن هذا السؤال ان يكون "ساذجا" لو عرفت سوريا ان "تدير" علاقاتها المأزومة مع الولايات المتحدة، وألا تغامر بتعاطي سياسة "حافة الهاوية" من دون ان تجيد فنون لعبها، قبل ان تتطور ازمة العلاقات بين البلدين، وتتفاقم الى ما يشبه القطيعة، وتتكرس "حرباً" خفية بعد حرب العراق الثانية وسقوط بغداد واتهام دمشق بإيواء قادة النظام العراقي المخلوع، وبفتح حدودها والتغاضي عن تسلل عناصر المقاومة المسلحة العراقية.

كما ان هذا السؤال كان يمكن ان يثير كثيرا من "الضحك" السياسي، لو ان دمشق عرفت كيف تحافظ على تفويضها، من قِبَل ادارة جورج بوش الأب (ثمن مشاركتها في قوات التحالف تحت قيادة الولايات المتحدة ضد العراق، اثناء حرب العراق الاولى)، ادارة ملف "دولة" الطوائف اللبنانية (والى تأجيل نزاعاتها، وليس تسويتها، بصيغة حل استنسابية (اتفاق الطائف)، وليست نهائية، وليست قابلة لحياة طويلة، ويحتاج كل بند فيها، كما أثبتت خمسة عشر عاما من التجربة، الى اتفاق)، ولم تفرط بالملف اللبناني، وكشفت خسارتُها له في بازار "القمار" السياسي دمشقَ نفسها، حتى ان هناك من يتحدث "بثقة" الآن عن الخطوة التالية...

وكان يمكن هذا التشكيك بجدوى السياسة الخارجية السورية، (وخصوصا مع لبنان) التي كانت تتعاطى كما لو ان الاتحاد السوفياتي ما زال حيا، وكما لو انها لم تصدق انتهاء ثنائية الحرب الباردة، وتسلطَ سياسة القطب الاميركي الواحد... كان يمكن هذا التشكيك بجدوى هذه السياسة القاصرة عن تطوير نفسها، ومفرداتها، ان يكون "تجنيا" او "ادعاء"، لو ان سوريا ادركت في فترة ما قبل التمديد وأثناءه وبعده، خطورة التحذيرات الغربية، وتحديدا الاميركية وقبلها الفرنسية، بضرورة عدم المساس بالدستور اللبناني، وضرورة اجراء انتخابات رئاسية (ولسوريا حلفاء كثر، مقبولون غربيا، كانوا يطمحون الى سدة الرئاسة)؛ ولو ان دمشق قرأت جيدا حيثيات هذه التمنيات التحذيرات الغربية، ولم تقدم على خطيئة التمديد، واستمعت الى وليد جنبلاط يحذر من "الفخ المنصوب للبنان وسوريا" بفعل التمديد، وراعت تململ الشارع اللبناني، وتحديدا الشارع المحسوب على دمشق، الذي كان يعارض قرار التمديد، ولا يتمناه؛ ولو أنها راعت حساسيات القوى المؤيدة لها، وليس رفيق الحريري وحده، الذي تعرض في فترة ما قبل التمديد وأثناءه وبعده، لحملة تخوين شعواء، من جميع، او معظم حلفاء دمشق، الذين لم يتورعوا عن "لحس" مواقفهم المعارضة للتمديد، والاشتراك في اتهام رئيس الوزراء اللبناني السابق، ومعه وليد جنبلاط، بالعمالة... حتى حدود الوقوف وراء اصدار القرار الفتنة: 1559!

في ظل أجواء التخوين والترهيب هذه، حدث زلزال مقتل رفيق الحريري. وصدر كلام عن المبعوث الدولي تيري رود لارسن، بأنه كان حذر كلاً من الحريري وجنبلاط على حياة كل منهما. ليس المكان هنا لبحث صدقية مثل هذا الكلام الاتهام، وان لم يصدر عن المعنيين به، اي نفي او تكذيب له... وإنما ربما ساعد هذا الكلام "المبطن" و"الواضح" معاً، على اعادة فرز الساحة السياسية اللبنانية، وتوزيع الاصطفافات من جديد، بشكل لم يكن أعتى معادي سوريا يتوقعه. من كان يصدق ان تشهد شوارع بيروت الغربية تظاهرات حاشدة تطالب برحيل القوات السورية، وتتهم سوريا مباشرة بمقتل الحريري. وأي "شيطان" كان يتنبأ بأن تمتلئ ساحة الشهداء (تحولت في أدبيات المعارضة الى "ساحة الحرية") وتفيض بأكثر من مليون متظاهر (بعضهم بالغ وقال مليونا ونصف مليون)، يشتمون، جميعهم، سوريا، ويتهمونها باحتلال لبنان، ويطلبون "نكاية" بها حماية دولية من اميركا... وربما همس بعضهم: من اسرائيل حتى! وأي "سيئ نية"، كان يظن، في أسوأ الاوضاع، ان يتم التعاطي مع العمال السوريين (الفقراء والناقمين اصلا على انعدام فرض العمل في بلدهم، وحياتهم المزرية في لبنان) بعنصرية، والتنكيل بكثير منهم، وقتلهم (تحدث الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله عن معلومات بأن ما بين عشرين الى ثلاثين عاملا سوريا قُتلوا ونُكّل بجثثهم!!)، كما لو انهم مسؤولون عن ارتكابات وتسلط وخطايا قام بها مسؤولو جهاز الامن المخابراتي اللبناني السوري معا، وليسوا ايضا ضحايا له.

ومن كان يصدق ان يكون مسرح هذه الاغتيالات بحق العمال السوريين المساكين، بيروتَ الغربية، وان تكون كل التظاهرات المناوئة لدمشق حصلت في مناطق محسوبة ضمن "رصيدها" اللبناني، وان مئات آلاف اللافتات التي رفعت تتهم سوريا باغتيال رفيق الحريري، لم ترتفع معها، ولو بالخطأ، لافتة واحدة تشير بإصبع اتهام واحد صوب... اسرائيل. كان الشارع يغلي إذاً، وثمة من عمل على إيقاد النار تحته حتى تقترب ساعة انفجاره. وها قد حدث الانفجار. ولكن كثيرا من المتظاهرين الذين ظنوا، التباساً، انهم هم من يدخل غرفة العمليات، ويشرف على ولادة "لبنان جديد"، "سيد وحر ومستقل"، يجهلون، ربما، وربما يعلمون (ولكن متعة الظهور اليومي على شاشات التلفزة نشوة تشبه السحر) انهم هم ايضا، وقود لوصاية جديدة، ليست بالوكالة هذه المرة (عبر سوريا او أيّ غيرها)، وإنما بالاصالة (من قبل الولايات المتحدة)، وما شعارات "الحرية والسيادة والاستقلال" إلا القناع الذي يُخفي خلفه "الساحرُ" الاميركي وجهَه الحقيقي.

يبدو ان المعارضة قد أُخِذت الى حيث لا تعلم، ربما، على حين غفلة. ومن الأكيد، من خلال تراكمات الاحداث وتبديل المواقع التي حصلت خلال الشهرين ونيف الماضيين، ان كثيرا من اقطاب هذه المعارضة، ان لم يكن جميعهم، لا يعرفون الى أين سوف ترسو بهم "أجندة" مطالبهم.

وإذا كان اطراف المعارضة (او المعارضات) اللبنانية اليوم، وفي مقدمها النائب وليد جنبلاط والبطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير، ومعهما النائبة بهية الحريري، يعرفون قبل اركان الموالاة (لقاء "عين التينة" المحتضر)، وقبل دمشق نفسها، ان ادارة جورج دبليو بوش لم تستفق على سُوء ادارة "دولة" الطوائف اللبنانية وفسادها ولاديموقراطيتها، لا حباً باللبنانيين، ولا شغفاً بالمعارضة نفسها، وانها لم تنتبه الى الخلل الفاضح في ممارسة الديموقراطية الطوائفية اللبنانية إلا بعد وصول ازمة العلاقات بينها وبين دمشق الى ما يبدو حتى اللحظة نقطة اللاعودة... فإن اركان هذه المعارضة (!!) نفسها، يعرفون جيدا ان ادارة "الحالة اللبنانية" ليست الا تفصيلا صغيرا (ربما زادت حساسيته الآن) في ملف العلاقات الاميركية السورية، ولذلك هم يخشون ان تتنازل دمشق، حيث تنتظر منها واشنطن ان تتنازل، ويعود "سالكا" طريق التسويات بين ادارة "المحافظين الجدد" في البيت الابيض وعاصمة الأمويين.

من حق المعارضة اللبنانية، ان تخشى مثل "كابوس" تلك التسوية، وخاصة ان لا شيء يمكن ان تقدمه وتساوم عليه مع واشنطن لإطالة عمر الاحتلال الاميركي للعراق (حيث مقصد "حج" السياسة الاميركية و"هوى" المحافظين الجدد)، بينما يملك السوريون الكثير.

ومن حق المعارضة برغم كفاءتها التحريضية في تهييج المتظاهرين، وبرغم كفاءتها السياسية في الاقتراب من إتمام انقلاب ديموقراطي ابيض (لأول مرة في تاريخ لبنان الحديث تستقيل حكومة تحت وطأة تظاهرات الشارع)، ان تخشى مثل هذه الصفقة السورية الاميركية "المفترَضة"، وخاصة ان تاريخ الادارات الاميركية مليء بالصفقات (ليس في قاموس السياسة الاميركية مصطلح صديق دائم، ولا مصطلح عدو دائم). وربما ان القيادة السورية تبحث اليوم عن صفقة ما، لا تشارك هي بالضرورة في صياغة بنودها بالكامل، تعيد اليها بعض ماء الوجه الذي أريق جراء انسحابها من لبنان.

كما ان المعارضة إياها، تخشى ان تفرق "مغانم" تنفيذ القرار 1559 (بشق الانسحاب السوري)، ما سعت بكفاءة (حتى الآن) ايضا الى ان يجمع شتاته دمُ الرئيس رفيق الحريري. فعلى الرغم من ان معظم أقطاب المعارضة، اليوم (باستثناء وليد جنبلاط وكتلتي "اللقاء الديموقراطي" و"تيار المستقبل") وهذه مفارقة لافتة وغريبة تميزوا بمعارضة شرسة وحادة لجميع حكومات الحريري الماضية (ولعل احد ابرز فصولها جلسة مناقشة الخلوي النيابية الشهيرة، والمحقة، في عهد حكومة الرئيس رفيق الحريري)، فإنهم اليوم (من كان داخل المجلس النيابي، ومن اتهموا حكومات الحريري السابقة بتفصيل القوانين الانتخابية على قياسها "وتزوير" الانتخابات واستعمال "المال السياسي" واغلاق محطاتهم التلفزيونية... الخ)، يعتمدون على ثقب ذاكرة اللبنانيين، وضَعفها، ويحاولون اليوم ان يقلبوا تحالفات الرئيس الحريري السابقة، ويبدلوا المواقع بمواقع جديدة تستفيد من مفاعيل اللحظة السياسية الراهنة، وخطابها التعبوي الطارئ... في تحالف انتخابي تعرف المعارضة، قبل غيرها، ان حالها فيه تشبه حال الموالاة في ظل "قوانين" الانتخاب السابقة، وان ثمة ازمة جدية تواجه بقاءها موحدة (وقد بدأت هذه الازمة قبل اقرار قانون الانتخاب العتيد) بعد فرز اصوات المقترعين.

وربما ان المعارضة، في عدم تظهير مكامن ضعفها وركاكة تحالفاتها وعدم قدرتها على اعلان توجه سياسي يجمع بينها، انما تستفيد من هشاشة حال الموالاة اليوم كل الموالاة ، وتحاول ان تسرق (باستثناء وليد جنبلاط) من كثير من أقطابها، الخطاب التصالحي والتحالفي السابق مع الرئيس رفيق الحريري (وهو دور وموقع لن يحسدها عليه "عزول"، خاصة مع روائح الفساد الذي شاركت فيه السلطة مجتمعة طوال السنوات الخمس عشرة الماضية).

ولكن يبدو ان المعارضة تتبرأ، في ذلك، من كل خطابها المعارض السابق، مجتمعا، وترمي حمله الثقيل عنها، وتتنكر لكل شعاراتها السابقة، في وضعها التصالحي الجديد مع سياسة الحريري الاقتصادية، ومع حكومات الحريري وبياناتها الوزارية (الوزير فؤاد السنيورة تحمل سيلا من الاتهامات والانتقادات لم يتعرض له وزير مالية منذ نشوء الكيان اللبناني)، وعملت (أيام حكومات الحريري ضمن حقها القانوني والدستوري) على ان ترمي هذه السياسات بانتقادات حادة ولاذعة (بعضها محق)، وعلى ان تتهكم على مشاريع الحريري الاقتصادية ووعوده "الربيعية"، وحتى التهكم على توسعة مطار بيروت، وبناء الجسور والأوتوسترادات والبنى التحتية، وصولا الى مشروع اعمار الوسط التجاري (سوليدير) الذي تقيم فيه المعارضة اليوم مهرجاناتها الخطابية، تطالب بالحقيقة، وتشيد فيها بمن تعتبره اليوم رجل البناء والاعمار.

"السفير"